أخبار سريعة
السبت 28 مارس 2020

مقالات » التميز غاية ينشدها كل مجتمع واع

نسخة للطباعة

التميز غاية ينشدها كل مجتمع واع


التميز غاية ينشدها كل مجتمع واع، وكل فرد هميم، وهو مقصد ظاهر من المقاصد التي أصلها الإسلام وأكدها، وبين أن العبرة في الأشياء بكيفها وتميزها، لا بكمها وهبائها؛ فإن الله -جل شأنه- قال: {لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}، ولم يقل أكثر عملا؛ لأن العبرة بالحقيقة لا بالشكل.

     التميز ليس تكلفا ولا حمل ما لا تطيقه النفس، وإنما التميز شحذ همة وبذل جهد لنفس تملك مقومات التميز، ولديها من الهمة على بلوغ درجته ما تجعل صاحبها يبذل الغالي والنفيس من أجل تحقيق تلك الغاية، وإنه ما من أحد من الناس، إلا لدية مكمن من مكامن التميز، غير أنهم يتفاوتون في كشفه والغفلة عنه، وما يتاح أمامهم من محاضن لرعاية  الموهوبين، وما يكون من مبدأ الثواب للمتميز؛ فكما أن العقاب ملجم للمرء عما يقبح به؛ فكذلك الثواب خير حافز لشحذ همة التميز أمامه.

ناس ليسوا سواء

     وما ميز الله الإنسان بالعقل السليم والجسم الصحيح، إلا ليذكي من خلالهما خصلة التميز الكامنة، والناس ليسوا على حد سواء في المستوى الذهني ولا البدني ولا المعيشي، لكنهم مع تفاوتهم هذا يمكن لكل أحد منهم أن يتميز بما أتاح الله له؛ فالمزارع ليس كالطبيب، غير أن لكل منهما تميزه في مهنته، والفقيه ليس كالكاتب، غير أن لكل منهما تميزه في فنه .

قيمة التميز

     والتميز في الحقيقة ليس قيمة مطلقة لا تدخلها النسبية؛ فليس ثم تميز مطلق، بل لكلٍّ تميزه اللائق به، وليس من وصفه الكمال التام «وما لا يدرك كلة لا يترك كله»، ووصول المتميز ولو متأخرا خير له من ألا يصل أبدا، وإن لم يستطع أن يكون في المقدمة؛ فليحرص على ألا يكون في المؤخرة؛ فلربما كان تميزه في عدم الفشل حين يكثر الفاشلون، كما أن عدم تميزه يعد فشلا حين يكثر المتميزون.

التعثر من عتبات التميز

     ولا يدخل التعثر في مثل ذلكم؛ لأن التعثر عتبة من عتبات التميز التي لا يتم الوصول إليه إلا من خلالها، وليس العيب في مجرد الإيثار، وإنما العيب في تكرر الإيثار  بالطريقة نفسها؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين»(رواه البخاري ومسلم).

علو الهمة

     غير أنه ينبغي للمرء أن يعلي همته ولا يضع سقفا لتميزه؛ لأن الهمة العالية إذا غامرت في شرف المروم؛ فإنها لا تقنع فيه بما دون النجوم.

حقيقة التميز

     التميز في حقيقته بذل موجود وليس تكلف مفقود، وكل امرئ أعرف بالمجالات التي يجدر به التميز فيها والمجالات التي ليست من بابته ولا هو منها، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يبدي هذا المعني لصحابته لما يلمسه من همة كل أحد منهم؛ فإنه لما جاءه رجل وشكي حاله قائلا: يا رسول الله، إن شعائر الإسلام قد كثرت علي؛ فأخبرني بأمر أتشبث به، قال: «لا يزال لسانك رطبا بذكر الله» (رواه الترمذي)، وقال أبو ذر رضي الله عنه قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ فضرب بيده على منكبي ثم قال : «يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها أمانه، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها» (رواة مسلم).

فاقد الشيء لا يعطيه

     فمفاد ذلك أن الضعيف لا يبلغ بالإدارة مبلغ التميز؛ لأنها تفتقر إلى قوة تقف أمام التحديات وتحسن التصرف في مواجهة العقبات؛ فإن التميز الإداري ليس بالتمني ولا جمال الفكرة المطروحة، وإنما التميز في الفكرة المنطلقة من إمكان تحقيقها في الواقع بقوة حاملها وفاقد الشيء لا يعطيه، والمرء العاقل لا يعسف نفسه على ما ينافي طبعه وميوله التي يجيدها ويتقنها؛ لأنه سيقصر فيها أكثر مما يحسن، في الوقت الذي لا يقبل منه إلا الإتقان، وفي الأثر «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه».

التميز والإتقان

     إن الإتقان من التميز، وبالتميز يكون التقدم، ومن المسلمات (ألا حضارة دون تميز)؛ فالتميز هو أقنوم الاختراعات الرئيس؛ فإن أسلافنا لم يبلغوا شأنا عاليا إلا بالتميز الذي أثروا به العلوم كافة في أزمنتهم، حتى كان غيرهم عالة عليهم، فله السبق في الحكم والتشريع والإدارة والطب والفيزياء وغير ذلكم من العلوم والمعارف والصناعات التي أفادوا منها عموم  البشرية أيما إفادة، وقد كان من أهم مرتكزات التميز عندهم آنذاك مراعاة التخصص؛ لأن تجاوز التخصص توقع في الزلل والميل عن الجادة، كما قال ابن حجر -رحمه الله-: «من تكلم في غير فنه أتي بالعجائب»، والتخصص دون ريب يزيد في المهارة المؤدية إلى الإتقان والاكتشاف  والاختراع، ويحد من الفوضى المنبثقة عن تنازع الاختصاص، أو تدافعه، ولاسيما إذا كان تنازع تضاد لا تنازع تنوع.

حال السلف مع التميز

     ولقد كان حال سلف الأمة تقاسم التميز، كل واحد منهم بما وهبه الله؛ فقد تميز زيد بن ثابت في تعلم اللغات حتى أنه أتقن السريانية في 15 يوما، وتميز أبو هريرة بحفظ أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى روي عنه أكثر من أربعة آلاف حديث، وتميز خالد بن الوليد بقيادة الجيوش بما لديه من ذكاء عسكري وتحرف القتال حتى سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (سيف الله المسلول)، وقد روي عن المصطفي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفرضكم زيد». أي أعلمكم بالفرائض، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أشاد بحسان بن ثابت على أنه أشعر الصحابة، وعلى أن عليَّا أقضاهم، وأن معاذا أعلمهم بالحلال والحرام، وأن أبا عبيدة بن الجراح هو أمين هذه الأمة، ذلكم هو التميز لدى أسلافنا، وأولئكم الذين هدى الله؛ فبهديهم اقتدوا تفلحوا ويتحقق لكم من الرفعة والتمكين.

الكمال لله وحدة

     واعلموا أنه مهما كان المرء متميزا متيقنا؛ فإن الكمال لله وحده والعصمة لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وإنما القصد في التميز هو التسديد والمقاربة، وقطف ثمرته ما دامت ناضجة قبل أن تذبل، والتشرف برفع راية الأمة أمام الأمم؛ فإن الأمة بأفرادها الذين يمثلون جموعها وبما يحملونه من طاقات التميز الذي ينبغي ألا تذهب هدرا دون استباق، كما ينبغي أن يعلم بأن التميز لا يعني التكلف ولا التصنع المذموم؛ إذ من العقل أن يعرف المرء قدره وأن يكون كحاله التي خلقه الله عليها، وأن يراه الناس كما يعرفون عنه، لا كما يتصنع لهم؛ فإن أقواما التمسوا التميز في غير مظانه فوقعوا في الإخفاق، فكم من متكلف مشية غيره لم يتميز بها ولم يبق على مشيته التي خلقه الله عليها.

الغرور والإعجاب بالنفس

     كما أنه ينبغي لمن وهبه الله التميز أن يتقي الغرور والإعجاب بالنفس؛ فإن تميزه من أقرب مظان ذلكم، وما اغتال المرء شيء كالغرور، يضاف إلى ذلكم أن التميز هو عمل المرء نفسه بهمته وكدحه ويده، وليس بالصعود على أكتاف الآخرين وسرقة تميزهم وإتقانهم ونسبتهم إليه، أو الاستئثار بقصب سبقه دون غيره، في حين وجود شركاء معه في بلوغ هذا التميز؛ فإن مثل ذلكم كله يعد تزويرا بغيضا وتدثرا بلباس زور -نعوذ وإياكم بالله من غوائله-، كيف لا؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : «المتشبع بما لم يعط كاللابس ثوب زور» (متفق عليه)؛ فالمسلم القنوع الواعي إن لم يكن من أهل التميز لم يبخل في جعل نفسه معينا أهل التميز على تميزهم ليكون لبنة صالحة في بنيانهم، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه». 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة