أخبار سريعة
الأحد 09 اغسطس 2020

مقالات » رفقا أيها المربي (2)

للكاتب: الشيخ: محمد إسماعيل المقدم

نسخة للطباعة

رفقا أيها المربي (2)


ما زال الحديث موصولاً عن أهمية الرفق في العملية التربوية، وقد ذكرنا أن المربي يعد حجر الزاوية، والمحرك الأساس في عملية التربية؛ فلابد أن يدرك خطورة المهمة الملقاة على عاتقه، التي سيسأل عنها يوم القيامة. ومما ينصح به المربي، أن العقاب البدني الشديد يجب أن يتجنبه، وإن استخدمه فهو للتربية والتوجيه، لا للتشفي وإخراج ما في النفس من حنق على المتربي؛ فالعقاب البدني الأهوج، والكلمات المهينة، لها أثر نفسي قد لا يزول مدى العمر، واليوم نتكلم عن الآثار النفسية للعقاب البدني.

     يوضح بعض المربين أن استخدام العقاب له آثار خطيرة في نفسية الطالب، فيقول: ولا يمكن أن يؤدي معه هذا العقاب إلى نتيجة ما، هذه هي طريقة العقاب التي يسلكها بعض المربين أو المدرسين، وكان فيما مضى -مع الأسف الشديد- يستعملها محفظو القرآن الكريم، ونسمع عن بعض المشايخ أنه كان يضرب بعنف، وبعض المشايخ الكبار عندما يقصون علينا مثل هذه الذكريات يقول: ربنا لطف، وكانت سليمة.

نحن تربينا هكذا

     ثم يأتي الأب ويقول: نحن تربينا بهذه الطريقة، وكنا على خير خلق، فهذا خطأ كبير، فقد لطف الله -سبحانه وتعالى- بأن نجى ابنك من عواقب هذا الأمر، أو أنك نجوت منه، وليس معنى أنك تعرضت للأسلوب نفسه من آبائك، أنه أسلوب صحيح، وهذا من أخطر المزالق في الناحية التربوية، أن الإنسان دائماً يقدس ما كان عليه الأبوان، بما أن أبي رباني بهذه الطريقة، لابد أن تكون هذه هي أفضل طريقة على الإطلاق؛ فيكررها مع أبنائه.

ضحايا الضرب الشديد

     فالشاهد أن الكثير من المشايخ في تحفيظ القرآن، كان يضرب ضرباً شديداً، ويحكي بعضهم كيف ضربه الشيخ حتى سال الدم على وجهه وثيابه؛ لأن الشيخ ضربه بعصا غليظة على رأسه، ويفخر بوسام شرف موجود في رأسه من أثر هذا الضرب، وهناك أناس من ضحايا هذا الأسلوب التربوي الذين اتجهوا بعد ذلك الاتجاه العلماني، وكتبوا عن هذه الذكريات الأليمة، وأنها كانت السبب في انحرافهم.

وقفة مهمة

     وأنا أركز على هذه الوقفة؛ لأني أسمع أن بعض المحفظين ما زال يستعمل الأساليب نفسها مع بعض الأطفال، وأطفال اليوم في حاجة إلى معاملة دقيقة جداً؛ لأنهم يختلفون اختلافاً شديداً عن الأجيال الماضية، يقول بعض الباحثين: ولا يمكن أن يؤدي معه هذا العقاب إلى نتيجة ما، سوى أن يجعله يحقد على المدرسة، ويتمرد على أهله في سبيل الحضور إليها، ويكره الذهاب إلى المدرسة، وهذه نراها في الأطفال الصغار في سن الحضانة، أو بعدها بقليل، لا يريد أن يذهب إلى المدرسة، ويعاند، وفي كل يوم يصنع مشكلة كبيرة من أجل ألا يذهب إليها.

أسباب التمرد

     وعندما تبحث في أسباب هذا التمرد، تجد أن مدرساً يسيء معاملته، أو يضربه، أو يهينه، إلى آخره؛ فيكره الذهاب إلى المدرسة، وهذا بلاشك مما يحطم مستقبله، ويؤدي به في النهاية إلى حياة التشرد؛ فهذا خلل في التربية، وبسببه تحرم الأم أعز ما تملك من طاقتها؛ لأن عزتها مرهونة بتربية أبنائها التربية السليمة؛ فركنا العملية التعليمة هما: المربي والمربى، المدرس والتلميذ، الأب والابن، أو الأم والابن؛ فإذا ساءت العلاقة بين الركنين الأساسين في العملية التربوية؛ فإن هذا بلاشك سوف يحدث لها الفتور والتوتر والتمزق، ومن ثم تنتهي العملية التربوية.

انعدام الاحترام

      الطلبة الآن في المدارس الثانوية -لما زال الاحترام بين المدرس والطالب- نسمع عنهم أشياء تشيب لها الرؤوس، ويشيب لها الشعر؛ مما يفعله الطلبة مع المدرسين، وأحياناً يكون المدرس هو المسؤول؛ لأنه لم يجعله يحترمه، نتيجة عدد من التصرفات المعروفة. في الأجيال الماضية التلميذ كان إذا رأى المدرس في الشارع يجري حتى لا يجتمع معه في الشارع، أو يهرب، أو يدخل في بيت إلى أن يمر المدرس، الآن نسمع أشياء لا تكاد تُصدَّق؛ فقد وصل التدهور في العلاقة بين هذين الركنين الأساسين في العملية التربوية إلى هذا المستوى.

أسوأ آثار العنف

 فمن أسوأ آثار العنف الهروب من المدرسة، أو التغيب عنها، ومن الممكن أن تكون هناك صدمات نفسية للأطفال، أو بسبب حدوث مصادمات مع المدرسين تسبب لهم عقداً في حياتهم. 

إذلال الطفل

      أيضا: إذلال الطفل وتحسيسه بالذل والهوان والحقارة، وتعريض شخصيته لكثير من الانحراف الخطير، والاضطراب الأليم عاقبته وخيمة؛ فالعقوبة البدنية بالطريقة التي تحصل لا تجدي شيئاً، وتضر بالطالب، وتكون النتيجة بغض الطالب لمعلمه ولو بغير إرادته وشعوره، يمكن ألا يعبر صراحة عن هذا البغض، إلا أنه يظهره في صورة مقاومة التعليم وكراهية المدرسة، ومن ثم تنهدم علاقة الثقة والمحبة التي ينبغي أن تكون بين المعلم وبين طلابه؛ فالعقاب يؤدي إلى فقدان الطالب للشعور بالأمن.

انعدام الشعور بالأمان

      أعرف بعض المدرسين كان مميزاً جداً، كان يأتي إلى الطالب وهو يبتسم، وبمنتهى الهدوء، وفجأة يصفعه صفعة شديدة على وجهه إلى أن يسقط على الأرض من هذه الصفعة،  ويصبح حينها كل طالب متوتر، يرى أنه سيفاجئ بالعمل نفسه في المرة القادمة؛ لأن هذا السلوك فيه من العدوان ما يذهب الشعور بالأمان؛ فيتكون عند من حضر عدم الأمن وكراهية الآخرين، وينمو فيه شعور بالمقاومة والكذب والمخاوف، إلى غير ذلك من العادات الذميمة؛ فالجو المشحون دائماً بالانفعال والتوتر، له أسوأ الأثر على الشخصية في سنوات الطفولة والمراهقة؛ لأن هذه المرحلة في غاية الحساسية، المرحلة التي يوضع فيها أساس الشخصية من سن الطفولة الباكرة إلى سن الثامنة عشرة تقريباً، وبعدها يصعب جداً أي تعديل إلا إذا شاء الله، لكن هذه هي فترة التكوين، بعض الناس يقول: إن في الخمس السنوات الأولى، تكون النسبة العظمى من تكوين الشخصية ووضع أساسها، والباقي يكون إلى هذا السن الذي أشرنا إليه؛ فإذا حصل خلل في هذه الفترة؛ فسيؤدي إلى الاضطراب النفسي والانفعالي والاجتماعي، ويمكن أن يؤدي إلى معاناة، وليست معاناة على المستوى الفردي، بل يمكن أن يكون هذا الشخص عدواً للمجتمع بعد ذلك،  ويبدأ في أذى الآخرين بارتكاب الجرائم مثلا.

علاقة التربية بالعبادة

     من أجمل الأشياء في التربية الإسلامية: أن هذه الأمور تدخل في حيز العبادة، أي: أن المنهج التربوي الإسلامي عبادة، وليس مجرد منهج فكري نظري، أو منحنى من المناحي، بل هو عبادة، والإنسان مطالب بأدائها على أكمل وجه، كما سنبين ذلك من القرآن الكريم، ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم .

     يقول ابن خلدون -رحمه الله تعالى- في مقدمته : فصل في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم، وذلك أن إرهاق الجسد في التعليم مضر بالتعليم، ولاسيما في أصاغر الولد؛ لأنه من سوء الملكة، ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين سطا به القهر، وضيق عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمل على الكذب والخبث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له.

الخبرة التربوية

     هذه الخبرة التربوية الموجودة في كتابات المؤلفين من المسلمين تعكس تأثرهم بالقرآن الكريم وبالسنة النبوية، وخبرتهم ودرايتهم بالأساليب التربوية الملائمة في التعامل مع المتعلمين، وهذا أبو حامد الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول في وظائف المعلم: أن يُزجر المتعلم عن سوء الأخلاق بطريق التعريض ما أمكن، ولا يصرح، وبطريق الرحمة لا بطريق التوبيخ.

سنة نبوية

     وهذا الخلق التربوي مأخوذ من السنة النبوية الشريفة؛ فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- ما كان يواجه أحداً في وجهه بالنقد المباشر، إنما كان يقول: «ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا»؟  دون أن يحرج الذي فعل هذا الشيء؛ فهذه من الأساليب التربوية الرائعة، وهي التعريض؛ لأن التوبيخ المباشر يهتك حجاب الهيبة، ولن تبقى هناك هيبة بين المربي وبين الطالب أو الابن، ومتى هُتك حجاب الهيبة؛ فسيكون الأثر في المرة الأولى فقط، وبعد ذلك يصبح الولد مثلاً يدخن، وانتهى الموضوع بمرور الصدمة الأولى، ثم يتطور الأمر، ويصبح التدخين أمام أبيه، أو نحو ذلك من هذه السلوكيات أمراً عادياً؛ فدائماً ما أمكن الوصول إليه عن طريق التعريض، وعدم التصريح والمواجهة المباشرة، كان أفضل وأعون للابن على عدم العناد.

المراهق

     والذي يحتاج إلى هذه الطريقة في التعامل المراهق؛ لأن المراهق لابد من الحساسية الشديدة في التعامل معه، وأقرب طريق هو الإقناع والحوار، مع الحب والحزم والعطف؛ فالإقناع والحوار ضروري، ولا تلغي شخصيته، ولا تعامله دائماً على أنه هو الطفل الذي كان بالأمس، لا، هو الآن في مرحلة يريد أن يحقق ذاته، ويعترف له بالرجولة، ولو كانت فتاة فيعترف بأنها صارت ناضجة ولم تعد طفلة، ومن ثم لابد أن تتغير المعاملة، وتواكب التغيرات التي تحصل فيه؛ لأنه سينمو رغما عنك، وسيظل ينمو نفسياً واجتماعياً وعقلياً شئت أم أبيت.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة