أخبار سريعة
السبت 14 ديسمبر 2019

مقالات » العقلانيون نشأتهم ومبادئهم (2) قواعد عقلانية مغلوطة

للكاتب: محمود طراد

نسخة للطباعة

العقلانيون نشأتهم ومبادئهم  (2)  قواعد عقلانية مغلوطة

                                                                              

لم يكن العقلانيون مجرد تيار له رموز وأفراد ولجان وفروع، بقدر كونهم فكرة يمكن انتشارها -وقد حدث- بين أفراد المجتمع المسلم؛ إذ إنك اليوم -أيها القارئ الكريم- تجد ترديد بعض القوانين العقلية من غير المثقفين؛ فترفض النصوص الشرعية لمجرد أن العقل لم يدرك الحكمة منها، أو ترد الفرائض بهوى من النفس، مع تسويغات فاسدة عقلية، كمن يقول: لو كان الله يريد المرأة بحجاب، لخلقها بالحجاب! وهذا رد للنصوص الشرعية باتباع هوى وبتسويغ عقلي فاسد، وصدق الله؛ إذ يقول لنبيه: {ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذاً لمن الظالمين}(البقرة: 145)، وفي هذا المقال، نعرض أهم القواعد العقلانية المغلوطة لدى التيار العقلاني .

موقفهم من التفسير بالمأثور

     كان منهج الإمام ابن كثير -رحمه الله تعالى- في التفسير معتمداً على تفسير القرآن بالقرآن، وتفسير القرآن بالسنة، وتفسير القرآن بالمأثور من أقوال الصحابة والتابعين، وأما التفسير بالرأي، فهو حرام ممنوع، بينما يجنح العقلانيون إلى التقليل من التفسير بالمأثور إذا خالف العقل، ولو كان هذا الحديث في الصحيحين؛ فالاستدلال عندهم يكون بالأحاديث التي لا تخالف ما ذهبوا إليه، وإلا فإنهم يردون الحديث ولو كان صحيحاً؛ وذلك إذا لم يقبل تأويلاً من تأويلاتهم؛ من ذلك مثلاً إنكار سحر النبي صلى الله عليه وسلم، رغم أنه قد ورد عند الإمامين البخاري، ومسلم، من حديث السيدة عائشة -رضي الله عنها-، وكان ذلك من فعل لبيد بن الأعصم، وقد جاء فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخيل إليه أنه فعل الشيء وما فعله، والحقيقة أن السحر مثل أي مرض، يعتري البشر والنبي بشر، ولم يؤثر السحر بشيء على الوحي والرسالة.

 التحذير من الإسرائيليات

للسلف موقف واضح من التفسير بالإسرائيليات، يتلخص فيما يلي:

- أولاً: ما وافق شريعتنا تجوز روايته للاستشهاد به لا للاعتقاد.

- ثانياً: أن ما خالف شريعتنا، لا تصح روايته.

- ثالثاً: ما لم يأت في شريعتنا ما يوافقه أو يخالفه؛ فهذا يجوز حكايته من غير تصديق ولا تكذيب.

     أما العقلانيون فيحذرون من الإسرائيليات جميعها، وينسبونها إلى كعب الأحبار، ووهب بن منبه، ويقولون عنهما: إنهما بطلا الإسرائيليات، وينبوع الخرافات، وهذا اعتداء يخضع للهوى، وفيه من البعد عن التقيد بالسنة وأقوال الصحابة ما هو ظاهر؛ فأئمة السنة قد خرجوا لهما، وقد جاءت أحاديثهما في صحيحي البخاري، ومسلم، وقال الإمام الذهبي -رحمه الله تعالى- عن وهب ابن منبه: «كان ثقة صادقاً كثير النقل من كتب الإسرائيليات».

باب الاجتهاد مفتوح لكل أحد

     من أهم قواعدهم نبذ التقليد بأنواعه، ومنها التقليد للنصوص! وليت شعري، هل يكون الاتباع للنصوص وأقوال الصحابة والتابعين تقليداً مذموماً؟ كيف وهو المأمور به؟ ولا يسمى الأخذ بالكتاب والسنة والإجماع تقليداً أصلاً؛ لأن ذلك هو الحجة نفسه، قال -تعالى-: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}(النساء: 115)، وقال -تعالى-: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا}(البقرة: 137)، وقال -تعالى- عن متبعي الصحابة: {والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها}(التوبة: 100)، وأما الاجتهاد المقبول، فهو في المسائل التي لا نص فيها، والأئمة أنفسهم قد صرحوا بذم التقليد، ونهوا عن معارضة النصوص بأقوالهم.

التأويل هو المخرج عند العقلانيين

     قد جاءت نصوص كثيرة تخبر بأمور غيبية، والأمور الغيبية لا يدركها العقل بنفسه، وهنا يستخدم العقلانيون التأويل لتلك الأخبار الغيبية؛ فإن وجدوا لها تأويلاً وإلا رفضوها، من ذلك الأحاديث التي هي عن يوم القيامة، وأهواله، وعن الأمور الغيبية المتعلقة بالله -تعالى-؛ فيقولون مثلاً: إن حمل عرش الله -تعالى- في قوله: {ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية}، تمثيل لكمال عزته وأخذ الكتاب باليمين والشمال، كذلك تمثيل خيالي ليس فيه شيء حقيقة، وكذلك النفخ في الصور ليس نفخاً على الحقيقة، بل هو تمثيل لما سيجري يوم القيامة، ومن العجيب أن مبدأ التأويل عندهم لا يقتصر على الأمور المستقبلية، بل يتعلق عندهم أيضاً بقصص الماضي في أخبار السابقين.

المعجزات عندهم ليست دليلاً على الرسالة !

      إن أهل السنة والجماعة يؤمنون بالمعجزات والخوارق، كما جاءت أخبارها في النصوص الدينية، التي خلقها الله -تعالى- لنبيه صلى الله عليه وسلم ، إثباتاً لنبوته، أما العقلانيون؛ فيرون الخوارق والمعجزات بشكل آخر، يتوافقون فيها مع مضمونها في اعتقاد المستشرقين؛ إذ تجد مثلا المستشرق (جيب) يقول: لكن حرفية هذا الاتجاه، لاسيما فيما يتعلق بأوصاف الجنة والنار، وكذلك الإسهاب في الحديث عن العجائب يُعدُّ مانعاً لدى الروح التحررية الجديدة، وكذلك العقلانيون يؤولون، أو يحرفون معاني المعجزات.

عدالة الصحابة عند العقلانيين

إن أهل السنة يؤمنون بأن الطعن في الصحابة وعدالتهم، طعن في الكتاب والسنة؛ لأنهم الذين نقلوا القرآن والسنة عن النبي صلى الله عليه وسلم لمن جاء بعدهم، وقد أثنى الله -تعالى- عليهم في القرآن فقال: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}، الآية (الفتح: 29)، وقال -تعالى-: {والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}(التوبة: 100)، وقال صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي»، وأما عند العقلانيين؛ فبما أن العقل مقدم على كل شيء؛ فإنه لا ضرر عندهم إذا ظنوا أن سيدنا أبا هريرة زاد في الأحاديث من عنده؛ إذ لا يمكن عندهم عقلاً أن يكون قد رواها كلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل يزعم بعضهم أنه استباح الكذب للمصلحة؛ وذلك لأن عقله لا يستوعب أن ينقل هذه الأحاديث كلها!

الربط بين الشريعة والفلسفة

     نظرا لتأثر العقلانيين بكلام الفلاسفة؛ فإنهم يحاولون الربط بين الشريعة والفلسفة من خلال كثير من الأقوال الموضوعة والشاذة، وقد كانت بداية هذا الأمر من تعظيمهم العقل إلى أبعد حد من خلال حديث موضوع هو: «أو لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، فقال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي  وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم علىّ منك فبك آخذ وبك أعطي، وبك الثواب وبك العقاب»، والسبب في تبنيهم الفلسفة بهذا الشكل، ظنهم أنها سبب التقدم أو التأخر، وأن الانحدار الذي عاشته أوروبا في العصور الوسطى؛ كان بسبب إهمالها للفلسفة، وأنها حازت القدم والسبق لما علمت قيمة الفلسفة وعملت على إحيائها!

الانحرافات في هذه القواعد

إن ما سبق من قوانين وقواعد لدى التيار العقلاني، يتناقض مع الشريعة تناقضاً واضحاً، وقد نتجت تلك الانحرافات بسبب ما يلي:

- أولاً: طريقة معالجة العقلانيين لقضية الألوهية، وقضية الكون المادي؛ وذلك عندما تم إقحام العقل فيما لا يستطيع الوصول إليه.

- ثانياً: تحويل القضايا كلها إلى قضايا فلسفية بحتة، تبدأ من العقل وتنتهي إليه؛ فيثبتون ما يثبت العقل، وينفون ما ينفيه العقل.

- ثالثاً: كثرة تخبط الفلاسفة فيما بينهم، وكثرة معارضاتهم بعضهم لبعض، وذلك ليس بعجيب؛ فما دامت العقول متباينة؛ فإن الآراء ستتباين، وما دام الشرع ليس المصدر بل العقل -عندهم-؛ فإن التخبط لازم وناتج طبيعي؛ فالحمد لله الذي جعل لأهل السنة مصدراً يجتمعون عليه.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة