أخبار سريعة
الجمعة 06 ديسمبر 2019

مقالات » من درر الأعلام - تنزيه صفات الله عن المماثلة والمشابهة

نسخة للطباعة

من درر الأعلام - تنزيه صفات الله عن المماثلة والمشابهة

هذه محاضرة نادرة للشيخ العلامة الإمام المفسر الفقيه الأصولي اللغوي محمد الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- صاحب كتاب: (أضواء البيان)، ألقاها قبل ستين عاما تقريبا في الحرم المكي، يتجلى فيها سعة علم الشيخ -رحمه الله-، وفقهه، وفهمه، وقوة حجته، وحسن بيانه، وقد رأت (الفرقان) تفريغ هذه المحاضرة ونشرها لأهميتها ونفاستها.

 

     قال الشيخ -رحمه الله-: أريد أن ألقي أضواء على بعض المسائل التي لها أهمية في الإسلام، مع أن الكثيرين يفهمونها بمفاهيم غير صحيحة، من ذلك ما جاء في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من الصفات التي تمدح بها خالقنا، أو أثنى علية نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، كصفة الاستواء ونحو ذلك؛ فإنَّ كثيرا من أهل ملة الإسلام يتصورون ذلك بغير مفاهيمه الحقيقية، الذي أريد أن أقوله: إن المفهوم الصحيح؛ لذلك يتركز على علائق أسس موضحة غاية الإيضاح في القرآن الكريم.

تنزيه خالق السموات والأرض

- الأول منها: تنزيه خالق السموات والأرض التنزيه التام عن مشابهة شيء من خلقة بالذوات والصفات والأفعال، وهذا عظيم مستفاد من قوله -تعالى-: {ليس كمثلة شيء}، وقوله -تعالى-: {ولم يكن له كفوا أحد}، وقوله -تعالى-: {فلا تضربوا لله الأمثال} ونحو ذلك من الآيات.

الإيمان بما وصف الله به نفسه

- الثاني: هو الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به من قال في حقه {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي}؛ لأنه لا يصف الله أعلم من الله {أأنتم أعلم أم الله}، ولا يصف الله بعد الله، ولا أحد أعلم بالله من رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لذلك الإيمان بالصفات مبني على أساس تنزيه الخالق عن مماثلة خلقه، من ذواتهم، وصفاتهم، وأفعالهم، على نحو: {ليس كمثلة شيء وهو السميع  البصير}؛ فإتيانه -تعالى- بقوله: {وهو السميع البصير}، بعد قوله: {ليس كمثلة شيء}، له مغزىً عظيم وسر كبير وتعليم واضح؛ لأن السمع والبصر؛ من حيث كونهما سمعا وبصرا، يتصف بهما الحيوانات، ولله المثل الأعلى؛ فكأنه يقول لا تتنطع يا عبدي؛ فتنفي عني صفة سمعي وبصري على أن الحيوانات تسمع وتبصر، وأن إثبات سمعي وبصري والإيمان بهما لا يستلزم التشبيه بما يسمع ويبصر من خلقي؛ فآمن بسمعي وبصري وأثبته لي، ولكن لاحظ ذلك الإثبات أن قبله مقترن بـ:{ليس كمثلة شيء}؛ فأول الآية دليل على التنزيه الكامل من غير تعطيل، وآخرها دليل على الإيمان بالصفات من غير تشبيه؛ فمن تقدم بين يدي الله وتجرأ علي أن ينفي عنه وصفا أثنى به على  نفسه. أو أثنى عليه  رسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فكأنه جعل نفسه أعلم بالله من الله ورسوله: {سبحانك هذا بهتان عظيم}، ومن اعتقد أن وصفا أثنى الله به على نفسه يشبه شيئا من صفات خلقه؛ فهو أجهل خلق الله في الله، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه في حال كونه منزها ربه غاية التنزيه عن مشابه صفات الخلق؛ فهو مؤمن منزه سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، مستضيء بنور قوله -تعالى-: {ليس كمثلة شيء وهو السميع البصير}.

إدراك كيفية الاتصاف

- الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف؛ لأن العقول لا تحيط علما بمن خلقها، قال -تعالى-: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما}، فقوله -تعالى-: {لا يحيطون}، فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم، كما هو مقرر في الأصول، ومن المعلوم أن الفعل قسمان:

فعل حقيقي: هو الحدث المتجدد المعبر عنه في علم النحو بالمصدر.

وفعل صناعي: هو المعروف في الصناعة النحوية بفعل الأمر، والماضي، والمضارع؛ فقوله: {ولا يحيطون به علما}، بمعنى لا إحاطة للعلم البشري بخالق الكون -جل وعلا.

المعني الصحيح

      وأنا أؤكد لكم كل التوكيد، أنكم إن لقيتم ربكم يوم القيامة معتقدين في آيات الصفات هذا المعنى الصحيح المتركز على هذه الأسس الثلاثة القرآنية، لا يلومكم الله، ولا يوبخكم؛ فلا يقول لكم: لم تنزهونني عن مشابة خلقي، ولا يقول لكم: لم تؤمنوا بصفاتي وتصدقوني فيما مدحت به نفسي، أو أثنى به عليَّ نبي، ولا يقول لكم: لم لا تقولون: إن علمكم محيط بمن خلقكم؟ فهذا المفهوم الصحيح طريق سلامة محققة؛ لأنه في نور القرآن العظيم.

كيفية الاستواء

ولو تنطع متنطع لقال: بينوا لنا ما كيفية الاستواء؟ فهو منزه عن كيفية استواء المخلوقين، ومنزه عن مشابه صفات الخلق، قلنا أعرفت كيفية الله المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلابد أن يقول: لا.!

- أقول: معرفة كيفية الاتصاف متوقفة على معرفة الله؛ -فسبحان- من أحاط بكل شيء علما، ولا يحيطون به علما؛ فالله -جل وعلا- حق وصفاته حق، والمخلوقون حق، وصفاتهم حق، وللخالق صفات لائقة بكماله وجلاله، وللخلق صفات لائقة بحالهم، وبين صفة الخالق والمخلوقين من التغاير والتنافي، ألا ترون أن الله -تبارك وتعالى- خص نفسه بالقدرة؛ فقال -تعالى-: {والله على كل شيء قدير}، ووصف بعض خلقه بالقدرة؛ فقال -تعالى-: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم}، ووصف نفسه بالحياة؛ فقال -تعالى-: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}، وقال -تعالى-: {هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين}، ووصف بعض خلقه بالحياة؛ فقال -تعالى-: {وجعلنا من الماء كل شيء حي}، وقال -تعالى-: {ويوم يموت ويوم يبعث حيا}، وقال -تعالى-: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي}؛ فلله قدرة وحياة لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوقين قدرة وحياة لائقة بحالهم وفقرهم، وبين قدرة الخالق وحياته وبين قدرة المخلوقين وحياتهم من المنافاة، مثل ما بين الخالق والمخلوق، ووصف -تعالى- نفسه بالعلم؛ فقال -سبحانه-: {والله بكل شيء عليم}، وقال -تعالى-: {فلنقصن عليهم بعلم}، وقال -تعالى-: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه}، ووصف بعض خلقة بالعلم؛ فقال -تعالى-: {وإنه لذو علم لما علمناه}، وقال -تعالى-:  {فبشرناه بغلام عليم}، وقال -تعالى-: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون}، ولكن علمه -تعالى- ينافي علم المخلوق، ولو تتبعنا الآيات الواردة لجئنا بالمئات.

الاستواء على العرش

     وكذلك وصف نفسه بالاستواء على العرش في سبع آيات من كتابه، ووصف بعض خلقة بالاستواء على بعض المخلوقات كما قال -تعالى-: {لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه}، وقوله -تعالى-: {واستوت على الجودي}، وقوله -تعالى-: {فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك}؛ فاستواء الله على عرشه الذي مدح به نفسه، لا يشبه من الكال والجلال ما يقع على غيره من استواء خلقه، كقدرته، وعلمه، وحياته؛ لأن كماله حق، صفاته حق، ولا يشبهه شيء من خلقه.·

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة