أخبار سريعة
الأربعاء 26 فبراير 2020

مقالات » السَّلَفيةُ.. بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري (الأخيرة)

للكاتب: عبد الصمد بن إبراهيم الحديثي

نسخة للطباعة

السَّلَفيةُ.. بين المنهج الإصلاحي والمنهج الثَّوري (الأخيرة)


استكمالا لما بدأنا الحديث عنه في المقال السابق عن استهداف المنهج السلفيّ من الخصوم والمناوئين بالتهم والافتراءات، وإثارة الشبهات حولَ الأفكار والمواقف، ومحاولة السعي لقراءة المنهج السلفيِّ، والنظر إليه خارجَ إطار طبيعته الإصلاحيّة ورسالته النهضويَّة، والتعامل معه بوصفه منهجا ثوريٍّا، والتعسُّف في تأويل أفكاره ومبادئه بطريقة تلائم الرؤيةَ الثورية، والإصرار على التعامل مع تجاربه ونماذجه التاريخية بوصفها ظاهرة دينية ثورية، واليوم مع الحلقة الأخيرة.

النتائج والمآلات

     في صراع الأفكار والمناهج، ينتصر ذلك الذي يقاتل عن مذهبه بالحجة والبرهان، ويتمسك به منتصرًا له بكل وسيلة ممكنة، ومبشرًا بمبادئه دون كلَل أو ملل، ومسيرة الإصلاح السلفيّ أوضح تعبير عن صراع الأفكار والمبادئ التي أثبت المنهج السلفيّ قدرته على الثبات فيها في وجه تيار الأكثرية المخالفة له، والمدعومة سياسيًّا ومادّيًّا من الدول والأنظمة الحاكمة، والثورات الفكرية كما يقول محمد كرد علي: قد لا تُسرع بنتائجها كما تسرع الثورات السياسيّة؛ فالثورة السياسية هبّة فسكون، والثورة الفكرية متوقّفة أبدًا على استعداد طويل، ثم تهبّ من ذاتها بريح طيبة».

مشروع الإصلاح الدينيّ

     فمشروع الإصلاح الدينيّ مضمون النتائج على المدى البعيد، وإن بدت مكاسبه الآنية ضئيلة في ظاهر الأمر، ولاسيما في مراحل النضال الأولى، أما الاتجاه الثوريّ؛ فقد أثبت فشله من وجوه عدة: فشل الطروحات النظرية، وفشل التجارب العملية، فضلا عن القابلية الثورية لخيانة المبادئ والتخلي عنها.

نتيجة طبيعية

     أما الفشل في الناحية النظرية؛ فنتيجة طبيعية لوضع أهداف وآمال كبرى دون معرفة سبل الوصول إليها، أو دون تحديد آليات تنفيذية وبرامج عملية لتحقيق هذه الطموحات، وهذا دأب الثوريّين من الإسلاميين وغيرهم في رفع سقف الأهداف والطموحات إلى درجة التعالي على الواقع، وتجاهل تعقيداته، ثم الاكتفاء بصخب الشعارات وضجيجها، والتنظير المملّ للحلول المثالية؛ فمن المنطقيّ في ضوء هذه الحال، أن تكون الخيبة والفشل حليفًا دائمًا لأصحاب المسلك اللاواقعي القائم على أوهام الشعارات.

الجاهلية المعاصرة

     وتعد قضيةُ الجاهلية المعاصرة من الشواهد الحيَّة على هذا الموضوع؛ حيث شغلت هذه القضية أذهان الثوريّين المنتسبين للتيار الإسلامي، وكتبوا الكثير عن مظاهرها وسبل مواجهتها، وأكثروا من تداول هذه المفردة في أدبياتهم بطريقة مبالغ فيها، حتى خرجوا عن الحدِّ الشرعي في بعض الأحيان، لكنهم لم يطوّروا برنامجًا عمليًّا لكيفية مقاومتها وتقليل مظاهرها، لقد أثبتوا أنهم يحسنون الحديث عنها، لكنهم لم يخطوا خطوات علمية عملية للخروج من آثارها والتخلّص من أعبائها، وتكوين المجتمع الإسلامي النموذجي كما رسمته مخيلتهم.

السلفية الإصلاحية

     أما الاتجاه السلفي الإصلاحي فقد نظر لقضيَّة الجاهلية من منطلق شرعيّ واقعيّ، فلم يتوسَّع كثيرًا في التنظير حول هذه المسألة، بل اكتفى بنقد مظاهر الجاهلية التي جاء الشرع بإبطالها، ثم بدأ بعملية تطهير واقعه من هذه المظاهر من خلال الوسائل العملية المتاحة والإمكانات المتوفرة، منطلقًا من أن دعوته لإحياء السنن النبوية، والآثار السلفية، وتربية المجتمع على طريقة الأولين في فهم الإسلام والالتزام به هي المسلك الأمثل لمواجهة الجاهلية المعاصرة.

فشل التجارب الثورية

      أما فشل التجارب العملية للثوريين؛ فأمر معروف بالاستقراء التاريخيّ لمحاولات التمرد على الحكام؛ إذ غالبًا ما يكون الفشل حليفًا لأصحاب الثورات، أو أن تكون المغارم والمفاسد الناشئة عن الثورة أكبر من المغانم والمصالح المرجوة منها، أو أن يكون السعي لرفع ظلم الحاكم بظلم آخر كما يقرر ذلك ابن تيمية، ويتجلَّى أحد مظاهر الفشل في مسلك الثورة عند انتصارها الدمويّ، أو السلميّ في عدم قدرتها على الالتزام بمبادئ العدل وما كانت تبشر به من إصلاحات؛ وذلك إما لغلبة نزعة الظلم والاستبداد على أصحاب النظام الجديد، أو لعدم القدرة على إعادة الحياة إلى طبيعتها وضبط تداعيات الثورة.

أخطر مظاهر الفشل

     وأخطر مظاهر الفشل في الثورات تتجسَّد في قابلية أتباع هذا المسلك لخيانة المبادئ، والتخلي عن التشدّد العقائديّ الذي كانوا يتبجّحون به في وجه الإصلاحيّين، ويكمن الخطر في أن النهجَ الثوريَّ يسمح لأتباعه بتسويغ انحرافهم عن المبادئ وخروجهم عنها بالكلية، والوقوع فيما كانوا ينكرونه على خصومهم، كلّ ذلك من أجل خدمة القضية الثورية على طريقة (روبن هود) أو صعاليك العرب في الجاهلية، أي: تسويغ ارتكاب العمل القبيح المحرّم لغايات نبيلة؛ فالمبدأ الثوريّ يبيح لأتباعه كل شيءٍ من أجل تحقيق الهدف النهائي لنضالهم.

خيانة المبادئ

     وخير مثال على خيانة المبادئ لدى أتباع الاتجاه الثوري قضية التعامل مع الأنظمة السياسيّة التي صُنفت في أدبيات الثوريّين الإسلاميّين كخطيئة عظمى تقرِّب صاحبها من تهمة الخيانة والكفر، واستخدمت أداةً للنيل من التيار الإصلاحيّ السلفيّ الموصوف عندهم بمهادنة السلطة وعدم الاصطدام بها.

كائن ضعيف

     فالاتجاه الثوريّ المسلح انقلب في ميدان العمل إلى كائن ضعيفٍ لا يقوى على شيء دون الاحتماء بالأنظمة السياسية التي كان حكَم عليها سابقًا بالردة ووصفها بالطاغوت، ومسيرته في العقود الثلاثة الأخيرة شاهدَة على ذلك؛ ففي مختلف التجارب التي خاضَها هذا التيار، لا يمكننا رؤيتُه بمعزل عن القوة السياسيَّة الراعية له والمحتمي بظلها، وهذه من أعجب المفارقات لمن احترفوا ذمَّ المناهج المخالفة لهم، وازدراء مسلك الإصلاح السلفي.

الاتجاه الثوري السياسيّ

      أمَّا الاتجاه الثوري السياسيّ فأصبح النضال من أجل الدخول في العملية السياسية والتمتّع بمكاسب السلطة الغاية الأسمى والسمَة البارزة لتجاربه في مختلف البلدان، وفي سبيل ذلك ارتكب الخطايا والموبقات على مستوى التنظير والتأصيل والتسويغ للانحراف، وعلى مستوى الممارسة العملية والمباشرة الفعلية لهذا الانحراف، وتنكَّر لما كان يقرّره في السابق من اللغة الثورية والخطاب المليء بمعاني الاستعلاء الإيماني، والعزّة الإسلامية، والنضال حتى الشهادة في سبيل المبادئ.

نقدِ منهج التغيير

     ولم يكن هذا الاتجاهُ بعيدًا عن نقدِ منهج التغيير والإصلاح عند السلفيين، والسخرية من اهتماماتهم العلمية وأساليبهم في الدعوة، وسذاجة تصوراتهم، وضحالة وعيهم بواقعهم وعدم اهتمامهم بالسياسة، فضلا عن إثارة الجدل حول قضايا مهمة في الاعتقاد السلفيّ، كمحاربة القبورية، وتقرير توحيد الأسماء والصفات، ومسألة طاعة ولاة الأمر ولزوم الجماعة؛ وذلك إما بالتقليل من أهميتها أو الطعن في التصوّر السلفي لهذا المسائل.

الطبيعة الإصلاحية

     إنَّ الطبيعة الإصلاحية للمنهج السلفي واضحَة في أصوله ومبادئه الفكرية ومواقفه العملية، وتاريخُه -منذ فجر الإسلام وحتى يومنا هذا- يؤكد ثباتها على نهجه الإصلاحي، وعدم خروجه عن هذا المسار، ولا يتوقَّف الأمر عند ذلك؛ فالمنهج السلفيّ غير قابل للانجرار إلى المسلك الثوري؛ لأن ذلك مصادم لموقفه الوسطيّ المتّزن دون الجنوح ذات اليمين وذات الشمال، وهذه الوسطية تشمَل المواقف العقدية والتصوّرات النظرية لمسائل الدين، وتنسحب كذلك على المواقف والاجتهادات العملية، وسياسته العامة للنهوض بواقع المسلمين والخروج من أزماتهم.

  

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة