أخبار سريعة
الجمعة 06 ديسمبر 2019

مقالات » «احفظ الله يحفظك» فقه الأمر بالمعروف والنهــــي عن المنكر لولاة الأمور

للكاتب: الشيخ: رائد الحزيمي

نسخة للطباعة

«احفظ الله يحفظك» فقه الأمر بالمعروف والنهــــي عن المنكر لولاة الأمور

مدح الله -جل وعلا- هذه الأمة بقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}، فاستحقت الأمة هذه الخيرية؛ بسبب أمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر، في مقابل ذلك استحق بنو إسرائيل اللعن: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ}، لعنهم الله؛ بسبب تركهم إنكار المنكر.

     وإنكار المنكر له آداب نظمها الدين الإسلامي، وراعى فيها المصالح والمفاسد، فالإنكار مثلاً على الوالدين ليس كالإنكار على غيرهما، وكذلك الإنكار على الرؤساء والحكام، ليس كغيرهم، الله -جل جلاله- عندما أرسل موسي وهارون إلى فرعون قال لهما: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، فهدف الإنكار الإصلاح لا الإفساد، ما كان الأنبياء ولا الصالحون ولا العلماء ولا الأنبياء جبناء ولا مداهنين حاشا وكلا بل كانوا شجعان.

يناصحه ولا يُظهر الشناعة عليه

     في مسند الإمام أحمد بن حنبل وفي سلسلة الألباني الصحيحة قال -عليه الصلاة والسلام-: «من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبدي له علانية ولكن ليأخذ بيده فيخلو به، فإن قبل منه، فذاك وإلا كان قد أدى الذي عليه له»، يقول الشوكاني معلقا: «ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه ولا يُظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد، بل كما ورد في الحديث «فليأخذ بيده ويخلو به ويبذل له النصيحة» ولا يذل سلطان الله، ألم يقل ربنا -عز وجل- لموسى وهارون -عليهما السلام-: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ}، ثم قال بعد ذلك لا يجوز الخروج على الأئمة وإن بلغوا في الظلم أي مبلغ، ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر منهم الكفر البواح».

ألا تدخل على عثمان؟

     في البخاري والمسلم عن أسامة بن زيد قيل له «ألا تدخل على عثمان فتكلمه في بعض الأمور، فقال: أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم، والله لقد كلمته فيما بيني وبينه من دون أن أفتح أمرا لا أحب أن أكون أول من فتحة»، يقول عياض شارحا لهذا الأمر: «مراد أسامة: أنه لا يفتح باب المجاهرة على الإمام فيما يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سرا فذلك أجدر بالقبول».

المبالغة في التلطف

     يقول ابن الجوزي أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي: «ينبغي لمن وعظ سلطانا أن يبالغ في التلطيف، ولا يواجهه بما يقتضي أنه ظالم، فإن السلاطين حظهم التفرد بالقهر والغلبة؛ فإذا جرى نوع توبيخ لهم كان إذلالا، وهم لا يحتملون ذلك»، عند ابن أبي شيبة ورجب الحنبلي أن ابن عباس - رضي الله عنه - سئل «عن أمر السلطان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: إن كنت فاعلا ولابد ففيما بينك وبينه».

لا أرى ذلك ولا آمر به

     قال أبو الحارث الصائغ: سألت أحمد بن حنبل في أمر كان حدث ببغداد، وهمَّ قومٌ بالخروج، فقلت: يا أبا عبد الله، ما ترى في الخروج مع هؤلاء؟ فأنكر ذلك عليهم، وجعل يقول: «سبحان الله! الدماء الدماء! لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خيرٌ من الفتنة التي تسفك فيها الدماء، وتستباح فيها الأموال، وتنتهك فيها المحارم. أما علمت ما كان الناس فيه؟!» يعني أيَّام الفتنة. قلت: والناس اليوم، أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟! قال: «وإن كان، فإنَّما هي فتنةٌ خاصَّة، فإذا وقع السيف عمَّت الفتنة، وانقطعت السبل، الصبر على هذا، ويسلم لك دينك خير لك». ورأيته ينكر الخروج على الأئمَّة وقال: «الدماء، لا أرى ذلك، ولا آمر به».

خلق القرآن

     وقال على بن عيسى: سمعت حنبل بن إسحق يقول: اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، فقالوا له: يا أبا عبد الله، هذا الأمر قد تفاقم وفشا، يعنون إظهاره لخلق القرآن وغير ذلك، فقال لهم أبو عبد الله: فما تريدون؟ قالوا: أن نشاورك في أنَّا لسنا نرضى بإمرته ولا سلطانه. فناظرهم أبو عبد الله ساعة، وقال لهم: «عليكم بالإنكار بقلوبكم، ولا تخلعوا يدًا من طاعة، ولا تشقُّوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، انظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتَّى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر»، وقال: «هذا خلاف الآثار التي أمرنا فيها بالصبر» رواهما الخلال (في السنة1/132-134).

وهذا إمام دار الهجرة الإمام مالك سئل، يقول السائل: «أيأتي الرجل إلى السلطان فيعظه وينصحه ويندبه إلى الخير؟ فقال: إذا رجا أن يسمع منه وإلا فليس ذلك عليه».

نقد الولاة من فوق المنابر

وسئل الشيخ ابن باز -رحمه الله- هل من منهج السلف نقد الولاة من فوق المنابر؟ وما منهج السلف في نصح الولاة؟

     فقال: ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة، وذكر ذلك على المنابر؛ لأن ذلك يفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع، ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير.

أما إنكار المنكر دون ذكر الفاعل: فينكر الزنا، وينكر الخمر، وينكر الربا من دون ذكر من فعله؛ فذلك واجب؛ لعموم الأدلة.

     ويكفي إنكار المعاصي والتحذير منها من غير أن يذكر من فعلها لا حاكما ولا غير حاكم، ولما فتح الخوارج الجهال باب الشر في زمان عثمان، وأنكروا على عثمان علنا عظمت الفتنة والقتال والفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم، حتى حصلت الفتنة بين علي ومعاوية، وقتل عثمان وعلي -رضي الله عنهما- بأسباب ذلك، وقتل جمع كثير من الصحابة وغيرهم بأسباب الإنكار العلني، وذكر العيوب علنا، حتى أبغض الكثيرون من الناس ولي أمرهم وقتلوه، وقد روى عياض بن غنم الأشعري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية، ولكن يأخذ بيده فيخلو به فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه.

نشر معايب ولاة الأمور

     وفي شرح النووي قال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: «ليس من النصيحة أن يقوم بنشر معايب ولاة الأمور لما في ذلك من ملء القلوب غيظا وحقدا وحسدا على ولاة الأمور، وإذا امتلأت القلوب من ذلك حصل التمرد وربما حصل الخروج على الأمراء؛ فيحصل بذلك من الشر والفساد ما الله به عليم».

هل الخروج بالسيف فقط؟

وقد سُئل العلامة صالح بن فوزان الفوزان -حفظه الله-: هل الخروج على الأئمة يكون بالسيف فقط، أم يدخل في ذلك الطعن فيهم، وتحريض الناس على منابذتهم والتظاهر ضدهم؟

     فأجاب -حفظه الله-: «الخروج على الأئمة يكون بالخروج عليهم بالسيف، وهذا أشد الخروج، ويكون بالكلام: بسبِّهم، وشتمهم، والكلام فيهم في المجالس، وعلى المنابر، هذا يهيِّج الناس ويحثهم على الخروج على ولي الأمر، ويُنَقِّص قدر الولاة عندهم، هذا خروج، فالكلام خروج، نعم».  صلى الله عليه وسلم محاضرة ألقاها الشيخ بمسجد الملك فهد بالطائف بتاريخ 3-3-1415 هـ، والمادة موجودة على الموقع الرسمي للشيخ، بعنوان: (صور الخروج على الأئمة).

انتقاد الظلم

وسُئلَ العلامة عبدالعزيز الراجحي -حفظه الله-: هل الخروج على الحكام يكون بالسيف فقط، أم يكون باللسان أيضًا؟ كمَن ينتقد الظلم مثلاً، أو مَن يطالب بتغيير المنكرات علانيةً عن طريق الإعلام والقنوات الفضائية؟

     فأجاب -حفظه الله-: «نعم، الخروج على الولاة يكون بالقتال وبالسيف، ويكون أيضًا بذكر المعايب ونشرها في الصحف، أو فوق المنابر، أو في الإنترنت؛ في الشبكة أو غيرها؛ لأن ذكر المعايب هذه تبغِّض الناس في الحُكّام، ثم تكون سببًا في الخروج عليهم، أمير المؤمنين عثمان -رضي الله عنه- لما خرج عليه (الثوار) نشروا معايبه أولاً بين الناس، وقالوا: إنه خالف الشيخين الذين قبله أبا بكرٍ وعمر، وخالفهما في التكبير، وأخذ الزكاة على الخيل، وأتمَّ الصلاة في السفر، وقرّب أولياءه، وأعطاهم الولايات.. فجعلوا ينشرونها، فاجتمع (الثوار)، ثم أحاطوا ببيته وقتلوه.

     فلا يجوز للإنسان أن ينشرَ المعايب، هذا نوعٌ من الخروج؛ فإذا نُشرت المعايب -معايب الحُكام والولاة- على المنابر، وفي الصحف، والمجلات، وفي الشبكة المعلوماتية، أبغضَ الناس الولاة وألَّبوهم عليهم، فخرج الناس عليهم». اهـ («شرح المختار في أصول السنة» للراجحي (صـ 289)).

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة