أخبار سريعة
الجمعة 06 ديسمبر 2019

مقالات » وقفة مع متهمي السلفية بالبُعد عن المنهج العلمي (2)

للكاتب: إبراهيم محمد صدي

نسخة للطباعة

وقفة مع متهمي  السلفية بالبُعد عن المنهج العلمي (2)


ما زال الحديث مستمرا مع متهمي السلفية بامتهان الوعظ والبُعد عن المنهج العلميّ الرصين؛ حيث ذكرنا أن هذه التهمة تهمل مقومات السلفية العلمية والموضوعية، وهي تهمة لا تنهض أمام البحث العلمي أو التقرير الموضوعي، لكن الحماس للفكرة وسكرة الغضب يعميان المتكلم عن الحقائق، وتكلمنا عن المقومات المنهجية السلفية في نقاط ذكرنا منها: اعتماد الاستدلال القرآني، وحصر مصادر التلقي والاستنباط، واعتماد فهم الصحابة، ورابعًا التطلع إلى التجديد.

خامسًا: عموم الرسالة

     فالمنهج السلفيُّ حين يؤكِّد على ما سبق فإنه ينطلق من مسلَّمة منهجيَّة، وهي أنَّ الرسالة المحمديةَ التي تحمَّلها الصحابة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- رسالة عامَّة، لا تخضع لظروف الزمان والمكان، بل هي مُصلحة لهما معًا، وليست متكيفة ولا تقبل علوَّ غيرها عليها، وهذا يعني أن السلفيةَ ليست تخصُّصًا عقديًّا ولا طريقة في التفقُّه أو السلوك، بل هي الدين بشموله، وهذه خاصية تخصُّها؛ فكثير من المدارس الإسلامية تخصَّصت في جوانب على حساب جوانب أخرى؛ مما أدى إلى وجود خلَل عندهم في أكثر من جانب، فجعل العقائد خاصَّةً بالمتكلمين أفسدَ العقائد، وأدخل فيها الأقوال المنحرفة، وكذا السلوك حين تُرك للزهاد وفُصل عن الفقه، وهكذا وقع للفقه حين فصل عن أدلَّته، فالسلفيةُ ترى أن الرجوع بالدين إلى فهم السلف هو تنقية له من الشوائب في أبوابه وموضوعاته؛ فهي ليست محصورة في مذاهب الفقهاء، ولا هي تمثُّلٌ لعقائد المتكلمين وانتقاء منها، ولا تصفية للتصوف، بل هي منهج يحاكم إليه كل هؤلاء، فيُعرف حقُّهم من باطلهم في العقائد، وصوابهم من خطئهم في الأحكام والعمل والتزكية.

المقومات الموضوعية

     السلفيةُ في جانبها الموضوعيِّ تنطلِق من أن وجودَ الله أمر فطريٌّ لا يستطيع الإنسان دفعَه ولا ردَّه، وأدلةُ الشرع والعقل والطبع كلُّها شواهدُ تؤكِّد هذا الشعور؛ فالقضيَّة الأولى في حياة الناس ليست هي تحصيل الحاصل بإثبات الصانع، بل القضية الأولى هي عبادته، وهذا يشمل أمورا، منها: الإقرار بربوبيته -سبحانه- وإفراده بالعبادة وإثبات ما أثبته لنفسه ونفي ما نفاه عن نفسه -سبحانه-، ثم ما يتبع ذلك من إيمان بالدين كله، والسعي لإقامته على هذا النحو. وبالنسبة لموضوع التحسين والتقبيح فهم يرون أن العقلَ بطبعه يدرك حُسن الأشياء وقُبحها جملةً، لكنه لا يستطيع ذلك على وجه التفصيل، وليس له الحقّ في ترتيب الثواب والعقاب على الأشياء، فمردُّ ذلك إلى الشرع.

النُّظُم الاجتماعية

     والنُّظُم الاجتماعية مبنية عندهم على أسُس عقديَّة وأخلاقية محكمَة، لا يمكن العدول عنها إلى غيرها، ومثلها في ذلك الموقف من الحاكم سلبًا أو إيجابًا، فإن هذه الأمور لا يحكمها الهوى، ولا يحقُّ للإنسان التخيّر فيها، بل هي محكومة بالشرع وقواعده، فلا كُرْهُ الحاكم ولا فجوره يوجبان الخروجَ عليه ما لم يأتِ إذنٌ من الشرع في ذلك صريح، وكذا الموقف النفسي من الأشخاص أو الطوائف لا يمكن أن يخرج في صورةٍ عملية لها قيمَة شرعًا ما لم يستند استنادًا صحيحًا إلى أدلة شرعيَّة، والمقصود بالاستناد الصحيح أن يكون الباعثُ إلى الموقف هو ما تمليه النصوصُ بمقتضاها الشرعيِّ، لا بتأويل من الشَّخص ولا خضوع لظرف معين.

التعريف الجامع

     فإذا تبينت مقومات السلفية فإن بها يتحدَّد طريقة تقويمها، فمن الملاحظة من خلال التعريف الجامع والموضوعي للسلفية أن ثمة نقاطًا جوهرية هي محلُّ اتفاق بين السلفية، وأخرى يسع فيها الخلاف، وذلك راجع إلى أن الفكرة من الناحية الموضوعية لا بد أن تكون لها أصول تتميز بها عن غيرها، وقضايا تعدّ جزئية وتفصيلية دقيقة يسع الخلاف فيها؛ نظرًا لتفاوت أفهام الناس وقدراتهم العلمية وما يتوفَّر لديهم من معلومات شرعية وأخرى خادِمة، فمن نقاط الاتفاق التلقائية بين السلفيين: اعتماد الوحي ومحاولة تأصيل المسائل تأصيلا شرعيًّا، وتعظيم الصحابة ومن تبعهم ومحاولة معرفة آثارهم، والحرص على نقاء الدين والبعد عن البدع القولية والعملية، والاعتزاز بالهويَّة الإسلاميَّة، والاقتناع واليقين بشمولية الدين وصلاحيته للحياة مطلقًا؛ فهذه هي أهمُّ المسائل التي يتَّفق عليها السلفيون إجمالًا، ثم يتوزَّعون في خدمتها بحسب أحوالهم وتخصُّصاتهم، فمدرسةٌ عظيمة شاملة بحجم السلفية لا يمكن أن يطغى عليها لون واحدٌ، ففيها أهل العلم وطلابه، وفيها الدعاة والوعَّاظ والعباد.

دعاة السلفية المعاصرة

     ومن ناحية واقعية فإن من انتسب للوعظ من السلفية المعاصرة كان أحسنَ أداءً من غيره وأكثر تأثيرا، فدعاة السلفية المعاصرة غلب فيهم الحرصُ على الابتعاد عن الخرافة والدجل والأحاديث الموضوعة وما يؤثِّر على الناس سلبًا، فاكتفوا بالكلام فيما يقرِّب الناسَ من ربهم بطرقِهم مواضيعَ تشكِّل تحديًّا للأمة بطريقة سليمة معرفيًّا، فنفع الله بهم وهدى خلقا كثيرا على أيديهم، وها هي ذي القنوات الدينية الأكثر متابعة في العالم تتبع لهم، والدعاة الأكثر تأثيرا منهم ولله الحمد، وليس كل منِ امتهن الدعوةَ والوعظ تكون هذه صفته العلمية فقط، بل قد يكون عالما من كبار أهل العلم رأى أن واجبَ الوقت في حقِّه هو التربية والتزكية وإرشاد الناس، فتفرغ لذلك، فالشيخ المحدث أبو إسحاق الحويني عالم بالحديث مبرز فيه يعِظ الناس ويرشدهم، وهو خِرِّيج قسم الترجمة، وكذا كثير من الدعاة ممن حصل لهم قبول وانتشار حسن جمع إلى دعوته تخصُّصات علمية، وحصل فيها مراتب عالية لم يحصلها مناوِئوه مع تفرغهم وعدم انشغالهم.

الناحية الواقعية

     ومن ناحية واقعية فإن السلفيةَ ليست محصورةً في الدعاة ولا الوعاظ، وتقييمها بهذه الطريقة غير موضوعيّ؛ لأن تقييم مدرسة تضمّ الباحثين والعلماء وطلاب العلم وحصرها في نشاط واحد من أنشطتها يعدُّ غير موضوعي، وهو مخلّ علميًّا بتقييم صاحبه، فلم تغب السلفية يوما من الأيام عن العلم والتحقيق والبرهان، أليس من نبذَ التقليد ودعا للاجتهاد وعلَّم الأمة أنه لا توجد حجُب بينها وبين كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- هم علماء سلفيون؟!

الكِتاب السَّلفي

     فكتُب العلم في شتى الفنون في هذا العصر يتصدّرها الكِتاب السَّلفي؛ ففي التفسير لا تجد ذكرًا لكتب التفسير المعاصرة بالمقارنة مع كتاب محاسن التأويل لجمال الدين القاسمي، وكتاب تيسير الكريم الرحمن للسعدي، فضلا عن كتب التفسير بالمأثور التي أخرجها السلفيون للنور، وكذا آثار المعلمي والبشير الإبراهيمي وغيرهم من العلماء المصلحين، وتجد على قائمة كتب السنة كتب الألباني وتخريجاته، وعبد القادر الأرناؤوط رحمهم الله جميعا، ومَن مثل العلامة ابن عثيمين في شرح كتب الفقه الحنبلي وكتب الاعتقاد وكتب الحديث وتقرير المسائل تقريرا علميًّا يفيد الذكي ويفهمه الغبي؟!

المراكز العلمية

     والمراكز العلمية المتصدِّرة للتصدِّي للإلحاد والردّ على مختلف الشبهات كلّها سلفية، وميزة المراكز السلفية اعتماد منهج القرآن، وتطوير آلات الدفاع العلمية، والابتعاد عن الأساليب التقليدية المعقدة، وهي أساليب المتكلمين وتفصيلاتهم، وقد كانت المراكز السلفية سبَّاقة في هذا الميدان متفردة في الطرح، يناقشون القضايا نقاشا علميًّا متزنًا، مع تنوع أعمالها العلمية وجودتها؛ فإن معالجتهم للظاهرة الإلحادية تعد قوية علميًّا ومتفوقة على نظيراتها، هذا مع وجود مئات البحوث في عشرات الجامعات ومختلف التخصُّصات لشخصيات سلفية، وما من باب من أبواب المعرفة إلا وقد طرقه السلفيون، وكان عطاؤهم فيه أحسن من عطاء غيرهم.

اختزال التأثير السلفي

     وعليه فإن اختزال التأثير السلفي في الوعظ وحدَه حيادٌ عن الموضوعية، وإغفال لجوانب علمية وموضوعية كثيرة، فكلّ شخص له عوامل تأثيره الخاصة به من جاه وعلم وتقى وقبول، هذا فضلا عن الجوانب الاجتماعية والتاريخية والموضوعية التي هي سبب رئيس في التأثير، هذا مع أننا ندرك أن التأثير والانتشار للأفكار خاضع للسنن الكونية، وليس علامة وحيدة للحق، فعوامل الانتشار والتأثير قد تكون طبيعية وشرعية، وقد تكون طبيعية وغير شرعية، ولو خلّي بين الناس وبين الحجة والبرهان بعيدًا عن تأثير قوى الشر، فإنه لا يخالجنا شك أن النصر بالحجة والبيان حظُّ كل متمسِّك بمنهج السلف رسمًا وحدودًا، وليس ادعاءً؛ لأن السلفية تحمل في طياتها مقومات البقاء، فهي قوية في نفسها، لا تحتاج من يقويها، لكن النهوض بهذا المنهج يحتاج تَمَثُّله في الواقع اعتقادا وعلمًا وسلوكًا، وهو لا يتحمل التجزئة أو التفريق، ولا يمكن التصرّف فيه والقيام به، ولا يمكن أبدا أن يكون بمعزل عن العلم والعمل، فأيّ سلفية لا تجعل من العلم منهجًا ومن العمل طريقًا للوصول إلى ما تريد فإنها تحكم على نفسها بالفشل.

النبع الصافي

     فالرجوع بالناس إلى النبع الصافي اصطفاء ومهمةُ صاحبه أصعب، بخلاف الهبوط بهم، فهو ابتلاء يحتاج نقصًا ولا يحتاج كمالا، كما يحتاج تفريطًا ولا يحتاج تمسكًا، وهنا يظهر الفرق الكبير بين أتباع منهج الحقّ وبين من جعلوا القرآن عضين، وفرَّقوا دينهم وكانوا شيعًا.

علامة خير وصحوة

     لم يكن انتشار السلفية في الأمة يومًا من الأيام إلا علامة خير وصحوة؛ ولذلك عندما تظهر السلفية يظهر أئمَّة العدل والمصلحون، وعندما تضعف يظهر الخرافيون وعلماء السوء وأئمة الجور، وها هو ذا التاريخ شاهد والأجيال لا تنسى؛ فالسلفية نهوض بالأمة في ومناوأتها سقوط وتخلف وخروج عن الجادة.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة