أخبار سريعة
السبت 14 ديسمبر 2019

مقالات » التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (2)

للكاتب: عصام حسانين

نسخة للطباعة

التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة (2)


تكلمنا في المقال الأول عن أهمية التربية الاجتماعية في مرحلة الطفولة وتعريفها، ووسائلها، وتكلمنا عن الوسيلة الأولى وهي: القرآن الكريم ، وفي هذا المقال نتكلم – إن شاء الله - عن الوسيلة الثانية، وهي  السنة النبوية.

     وما جاء به القرآن في البناء الاجتماعي جاءت به السنة النبوية الشريفة؛ لأنها وحي، ومبينة للقرآن العظيم كما قال –عزوجل-: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى} (النجم: 3)، وقال –عزوجل-: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون}(النحل: 44)، وعن العرباض بنِ ساريةَ رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال: «أَيَحْسَبُ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ، قَدْ يَظُنُّ أَنَّ اللهَ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا إِلَّا مَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ، أَلَا وَإِنِّي وَاللهِ قَدْ وَعَظْتُ وَأَمَرْتُ وَنَهَيْتُ عَنْ أَشْيَاءَ، إِنَّهَا لَمِثْلُ الْقُرْآنِ أَوْ أَكْثَرُ» أخرجه أبو داود وحسَّنه الألبانيُّ في (السلسلة الصحيحة) (٢/ ٥٧٠).

تطبيق عملي

     والسنة النبوية الشريفة تطبيق عملي للقرآن الكريم، كما قالت عائشة -رضى الله عنها- عندما سُئلت عن خُلق النبى صلى الله عليه وسلم : «كان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم القرآن»، وقد جاءت عنه صلى الله عليه وسلم أحاديث، هي أسس وقواعد في التربية الاجتماعية، من ذلك :

اصطحاب الطفل إلى المسجد

      فالمسجدُ بيت الله في الأرض وأحبُّ البقاع إليه وخيرُها، وهو مكانُ العبادةِ، مشتقٌ من السجود، الذي فيه غايةُ الخضوع لله -عزَّ وجلِّ-، عن أبي هريرة رضي الله عنه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَحَبُّ البلاد إلى الله مساجدُها، وأبغضُ البلاد إلى الله أسواقها». رواه مسلم.

زائرُ الله -تعالى

     ومن خرج لأداءِ الصلاةِ في المسجد؛ِ فهو زائرُ الله -تعالى-:  قال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ تَوَضَّأَ في بَيْتهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ أتى الْمَسْجدَ فَهُوَ زَائرُ اللهِ، وَحَقٌّ على الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائرَ». رواه الطبراني وحسنه الألباني، وقد أمر الله -تعالي- ببنائها وعمارتها؛ فقال: { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَار}(النور: 36-37 ).

     قال العلامة السعدي – رحمه الله-: «أي: يتعبد لله فِي بُيُوتٍ عظيمة فاضلة، هي أحب البقاع إليه، وهي المساجد. (أَذِنَ اللَّهُ) أي: أمر ووصى أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه، هذان مجموع أحكام المساجد؛ فيدخل في رفعها، بناؤها، وكنسها، وتنظيفها من النجاسة والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسة، وعن الكافر، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله». وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ، يدخل في ذلك الصلاة كلها، فرضها، ونفلها، وقراءة القرآن، والتسبيح، والتهليل، وغيره من أنواع الذكر، وتعلم العلم وتعليمه، والمذاكرة فيها، والاعتكاف، وغير ذلك من العبادات التي تفعل في المساجد اهـ من التفسير.

لزوم المساجد

     وقد حثَّنا النبيُّ صلى الله عليه وسلم على لزوم المساجد، وحضور مجالس العلم فيها؛ فقال: «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» رواه مسلم، ولأهميةِ المسجد في الإسلام بدأ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ببنائه في أول مقدمه المدينة، وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يصطحبون أولادهم معهم إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دل على  ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها؛ فأسمع بكاء الصبي؛ فأتجوّز في صلاتي مما أعلم من شدة وجْد أمه من بكائه» رواه البخاري ومسلم.

الحسن و الحسين

     وربما جاء الحسن و الحسين -رضي الله عنهما- إلى المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب؛ فينزل إليهما، ويحملهما؛ فعن عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأقبل الحسن والحسين -رضي الله عنهما- عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان؛ فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر، ثم قال: «صدق الله، إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين فلم أصبر»، ثم أخذ في الخطبة (رواه أبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1109 )، وربما وثبا علي ظهره وهو ساجد صلى الله عليه وسلم؛ فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  قال: «كان الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي؛ فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره؛ فإذا منعوهما أشار إليهم أن دعوهما؛ فلما قضى الصلاة وضعهما في حجره».رواه ابن خزيمة في صحيحه، وحسنه الألباني.

حمله صلى الله عليه وسلم لأمامة

وصلّي صلى الله عليه وسلم حاملاً أمامة بنت ابنته زينب -رضي الله عنها-؛ فعن أبي قتادة رضي الله عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمامة بنت العاص -ابنة زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم على عاتقه؛ فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود أعادها». رواه البخاري ومسلم.

إدخال الصبيان المساجد

     من هذه الأحاديث أخذ العلماء جواز إدخال الصبيان المساجد، ولو كانوا صغاراً يتعثرون في سيرهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أقرَّ ذلك ولم ينكره، بل شرع للأئمة تخفيف القراءة لصياح صبي، خشية أن يشق على أهله، ومن الحكمة في ذلك تعويدهم على الطاعة ، وحضور الصلاة منذ نعومة أظفارهم؛ فإن لتلك المشاهد التي يرونها في المساجد وما يسمعونه من قراءة القرآن، والتكبير، والتحميد، والتسبيح، ورؤية المصلين، أثراً قوياً في نفوسهم لا يزول حين كبرهم ، ودخولهم في أعباء الحياة.

فتوى الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله -

- سئل الشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - : هل يجوز للرجل أن يذهب إلى المسجد ومعه أطفاله الصغار دون الرابعة؟

- فأجاب:  «الأطفال الذين دون الرابعة في الغالب لا يحسنون الصلاة؛ لأنه لا تمييز لهم، والسن الغالب للتمييز هو سبع سنين، وهو السن الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن نأمر أولادنا بالصلاة إذا بلغوه؛ فقال -عليه الصلاة والسلام-: «مروا أولادكم أو أبناءكم بالصلاة لسبع»، وإذا كان هؤلاء الأطفال الذين في الرابعة لا يحسنون الصلاة؛ فلا ينبغي له أن يأتي بهم في المسجد، اللهم إلا عند الضرورة، كما لو لم يكن في البيت أحد يحمي هذا الصبي؛ فأتى به معه بشرط ألا يؤذي المصلين؛ فإن آذى المصلين؛ فإنه لا يأتي به، وإذا احتاج الطفل أن يبقى معه في البيت فليبق معه، وفي هذه الحال يكون معذوراً بترك الجماعة؛ لأنه تخلف عن الجماعة لعذر، وهو حفظ ابنه وحمايته» انتهى من «فتاوى نور على الدرب».

العناية بالمساجد

     ولصيانة المسجد من هذا التخوف؛ فعلى الآباء إذا جاؤوا بأولادهم إلى المسجد أن يحثوهم على العناية به،  والحفاظ على نظافته واحترامه، ومراعاة الهدوء فيه ، ويحذروهم من اللعب والعبث بأثاثه وما فيه؛ لأنه بيت الله -تعالي- ومن جاءه فهو زائر الله، وحق على المزور أن يكرم الزائر كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا كنا نعتني بنظافة بيوتنا؛ فبيوت الله أحق أن يُعتنى بها، ولا يجوز رفع الصوت فيها، ولا التشويش، حتى لا يذهب الخشوع والطمأنينة من قلوب المصلين.

التعرف على المجتمع

     ولأنه في المسجد يتعرف تدريجيًا على المجتمع من ناحية قيمه وعاداته، وأنماط سلوكه وأخلاقياته، وطريقة تعامله، ومستوياته المختلفة، كما يحدث التفاعل والتعاون بين عموم المسلمين في المسجد بعد صلاتهم؛ ففيه يلتقي المسلمون كلَّ يومٍ خمس مرَّاتِ؛ فتتوثقُ بينهم الصلةُ، ويتعاونون فيما بينهم على البر والتقوى.

تنظيف المسجد

     وحبذا ثم حبذا مشاركته معنا في تنظيف المسجد، وهذا فيه ما فيه من تعظيم بيت الله، وتعويده على العمل والبذل لدين الله، والمشاركة المجتمعية مع غيره، وبغير المسجد لا يمكن أن يتربي الطفل إيمانياً، وأن يتكّون خلقيًا واجتماعيًا، ويتعلم أحكام دينه؛ فعلى الوالد أن يحرص على اصطحاب ولده معه إلى المسجد – بشرطه - حرصاً شديداً، والله المستعان.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة