أخبار سريعة
الإثنين 06 ابريل 2020

مقالات » مبشرات النصر والتمكين

للكاتب: الشيخ سيد حسين العفاني

نسخة للطباعة

مبشرات النصر والتمكين

 
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كان يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة»، و«كان - صلى الله عليه وسلم - يتفاءل ولا يتطير، وكان يحب الاسم الحسن»؛ فالفأل فيه تقوية للعزم، وباعث على الجد، ومعونة على الظفر، وهذا رزق حسن يرزقه العبد، «وخير الفأل: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم».
لغة قائمة بذاتها
     وهذه القرائن لغة قائمة بذاتها، لا يفهمها إلا أهلها الذين يرزقهم الله إياها، وقاموسها ضخم، ونحوها فيه رفع ونصب، وليس فيه خفض وكسر، والمبتلى بالموازين المادية هو عن هذا الذوق بمعزل، والحمدلله أن هذا الذوق ذوق سني.
وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رأيت ذات ليلة فيما يرى النائم -كأنا في دار عقبة بن رافع؛ فأتينا برطب من رطب ابن طاب؛ فأولت: الرفعة لنا في الدنيا، والعاقبة في الآخرة، وأن ديننا قد طاب»، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن من الناس ناسا مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس ناسا مفاتيح للشر، مغاليق للخير؛ فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه»، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم  -: «عند الله خزائن الخير والشر مفاتيحها الرجال؛ فطوبي لمن جعله الله مفتاحا للخير، مغلاقا للشر، وويل لمن جعله الله مفتاحا للشر مغلاقا للخير».
 
بشروا ولا تنفروا
     وقد قال الله -عز وجل-: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}، وقال -تعالى-: {وَبِالْحَقِّ أَنزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} (الإسراء:105)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا»، وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض؛ فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب»، وعند البيهقي: «بشر هذه الأمة بالتيسير والسناء والرفعة بالدين والتمكين في البلاد والنصر؛ فمن عمل منهم بعمل الآخرة للدنيا؛ فليس له في الآخرة من نصيب»، وعن أبي عنبة الخولاني قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا، يستعملهم فيه بطاعته إلى يوم القيامة».
 
غرس الله
هذا غرس الله، ومن أحسن من الله صبغة، ويأبى الغرس إلا طبيعته، والحمقى هم الذين يريدون أن يخرج هذا الغرس نكدا، وكأنهم يقولون لشجر التفاح، لا تخرج إلا حنظلا.
فهذا الغرس ليس له نظير
وحاشا أن يكون له نظير
بماء الذكر يسقى كل يوم
وفي أحضانه تنمو البذور
أمل وضيء ومبشرات للغد
     نعم لأمل بسام نعيش به، ولا للمنى فهي رؤوس أموال المفاليس، بل أمل وضيء في وسط ظلام واقعنا الحالك، يطمئن في وسط الزلازل، وثقة لا تتزعزع في وعد الله، نستشرق النصر من بعيد، ونراه رأي العين، ونوقن أن البشرية في طريقها إلى ربيعها المونق المزهر الذي يملأ حياتها بالعطر والدفء والنور، ربيع الإسلام.
 
عبرة من التاريخ
     ونكتفي في هذا الموضع بعرض عبرة من الواقع التاريخي للإسلام، لعلها أنسب العبر في هذا المقام: بينما كان (سراقة بن مالك) يطارد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه أبا بكر - رضي الله عنه - وهما مهاجران خفية من أعين قريش، وبينما كان سراقة يعثر به فرسه كلما هم أن يتابع الرسول وصاحبه، طمعا في جائزة قريش المغرية التي رصدتها لمن يأتيها بمحمد وصاحبه أو بخبر عنهما، وبينما هو يهم بالرجوع، وقد عاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يكفيهما من وراءه.
في هذه اللحظة قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يا سراقة، كيف بك وسواري كسرى؟»، يعده سواري كسرى شاهنشاه الفرس! (ملك الملوك!).
والله وحده يعلم ما الخواطر التي دارت في رأس سراقة، حول هذا العرض العجيب، من ذلك المطارد الوحيد، إلا من صاحبه الذي لا يغني شيئا عنه، والمهاجر سرا- معه!
 
يوم الأحزاب
     وفي يوم الأحزاب، ويا له من يوم! يقول الله -تعالى- عنه: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا} (الأحزاب: 10-11) في هذه الساعات الرهيبة والرسول - صلى الله عليه وسلم - مع الصحابة يسهم في حفر الخندق، وبهم من الخوف والجوع ما الله به عليم، كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستشرف النصر من بعيد، ويراه رأي العين في ومضات الصخور على ضرب المعول، يحدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الغد المأمول، والمستقبل المرجو بفتح بلاد كسرى، وبلاد قيصر، وبلاد اليمن، حديث الواثق المطمئن الذي أثار أرباب النفاق عند الزلزلة؛ فقال أحدهم وهو معتب بن قشير أخو بني عمرو بن عوف في ضيق وحنق -مصورا حالة المنافقين جميعا-: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط!
 
حاجة البشرية لهذا المنهج
إن حاجة البشرية اليوم إلى هذا المنهج، ليست أقل من حاجتها يومذاك، وإن وزن هذا المنهج اليوم -بالقياس إلى كل ما لدى البشرية من مناهج- لا يقل عنه يومذاك، ومن ثم ينبغي ألا يخالجنا الشك في أن ما وقع مرة في مثل هذه الظروف، لابد أن يقع.
الإرهاصات في أن المستقبل للإسلام كثيرة، والمبشرات لفجر الإسلام ونصره، نوقن بها أكثر من يقيننا بوجودنا.
 
لا تيأسوا من روح الله
قال -تعالى-: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف: 87)، المؤمن أوسع الناس أملا، وأكثرهم تفاؤلا واستبشارا، وأبعدهم عن التشاؤم والقنوط والضجر، كيف لا؟ وهو مع الله ذي القوة التي لا تحد، والرحمة الواسعة، والكرم السابغ.
 
أصحاب الأمل
     سنستصحب الأمل فيهون الصعب، ويدنو البعيد، هذا الشعاع الذي يبزغ في دياجير الأحداث من القلوب الكبيرة المطمئنة؛ فينير الطريق، ويبدد الظلام، الأمل والإيمان بنصر الله{يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}(الروم: 5-6)، نستمسك بوعد الله لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، قال -تعالى-: {قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ}(الحجر: 56)، وقال -تعالى-: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(يوسف: 87).
 
مذاق الأمل
     نعرض مذاقا يعرفه من ذاق مثله، والقلب الذي ذاق هذا المذاق لا تبلغ الشدائد منه مهما بلغت؛ لأنه قلب موصول بالله، يحيا في ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم على الأرواح من روح الله الندي. والمؤمنون الموصولة قلوبهم بالله، الندية أرواحهم بروحه، الشاعرون بنفحاته المحيية الرخية؛ فإنهم لا ييأسوا من روح الله، ولو أحاط بهم الكرب، واشتد بهم الضيق، إنه في روح من ظلال إيمانهم، وفي أنس من صلتهم بربهم، وفي طمأنينة من ثقتهم بمولاهم، وهم في مضايق الشدة ومخانق الكروب.
 
     عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: إن رجلا قال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ قال: «الشرك بالله، والإياس من روح الله، والقنوط من رحمة الله»، قال ابن مسعود رضي الله عنه : الكبائر الإشراك بالله، والأمن من مكر الله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله.
 
يافجر أقبل
يا فجر أقبل.. مد من
فــيء وهات من الظلال
واسكب على فمي البلال 
ورشــفــــة المــــــاء الـزلال
واسق البوادي من نداك 
ومــــن مواطــرك الثقـال
واطو السراب عن الجنان
عن الحقول.. عن الرمال
واملأ بنورك كل داجية 
مــــروعة الخيــــــــــــــــــــال
يا فجر.. قد شق الهجير
 وزاد من شكوى الرحال
قد تقولون:
وإفكا ما يقول الزيف.. ضرب من خيال
 قد تقولون مُحال
أن يجيء السيل دفّاقا
وأن تجري مع السيل التلال
قد تقولون
ولكني أقول
وأنا جد خجول
وأنا أقرأ فاتحة العصر.. وأشواق الحقول
إن في الدرب الخيول
على وقع التلاوات ستخضر الفصول
ولنا الفجر الجميل
ولنا التكبيرة الأولى.. لنا الأفق.. لنا الرايات والصوت البديل.. ولنا السيف الذي خبأه البرق إلى اليوم الثقيل
ولنا الشجر الأخضر والماء الذي تجري إليه الطير.. والظل الظليل
ولنا قارورة العطر التي تسفحها الشمس على كف الأصيل.
     أجل ما يزال دين الحق ظاهرا على الدين كله؛ من حيث هو دين؛ فهو الدين القوي بذاته، القوي بطبيعته، الزاحف بلا سيف ولا مدفع من أهله؛ لما في طبيعته من استقامة مع الفطرة ومع نواميس الوجود الأصلية، ولما فيه من تلبية بسيطة عميقة لحاجات العقل والروح، وحاجات العمران والتقدم.
وما من صاحب دين غير الإسلام ينظر في الإسلام نظرة مجردة من التعصب والهوى، حتى يقر باستقامة هذا الدين وقوته الكامنة، وقدرته على قيادة البشرية قيادة رشيدة، وتلبية حاجاتها النامية المتطورة في يسر واستقامة {وكفى بالله شهيدا}.
ولعل أهل هذا الدين -إلا من رحم الله- هم وحدهم الذين لا يدركون هذه الحقيقة اليوم؛ فغير أهله يدركونها ويخشونها ويحسبون لها في سياساتهم كل حساب.
 
الإسلام كالشمس لا يغرب مطلقا
إن الإسلام كالشمس، إذا غربت في جهة، طلعت في جهة أخرى فلا تزال طالعة.
إن الإسلام لم ينكب في ناحية من نواحي العالم، ولم يخسر في جانب دولة، إلا وقامت له دولة في جانب آخر، ولم تسقط له راية، إلا وخفقت له راية أخرى، ولم يغب له نجم، إلا وطلع له نجم آخر.
 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة