أخبار سريعة
السبت 14 ديسمبر 2019

مقالات » التغريب والعلمنة وأثرهما على المجتمعات المسلمة (10) التعليم وأثره في تغريب المجتمعات المسلمة

نسخة للطباعة

التغريب والعلمنة وأثرهما  على المجتمعات المسلمة (10) التعليم وأثره في تغريب المجتمعات المسلمة

 البحث الفائز بالمركز الأول في المسابقة البحثية الأولى للمركز

 عقد مركز ابن خلدون للدراسات الاستراتيجية المسابقة البحثية الأولى وكانت تحت عنوان (التغريب والعلمنة وأثرهما على المجتمعات المسلمة)، وقد فاز بالمركز الأول البحث المقدم من الباحث رامي عيد مكي بحبح من جمهورية مصر العربية، وتعميمًا للنفع تنشر مجلة الفرقان هذا البحث على حلقات، واليوم نتكلم عن التعليم وأثره في تغريب المجتمعات المسلمة.

     إن التعليم هو أخطر مجالات الحياة الاجتماعية، والسيطرة عليه سيطرة على مستقبل الأمة وتحكُّم دقيق في خطواتها على الطريق؛ فما دخل الاستعمار بلداً إلا وكانت ضربته الأولى نحو سياسة التعليم ونظمه في هذا البلد؛ لذلك نتطرق في هذا المبحث إلى الوسائل التي اتخذت لتغريب المجتمعات الإسلامية عن طريق التعليم.

أولاً: تعريف المدارس الأجنبية

     هي المدارس التي لا ترتبط بالسياسة التعليمية ولا بمناهج التعليم في البلد المنشأة فيه، وإنما تسير وفق سياسة تعليمية ومناهج مختلفة تابعة لجهة أجنبية، وهذه المدارس عادة تكون تابعة لإرساليات البعثات التنصيرية، أو للسفارات الأجنبية، ولقد تعددت أسماء هذه المدارس ومنها: المدارس الإفرنجية، والمدارس الغربية، والمدارس الحديثة، والمدارس العالمية، كما يسميها بعضهم (مدارس دنلوب) نسبة إلى القسيس دنلوب الذي تولى إنشاءها في مصر، ويسميها بعض علماء المسلمين (المدارس الاستعمارية) وهذا من باب التسمية بالغايات والمقاصد، وتسمى في مصر بالمدارس الدولية.

ثانياً: تاريخ المدارس الأجنبية

     مضت القرون وأقطار العالم الإسلامي لا تعرف شيئاً عن تلك المدارس الأجنبية، ولا يجرؤ أرباب الديانات والنِّحل من يهود ونصارى ومجوس وهندوس وغيرهم على افتتاح مراكز للتعليم في ديار المسلمين، لكن منذ حوالي قرنين من الزمان ومع بداية ضعف الدولة العثمانية بدأت هذه المدارس تغزو العالم الإسلامي باسم مدارس الإرساليات، وهي تمثل نواة العلوم العصرية، ولكنها تحمل فكراً دينيّاً مغايراً للدين الإسلامي.

الروح الاستعمارية

     ومع انتعاش الروح الاستعمارية التبشيرية في العالم ونشوب الاستعمار في عامة الأقطار الإسلامية؛ أنشأ الاستعمار المدارس والجامعات التابعة له؛ وذلك لتغريب طلاب المسلمين وغزوهم فكرياً وثقافياً، وأن يجعلوا منهم جيلاً علمانيَّ النشأة بعيداً كل البعد عن الإسلام قولاً وعملاً، ولازالت الدول الغربية تولي هذه المدارس والجامعات جل عناياتها، وتمدها بالنفقات اللازمة، وتقدر دورها في خدمتها.

ثالثاً: أهداف المدارس الأجنبية

تتعدد أهداف المدارس الأجنبية، ولكن يمكن بيان بعض هذه الأهداف من خلال النقاط الآتية:

-  بناء جيل جديد من المسلمين مغيب عن هويته وواقع أمته.

-  إبعاد المسلمين عن دينهم بأسلوب هادئ لا إثارة فيه ولا استفزاز وبيد المسلمين أنفسهم؛ فهم يخترقون العالم الإسلامي المغلق أمامهم، ويهدمون العقيدة الإسلامية، ويفسدون الأخلاق والقيم الإسلامية عبر وسيلة سلمية؛ وبذلك يصنعون حلفاء لهم من أبناء المسلمين، يؤمنون بالأفكار الغربية ويوالونها، وفي أسوأ الأحوال لا يعادونها.

- الاستعمار العقلي والفكري والثقافي والعقدي في العالم الإسلامي.

- تربية جيل وتنشئته تنشئة خاصة في طرائق السلوك والتفكير ليكون من بعد هو أداة الاستعمار الغربي في إدارة شؤون البلاد بما يخدم هذا المستعمر ويحمي مصالحه، لاسيما وأنها تجمع بين أصحاب الثراء والجاه وأصحاب العلم.

- مساعدة متخذي القرار في الغرب؛ حيث تشارك هذه الجامعات، المراكز البحثية الغربية في إعداد التقارير التي تخدم صناعة القرار ورسم السياسات الغربية عن البلد المقام به الجامعة والمنطقة المحيطةِ بها.

- تطبيق الرؤية العلمانية على العلوم العصرية بعد اختراقها من تيارات الفكر العلمانية الغربية.

رابعاً: آثار المدارس الأجنبية

(1) الأثر العقدي

      للتعليم الأجنبي آثار عقدية يسعى لتحقيقها، ويرسم مناهجه ونشاطاته من أجل الوصول إليها، ومنها: تنصير المسلمين: هذه المدارس تمثل أداة التنصير والاستعمار الثقافي والغزو الفكري، وتستهدف تغريب أبناء المسلمين وتجريدهم من دينهم ولغتهم وتاريخهم، وتحطيم معنوياتهم ومقومات حياتهم الإسلامية.

(2) الأثر اللغوي

     التعليم في هذه المدارس يكون باللغات الأجنبية، ومعلوم أن كل لغة تحمل فكر الناطقين بها؛ ففي تغليب اللغة الأجنبية على اللغة العربية في تدريس المواد بث للفكر الأجنبي في عقول الناشئة، كما عمدت هذه المدارس إلى تهميش اللغة العربية في واقع الحياة العلمية والعملية.

(3) الأثر الثقافي التاريخي

هذه المدارس تنشر الثقافة التاريخية الغربية، ولا تُعلِّم جغرافيا العالم العربي أو الإسلامي ولا تاريخه،بل إنها تقوم بتدريس تاريخ الدولة صاحبة المدرسة، وبذلك تفرض حصاراً عقلياً على الأجيال المسلمة، وتفصلهم عن تاريخهم الإسلامي.

(4) الأثر الثقافي

     إن للمدارس الأجنبية أثراً سلبياً من الناحية الثقافية على طلابها؛ فهي تجذبهم نحو الثقافة الغربية فكراً وسلوكاً، وتغذيهم بمفاهيمها المختلفة واعتقاداتها المتباينة، وعلى هذا يتخرج في هذه المدارس من هو مقطوع الصلة بأمته وبلاده ثقافياً وشعورياً، وما أن يتولى هؤلاء منصباً إلا وتجدهم يسخرونه لنشر ما يقتنعون به من الثقافة الغربية وما ينتمون إليه من أفكار وإن كانت تتعارض مع دينهم وقيمهم.

(5)  الأثر الأخلاقي

     إن هذه المدارس تعمد إلى تغريب أبناء المسلمين أخلاقياً عبر العديد من الوسائل، ومنها: نشر الاختلاط بين الجنسين؛ وهذا الاختلاط أدى إلى كثير من المساوئ الأخلاقية؛ فانتشرت العلاقات غير المشروعة بين طلاب هذه المدارس وطالباتها، وتجاوزت كونها حالات فردية إلى ظواهر شائعة يندر أن تجد طالباً أو طالبة لم تتورط فيها؛ لذلك تُعد المدارس الأجنبية عاملاً مؤثراً وقوياً في فرض الاختلاط على المجتمع وتهوينه في نفوس أفراده.

(6) الأثر الاجتماعي

     المدارس الأجنبية تحتضن الأطفال المسلمين من بداية حياتهم؛ ليتعلموا لغتها على أيدي مدرسيها ووفق مناهجها لمدة تتجاوز خمسة عشر عاماً في جو يمثل الحياة الاجتماعية الغربية بتفاصيلها كلها؛ ليتخرج الطالب وقد تشبع بالعادات الغربية، يخرج إلى مجتمعه منتميا إليه اسماً مفارقا له في عاداته وتقاليده ومفاهيمه وتصوراته، وعندما يفقد الفرد العادات والتقاليد الاجتماعية التي تعد إحدى الروابط التي تربطه بمجتمعه، ويستعيض عنها بعادات وتقاليد مجتمعات أخرى فإن هذا يضعف ولاءه لمجتمعه وانتماءه لبلاده، بل قد يصل به الحال إلى أن يكون فرداً غريباً لا يستطيع مفارقة المجتمع الغربي المتمثل في مجتمع المدارس والجامعات الأجنبية.

خامساً: صفات خريجي هذه المدارس

من آثار هذه المدارس تكوين قوى مضادة للمسلمين من أنفسهم، وهم على طبقات متعددة منها:

طبقة المتأثرين بالنصرانية

 ومنهم المرتد عن دينه الإسلام؛ فإن هذه المدارس تعمد إلى إخراج المسلمين الذين يتعلمون في مدارسهم من دين الإسلام إخراجاً حقيقياً بقلوبهم وإن بقوا في الظاهر مسلمين.

طبقة المسلوبين

     وهي طبقة مسلوبة خاوية مفرغة من موالاة المسلمين والبراءة من الكافرين والغيرة على الدين، يعيشون بين أمراض الشبهات وعقدة الشك والصراع الفكري والعقدي، وبين أمراض الشهوات، فيعايشون الحياة الغربية بلسانهم ونمط حياتهم وغدوهم ورواحهم في غاية من التغريب.

طبقة المنافقين

     الذين يحملون نصيباً من الإسلام ظاهراً بالاسم، ويظهرون الإباحية والفساد؛ فهم تعلموا لغة الغرب وعاداتهم وكتبهم وأحوال مشاهيرهم وفي المقابل ذم الإسلام وأئمته، ويتكرر هذا على مر السنين؛ فلا يخرج الطالب من هذه المدارس إلا وقد تجرد بالكلية من دينه وحميته الإسلامية، وصارت تلك الدولة المتكفلة بهذه المدرسة أحب إليه من دولته، وجنسيتها أحب إليه من جنسيته، معتقداً فيها وفي رجالها الكمال، هؤلاء الطلاب يكبرون ويعيشون عيشة النفاق؛ فهم في الظاهر من جملة المسلمين، وفي الحقيقة هم أعداء للدولة وللدين، قد أشربت قلوبهم الزندقة والضلال.

طبقة الملحدين

هم الكافرون ظاهراً وباطناً، ويعلنون كفرهم وإلحادهم فيسبون الله ورسوله، ويستهزئون بالمسلمين ويسخرون من الدين.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة