أخبار سريعة
الأربعاء 26 فبراير 2020

مقالات » من أخلاق السلف (1)

نسخة للطباعة

من أخلاق السلف (1)

 

إن من أهم ما يبادر به اللبيب، ويُتعب نفسه في تحصيله واكتسابه، حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله، وإن أحق الناس بهذه الخصلة الجميلة، وأولاهم بحيازة هذه المرتبة الجليلة، طلاب العلم الشرعي، قال ابن سيرين: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم».

     قال حبيب بن الشهيد لابنه: «يا بني! اصحب الفقهاء والعلماء، وخذ من أدبهم؛ فإن ذلك أحب إلي من كثير من الحديث»، وقال بعضهم لابنه: «يا بني؛ لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إلي من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم»، وقال الله -عزوجل- مادحًا نبيه صلى الله عليه وسلم : {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(القلم: 4)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ» (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقد ندبنا الله -عزوجل- إلى الاقتداء برسوله صلى الله عليه وسلم ؛ فقال -تعالى-: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب:21).

اقتداء السلف بالنبي صلى الله عليه وسلم

      فاقتدى السلف الصالح -رضي الله عنهم- برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا ما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه، وكانوا كما قال الله -عزوجل-: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}(آل عمران:110)، قال الإمام مالك -رحمه الله-: «بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام، قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا».

زمن النبوة

     ولما بعد العهد بزمن النبوة، وغابت شمس الشريعة، وتشاغل الناس بأمور الدنيا. اندرس كثير من الأخلاق التي نشأ عليها الصدر الأول من هذه الأمة المشرفة، وعمدنا إلى اختصار ما جمعه أحد العلماء المتأخرين في بيان أخلاق السلف -رضي الله عنهم-، وتحليته بالآيات والأحاديث المناسبة، وتخليته من الأخبار الواهية والحكايات الموضوعة، راجين أن ينتفع المسلمون بما تضمنه من خير، وأن نجنبهم ما فيه شر.

الإخلاص

     مِن أخلاق السلف -رضي الله عنهم-: كثرة إخلاصهم في علمهم وعملهم، وخوفهم من دخول الرياء في ذلك، قال الله -تعالى-: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} (الزمر: 3)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ» (رواه النسائي، وقال الألباني: حسن صحيح)، كان إبراهيم التيمي يقول: «المخلص مَن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته».

 من أدب العلماء

     وكان الشعبي -رحمه الله- يقول: «من أدب العلماء إذا علموا أن يعملوا؛ فإذا عملوا شغلوا بذلك عن الناس؛ فإذا شغلوا فقدوا، وإذا فقدوا طلبوا، وإذا طلبوا هربوا؛ خوفًا على دينهم من الفتن»، وكان الفضيل بن عياض -رحمه الله- يقول: «إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالصلاح عند الأمراء وأبناء الدنيا؛ فاعلموا أنه مراء»؛ وذلك لأن الإخلاص أن يبتغي العبد بعلمه وعمله ما عند الله -عز وجل-؛ فانشراح صدره للثناء أو عند اطلاع الناس على عمله من علامات الرياء الخفي، والسلف كانوا يعدون الرياء أكبر من الكبائر؛ لأنه الشرك الأصغر، والشرك أكبر من الكبائر؛ ففتش يا أخي في نفسك وفي علمك وعملك، وابكِ عليها إن رأيت فيها رياءً أو سمعة؛ فإنه مَن راءى راءى الله به، ومَن سَمَّع سمَّع الله به.

ميزان الكتاب والسنة

     ومِن أخلاق السلف -رضي الله عنهم-: توقفهم عن كل فعل أو قول حتى يعرفوا ميزانه على الكتاب والسنة، لاحتمال أن يكون ذلك القول أو الفعل من جملة البدع التي لا يشهد لها كتاب ولا سنة، قال الله -تعالى-: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} (الحشر:7)، وقال الله -تعالى-: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور:63)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة» (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، وقال صلى الله عليه وسلم : «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» (رواه مسلم).

اجتناب البدع

     فقد كان السلف الصالح -رضي الله عنهم- يحثون الناس على التقيد بالكتاب والسنة واجتناب البدع، ويشددون في ذلك، حتى إن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ربما كان يهم بالأمر ويعزم عليه، فيقول له بعض الناس: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يأمر به؛ فيرجع عما كان عزم عليه. قال بعضهم: إن طريق القوم -رضي الله عنهم- محررة على الكتاب والسنة تحرير الذهب والجوهر؛ وذلك لأن لهم في كل حركة وسكون نية صالحة بميزان شرعي، ولا يعرف ذلك إلا من تبحر في علوم الشريعة.

تفويض أمورهم إلى الله

     كثرة تفويضهم الأمور إلى الله -تعالى- في أمر أنفسهم وأولادهم وأصحابهم؛ فلا يكون معولهم في أمر هدايتهم إلا عليه -عز وجل-، ولا يطلبون شيئًا قط بأنفسهم وهم غائبون عن الاستناد إلى الله -تعالى-، قال الله -تعالى- حاكيات عن مؤمن آل فرعون: {فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ} (غافر:44-45)، وقال -تعالى- حاكيًا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -ورضي الله عنهم: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} (آل عمران:173-174)؛ فبيَّن الله -تعالى- عاقبة التفويض إليه.

ما ينفع الأولاد

     قال بعضهم: «ليس شيء أنفع لأولاد العلماء والصالحين من الدعاء لهم بظهر الغيب، مع تفويض أمرهم إلى الله -تعالى-»؛ ومما يدل على فضل التفويض إلى الله -عز وجل- والتوكل عليه ما رواه أبو هريرة] قال: قال رسول الله[: «أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ؛ فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلْأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلاَنًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاَ، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ؛ فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ الَّتِي فِيهَا المَالُ؛ فَأَخَذَهَا لِأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ؛ فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لِآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ، قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ، قَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ؛ فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا» (رواه البخاري).

ترك النفاق

     عملهم على ترك النفاق؛ بحيث تتساوى سريرتهم وعلانيتهم في الخير، فلا يكون لأحدهم عمل يفتضح به غدًا في الآخرة، نصح بعضهم عمر بن عبد العزيز فقال له: «إياك يا عمر أن تكون وليًّا لله في العلانية وعدوًّا له في السر؛ فإن مَن لم تتساوَ سريرته وعلانيته فهو منافق، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار»، وقال بعضهم: «إياكم وخشوع النفاق؛ فقيل: وما خشوع النفاق؟ قال: أن يرى الجسد خاشعًا، والقلب ليس بخاشع» ففتش نفسك، هل تساوت سريرتك وعلانيتك أم لا؟ وأكثر من الاستغفار، واعلم أن مَن أظهر للناس فوق ما في قلبه فهو منافق.

صفات المنافقين

ومن صفات المنافقين: التكاسل عن الصلاة، وقلة ذكر الله فيها، كما قال -تعالى-: {وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء: 142).

ومن صفاتهم: الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف كما قال -تعالى-: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (التوبة: 67).

ومن صفاتهم: موالاة الكافرين كما قال -تعالى-: {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}(النساء: 138-139).

ومِن صفاتهم: عدم الرضا بحكم الله -عز وجل- كما قال -تعالى-: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا} (النساء: 61).

     ومن صفاتهم: الكذب والغدر، والخيانة والفجور عند الخصومة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا، وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَلَّةٌ مِنْ نِفَاقٍ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ، وَإِنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ» (متفق عليه).

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة