أخبار سريعة
الجمعة 06 ديسمبر 2019

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية (1)

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية  من القصص القرآنية (1)


القرآن الكريم كتاب هداية، يرشد الناس إلى مصالح الدنيا والآخرة، كما قال -عز وجل-:{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ}(الإسراء:9)؛ فالقرآن الحكيم يهدي للعقائد الصحيحة، والأخلاق القويمة، والعبادات المستقيمة، والمعاملات العادلة.

     ودلالة القرآن العظيم على الأحكام متنوعة؛ فقد ترد تكاليف بطريقة صريحة من خلال الأوامر والنواهي المباشرة، كقوله -سبحانه-:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ}(البقرة:43)، وقوله -تعالى-:{لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}(الانعام:151)، وقد ترد التكاليف بطريقة غير صريحة، كمدح الفعل، أو الفاعلين كقوله -تعالى-:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(البقرة:195)، أو ذم الفعل، أو الفاعلين، كقوله -سبحانه-: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}(البقرة:205)، وقوله -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}(القصص:77).

أساليب الهداية القرآنية

     ومن أساليب الهداية القرآنية (القصص)، وهي القصص التي أخبر بها الله -سبحانه- في القرآن عن أحوال الأمم الماضية، والنبوات السابقة، ولها فوائد عديدة وثمرات كثيرة، ومن ذلك ما اشتملت عليه من أحكام فقهية عملية، تتعلق بأفعال المكلفين، وقد نبه الفقهاء والمفسرون إلى دلالة بعض القصص القرآنية على تلك الأحكام لخفائها ودقة مآخذها، مع أهميتها ولزوم معرفتها.

الأحكام الفقهية

     وهذه السلسلة من المقالات تتناول -إن شاء الله- بعض الأحكام الفقهية التي جاءت في بعض القصص القرآنية، لتنبيه الأذهان إلى تدبر القرآن، وتقريب الأحكام إلى يد المتفقهين، وسيتم بيان الأحكام بحسب ورود الآيات في المصحف الشريف، مع الإفادة من تفاسير آيات الأحكام، كالجامع للقرطبي، وأحكام القرآن للجصاص، وأحكام القرآن لابن العربي، ونحوها؛ فلا غنى لطالب العلم عن جهود السابقين؛ لما فيها من حسن القصد، وقوة الاستدلال، وجمال العبارة، ودقة النظر، وعميق الفكر. أسأل الله -تعالى- أن يجعل هذا الجمع خالصا لوجهه الكريم، نافعا للمسلمين.

     قال -تعالى-: {وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون}(البقرة:50)، قال ابن كثير: معناه : وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون، وخرجتم مع موسى -عليه السلام-، خرج فرعون في طلبكم ، ففرقنا بكم البحر (فأنجيناكم) أي: خلصناكم منهم، وحجزنا بينكم وبينهم، وأغرقناهم وأنتم تنظرون؛ ليكون ذلك أشفى لصدوركم ، وأبلغ في إهانة عدوكم.

وفي هذه الآية بعض المسائل:

المسألة الأولى

     في تعيين يوم إغراق فرعون وإنجاء موسى -عليه السلام- ومن معه، ذكر بعض المفسرين أن ذلك الغرق والإنجاء كان في يوم عاشوراء، قال القرطبي: ذكر الله -تعالى- الإنجاء والإغراق، ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه؛ فروى مسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة؛ فوجد اليهود صياما يوم عاشوراء؛ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ما هذا اليوم الذي تصومونه؟»؛ فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا فنحن نصومه؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «فنحن أحق وأولى بموسى منكم»؛ فصامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر بصيامه، وأخرجه البخاري أيضا عن ابن عباس، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: «أنتم أحق بموسى منهم فصوموا».

المسألة الثانية

اختلف في يوم عاشوراء هل هو التاسع من المحرم أو العاشر؟

المذهب الأول

     يوم عاشوراء هو التاسع من المحرم، وهو قول ابن عباس، أخرج مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَج قال: انْتَهَيْت إِلَى ابن عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ يَوْمِ عَاشُورَاءَ؟ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلْتُ: أَهَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ.

قال النووي: هذا تصريح من ابن عَبَّاسٍ بِأَنَّ مَذْهَبَهُ أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ التَّاسِعُ مِنَ الْمُحَرَّمٍ، وَيَتَأَوَّلُهُ عَلَى أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ إِظْمَاءِ الْإِبِلِ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْيَوْمَ الْخَامِسَ مِنْ أَيَّامِ الْوِرْدِ رَبْعًا، وَكَذَا بَاقِي الْأَيَّامِ عَلَى هَذِهِ النِّسْبَةِ؛ فَيَكُونُ التَّاسِعُ عَشْرًا».

وقال ابن حجر:» وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ يَوْمُ التَّاسِعِ عَاشُورَاءَ أَخْذًا مِنْ أَوْرَادِ الْإِبِلِ، كَانُوا إِذَا رَعَوُا الْإِبِلَ ثَمَانِيَّةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ أَوْرَدُوهَا فِي التَّاسِعِ قَالُوا: وَرَدْنَا عِشْرًا بِكَسْرِ الْعَيْنِ، وَكَذَلِكَ إِلَى الثَّلَاثَةِ.

ونوقش هذا الاستدلال بما نقله ابن حجر عن الزَّيْنُ بْنُ الْمُنِيرِأنه قال: قَوْلُهُ: «إِذَا أَصْبَحْتَ مِنْ تَاسِعِه»؛ فَأَصْبِحْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ الْعَاشِرَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصْبِحُ صَائِمًا بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ مِنْ تَاسِعِهِ، إِلَّا إِذَا نَوَى الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ وَهُوَ اللَّيْلَةُ الْعَاشِرَةُ.

      قال ابن حجر: وَيُقَوِّي هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»؛ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَصُومُ الْعَاشِرَ وَهَـمَّ بِصَوْمِ التَّاسِعِ فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ».

المذهب الثاني

     يوم عاشوراء هو العاشر من المحرم، وهو قول الجمهور، قال النووي: وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ عَاشُورَاءَ هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنَ الْمُحَرَّمِ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيّ، وَمَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاق،ُ وَخَلَائِقُ، وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ وَمُقْتَضَى اللَّفْظِ.

     قال ابن حجر: قَالَ الْأَكْثَرُ: هُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: عَاشُورَاءُ مَعْدُولٌ عَنْ عَاشِرَةٍ لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّعْظِيمِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ صِفَةٌ لِلَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَشْرِ الَّذِي هُوَ اسْمُ الْعَقْدِ وَالْيَوْمُ مُضَافٌ إِلَيْهَا؛ فَإِذا قِيلَ: يَوْمُ عَاشُورَاءَ؛ فَكَأَنَّهُ قِيلَ: يَوْمُ اللَّيْلَةِ الْعَاشِرَةِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمَّا عَدَلُوا بِهِ عَنِ الصِّفَةِ، غَلَبَتْ عَلَيْهِ الِاسْمِيَّةُ؛ فَاسْتَغْنَوْا عَنِ الْمَوْصُوفِ؛ فَحَذَفُوا اللَّيْلَةَ فَصَارَ هَذَا اللَّفْظُ عَلَمًا عَلَى الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، وهو المذهب الأظهر لقوة أدلتهم وسلامتها من المناقشة.

المسألة الثالثة

     ما حكم صوم عاشوراء؟ قال النووي: اتَّفَقَ العلماء على أن صوم يوم عاشوراء اليوم سُنَّةٌ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وأشار -رحمه الله- إلى الخلاف في وجوبه في أول الإسلام ثم استقر الأمر على استحباب صومه؛ فقال: وَعَلَى الْمَذْهَبَيْنِ فَهُوَ سُنَّةٌ مُسْتَحَبَّةٌ الْآنَ مِنْ حِينَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم هَذَا الْكَلَامَ -يقصد قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ شَاءَ صَامَهُ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ»، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: كَانَ صوم عاشوراء فرض وَهُوَ بَاقٍ عَلَى فَرْضِيَّتِهِ لَمْ يُنْسَخْ، قَالَ: وَانْقَرَضَ الْقَائِلُونَ بِهَذَا، وَحَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ، وَرُوِيَ عَنِ ابن عُمَرَ كَرَاهَةُ قَصْدِ صَوْمِهِ وَتَعْيِينِهِ بِالصَّوْمِ، وَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَتَعْيِينِهِ لِلْأَحَادِيثِ، وَأَمَّا قَوْلُ ابن مَسْعُودٍ: كُنَّا نَصُومُهُ ثُمَّ تُرِكَ؛ فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ كَمَا كَانَ مِنَ الْوُجُوبِ وَتَأَكَّدَ النَّدْبُ.

المسألة الرابعة

     ما فضل صيام عاشوراء؟ أخرج مسلم عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «صيام يوم عرفة يكفر سنتين، وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة»، لكن إطلاق القول بأنه يكفِّر، لا يوجب أن يكفر الكبائر بلا توبة؛ فإنه صلى الله عليه وسلم قال في الجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان: «كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر»، ومعلوم أن الصلاة هي أفضل من الصيام، وصيام رمضان أعظم من صيام يوم عرفة، ولا يكفر السيئات إلا باجتناب الكبائر، كما قيده النبي صلى الله عليه وسلم؛ فكيف يظن أن صوم يوم أو يومين تطوعا يكفر الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، والميسر، والسحر، ونحوه؟؛ فهذا لا يكون»، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم عاشوراء،لما له من المكانة؛ فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : مَا رَأَيْتُ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَتَحَرَّى صِيَامَ يَوْمٍ فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ إِلا هَذَا الْيَوْمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَهَذَا الشَّهْرَ -يَعْنِي شَهْرَ رَمَضَانَ- ومعنى يتحرى: أي يقصد صومه لتحصيل ثوابه والرغبة فيه .

المسألة الخامسة

     ما الأفضل في صيام عاشوراء، جاء في صحيح مسلم أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: «لئن بقيت إلى قابل، لأصومنَّ التاسع»؛ ولذا استحب جمهور العلماء الجمع بالصيام بين التاسع والعاشر، قال ابن حجر: «وَعَلَى هَذَا فَصِيَامُ عَاشُورَاءَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ، أَدْنَاهَا أَنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ مَعَهُ، وَفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التَّاسِعُ وَالْحَادِي عَشَرَ».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة