أخبار سريعة
الأربعاء 26 فبراير 2020

مقالات » أنواع من الفساد المالي بينتها السنـة النبـويـة (3) الفسـاد المالي في الصدقات

للكاتب: د. محمد عودة أحمد الحوري

نسخة للطباعة

أنواع من  الفساد  المالي  بينتها السنـة النبـويـة (3) الفسـاد المالي في الصدقات


مازال الحديث موصولا عن الفساد المالي في الصدقات؛ حيث ذكرنا أن الصدقات  تعد من العبادات المالية، ورأسها الزكاة، وهـي ركـن مـن أركـان الإسلام العظيم، ولما كانت كذلك وجب حفظها من كل ما مـن شـأنه تـأخير تحقيـق المصلحة أو منعها، والمتتبع للأحاديث الواردة في الزكاة يجد أنهـا تضـمنت  جملـة مـن المبادئ التي  تمنع وقوع الفساد المالي فيها حالا أو   مآلا، ومما يميز المنهج الإسلامي في محاربة الفساد المالي اعتماده على جانب التربية الإيمانية  لمنع وقـوع ذلك الفساد، أو علاجه بعد وقوعه.

 

سادساً: تكليف المزكي دفع نفقات حمل زكاته إلى بيت المال

ومن الأنواع التي تعد تعديا على المال: أن يكلف المزكي بتبعات إيصال الزكاة إلى بيت المال، يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : «لا جَلَبَ ولا جَنَبَ في زكاة، ولا تؤخذ زكاتهم إلا في دورهم».

قال محمد بن إسحاق-رحمه الله-: معنى: (لا جَلَبَ): لا يجلب الصدقات إلى المصدِّق. و(لا جَنَبَ) لا ينزل المصدِّق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة، فتجنب إليه، ولكن تؤخذ من الرجل في موضعه.

     يقول الخطابي- رحمه الله-: لا ينبغي للمُصدِّق أن يقيم بموضع، ثم يرسل إلى أهل المياه فيجلبوا إليه مواشيهم، فيصدقها. ولكن ليأتهم على مياههم حتى يصدقهم هناك. وقال ابن الأثير -رحمه الله-: فنُهي عن ذلك، وأمر أن تؤخذ صدقاتهم على مياههم وأماكنهم.

سابعا: استغلال الساعي على الزكاة وظيفته لتحقيق مكاسب شخصية.

ومن أنواع هذا الاستغلال:

١ - قبول الهدية التي تهدى بسبب الوظيفة.

وهذا جلي فيما رواه أبو حميد الساعدي - رضي الله عنه -: قال: «استعمل النبي - صلى الله عليه وسلم -رجلا من الأزد -يقال له: ابن اللتبية- على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي، قال: فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول: هذا لكم، وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه، وأمه، حتى تأتيه هديته إن كان صادقا؟ والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه؛ إلا لقي الله يحمله يوم القيامة...».

     فهذا الحديث يدل أن ما أهدي إلى العامل في عمالته، والأمير في إمارته؛ شكرا لمعروف صنعه، أو تحبباً إليه، أنه في ذلك كله كأحد المسلمين، لا فضل له عليهم فيه؛ لأنه بولايته عليهم نال ذلك، فإن استأثر به؛ فهو سحت، والسحت كل ما يأخذه العامل والحاكم على إبطال حق أو إحقاق باطل، وكذلك ما يأخذه على القضاء بالحق.

٢- كتمان بعض أموال الزكاة

     يعد كتم بعض الزكاة خيانة، وهو غلول؛ النار أولى به وصاحبه، قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم  -: «من استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه، كان غلولا، يأتي به يوم القيامة... من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيرة، فما أوتي منه أخذ، وما نهي عنه انتهى».

قال القرطبي -رحمه الله- يذكر فوائد الحديث: يدل على أنه لا يجوز له أن يقتطع منه شيئا لنفسه، لا أجرة ولا غيرها، ولا لغيره، إلا أن يأذن له الإمام الذي تلزمه طاعته.

ثامنا: الرجوع بالصدقة رجوعا كليا أو جزئيا

ومن أنواع الفساد في الصدقات رجوع صاحبها بها: كليا أو جزئيا، أما دليل النهي عن الرجوع كليا في الصدقة قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته؛ كالكلب يرجع في قيئه».

     وأما الرجوع الجزئي عن الصدقة ما رواه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: قال: «حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه، وظننت أنه يبيعه برخص، فسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: لا تشتر، ولا تعد في صدقتك وإن أعطاكه بدرهم، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه!».

وبين ابن حجر -رحمه الله- صورة ذلك الرجوع مع أن ظاهره البيع فيقول: العادة تقتضي بيع مثل ذلك برخص لغير المتصدق، فكيف بالمتصدق! فيصير راجعا في ذلك المقدار الذي سومح فيه.

تاسعا: أنواع من الفساد المالي قد تلحق بالصدقات.

ومما قد يلحق بالفساد المالي المتعلق بالصدقات لقربه منه في المعنى:

أولاً: الكسب المالي الناتج عن الجور في العطية.

     تعد العطية من وسائل الكسب المشروع، إلا أن بعض الناس يتعدى في أعطيته، ومن أنواع التعدي فيه التي منعتها السنة النبوية أن يعطي الوالد بعض ولده دون بعض، كما في خبر النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: إن أباه أتى به رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله -  صلى الله عليه وسلم  -: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟» فقال: لا؛ فقال رسول الله -  صلى الله عليه وسلم -: «فأرجعه».

      وقد جمع ابن القيم ألفاظ الحديث وعلق عليها قائلا: وفي لفظ: هذا جور أشهد على هذا غيري. وهذا صريح في أن قوله أشهد على هذا غيري ليس إذنا؛ بل هو تهديد لتسميته إياه جورا، وهذه كلها ألفاظ صحيحة صريحة في التحريم والبطلان من عشرة أوجه تؤخذ من الحديث.

ثانيا: الوصية بأكثرمن الثلث.

     حثت الشريعة على التبرع بالمال، ورغبت ببذله في أبواب الخير، إلا أنها نبهت على أن التطوع لا ينبغي أن يخل بالفروض، أو أن ينتقص من حقوق أصحاب الواجبات، ويتجلى هذا المعنى فيما رواه سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: «جاءني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعودني، عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله، إني قد بلغ بي من الوجع ما ترى، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت: فالشطر يا رسول الله؟ فقال: لا. قلت: فالثلث؟ قال: فالثلث، والثلث كثير -أو كبير - إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس، وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها، حتى ما تجعل في امرأتك...».

     فَمنْعُه - صلى الله عليه وسلم - سعدا من التبرع بماله جاء معللا، قال ابن هبيرة- رحمه الله- معلقا: خير دليل على أن ترك الرجل ورثته أغنياء خير من تركهم فقراء إذا أمكنه؛ لأن الخلق عيال الله، وهذا المتصدق (فإنما) يخرج ماله إلى بعض عيال الله -عز وجل-، وورثته (فهم) من بعض عيال الله -عز وجل-، فإذا عزم على التصدق؛ فالأولى أن يبدأ بمن يجمع بين الصدقة عليه وبين صلة الرحم فيه من ورثته؛ ولأن الرجل كاسب لورثته في حال حياته، فقد سعى لهم مدة حياته؛ فإذا ترك لهم بعده شيئا كان أيضا كالساعي لهم بما ترك لهم من ماله في أيديهم.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة