أخبار سريعة
السبت 28 مارس 2020

مقالات » أسباب النجاة من الفتن (2)

للكاتب: د. مسعد بن مساعد الحسيني

نسخة للطباعة

أسباب النجاة من الفتن (2)

  من كتاب موقف المسلم من الفتن

 

ما زال الحديث موصولاً عن أسباب النجاة من الفتن؛ حيث ذكرنا في المقال السابق أن النبي صلى الله عليه وسلم  تركنا على المحجة البيضاء، ليلها ونهارها سواء، لا يضل عنها إلا هالك، وكان من بيانه لنا أن بين لنا أسباب النجاة والوقاية من الفتن، كما أنه بمعرفة أسباب الوقوع في الفتن تعرف أسباب النجاة منها، وذكرنا أن من أسباب النجاة من الفتن الاعتصام بالكتاب والسنة، والأخذ عن العلماء الربانيين، ولزوم الجماعة وطاعة أولى الأمر.

رابعا: تقوى الله -تعالى

     فهي أعظم أسباب الوقاية والنجاة من الفتن، كما قال -تعالى-: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} (12). وقال: {ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً}(13). وقال: {يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً} (14). أي بصيرة و قدرة على التفريق والتمييز بين الحق والباطل. والتقوى وصية الله للأولين والآخرين كما قال -تعالى-: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله}، وفي حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه لما استوصى الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أول ما أوصاهم به التقوى؛ فقال: «أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة»، والتقوى أن يجعل العبد بينه وبين عذاب الله وقاية؛ باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، وقد فسرها طلق بن حبيب -رحمه الله- بقوله: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخشى عقاب الله، وقوله: «على نور من الله» أي على وفق دليل شرعي، وهي تتحقق من خلال أمور منها:

1. الصلاة

     فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر - أي أهمه أمر ونزل به - فزع إلى الصلاة. ولما استيقظ ذات ليلة فزعاً وهو يقول: سبحان الله، ماذا أنزل الله من الخزائن؟ وماذا أنزل من الفتنة؟ من يوقظ صواحب الحجرات لكي يصلين؟ فأمرهن بالصلاة عند كثرة نزول الفتن؛ إذ الصلاة نور، ونجاة، وبرهان للعبد في الدنيا والآخرة، وقد قال الله -تعالى-: {واستعينوا بالصبر والصلاة}.

2. الصبر عند نزول الفتن

     وذلك بالتمسك بما دل عليه الكتاب والسنة، كما بينه السلف الصالح وعلماء الأمة، والصبر على ذلك لقوله -تعالى-: {واستعينوا بالصبر والصلاة}. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إذا أحب الله قوما ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط»، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، وقد قال -تعالى-: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم}، وقال صلى الله عليه وسلم: «عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته سراء فشكر كان خيراً له، وإن أصابته ضراء فصبر كان خيراً له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، إن السعيد لمن جنب الفتن، ولمن ابتلي فصبر فواها» و(واها) كلمة معناها التلهف أي التلهف على الصبر وهذه المنزلة، وفي الحديث: «يأتي على الناس زمان الصابر فيهم على دينه كالقابض على الجمر»، والمهم في هذا أن يتبين العبد أن ما هو عليه هو الذي دل عليه الكتاب والسنة، وقرره سلف الأمة وعلماؤها، وتحتم الأخذ به فيلزمه. ومن الصبر المأمور به الصبر على جور الأئمة إن جاروا، فذلك من التقوى المنجية من الفتن، قال صلى الله عليه وسلم : «من كره من أميره شيئاً فليصبر؛ فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية».

3. التثبت والتأني وعدم العجلة

     فإن الأناة من الله، والعجلة من الشيطان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأشج عبد القيس: «إن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله؛ الحلم، والأناة»؛ فالواجب التأني والتثبت في قبول الأخبار، ونقلها، والحكم بها قال -تعالى-: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} (15)، وذم المسارعين إلى نشر الأقوال وإذاعتها قبل التثبت فقال: {وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم} (16). وقد قال النبي[: «كفى بالمرء كذباَ، أن يحدث بكل ما سمع»، وقال صلى الله عليه وسلم : «بئس مطية الرجل زعموا». أي بئس اتخاذه لهذا المنهج والمسلك، وهو حديثه بحديث الناس دون تثبت، وكذا يجب التأني والتثبت في الحكم على الناس بكفر، أو فسق، أو معصية، ما لم تتحقق الشروط لذلك، وتنتفي الموانع التي يعلمها أهل العلم؛ فالواجب التأني والتثبت في الأمور كلها، وللعاقل عبرة في منهج أئمة الإسلام في التثبت في نقل الأخبار، وقبولها، وتمييز صحيحها من سقيمها، ومعرفة رجال إسنادها، وعدالتهم، وضبطهم.

4. حفظ اللسان في الفتنة

     فإن اللسان صغير جِرمه، عظيم جُرمه، وقد قـال -تعالى-: {ما يلفظ من قوله إلا لديه رقيب عتيد} (17)، وقال نبيه صلى الله عليه وسلم : «إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يُلقي لها بالاً يهوي بها في نار جهنم»، وفي حديث معاذ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : «وهل يكب الناس في النار على وجوههم، أو قال: على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟!». وفي حديث بلال بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت؛ فيكتب الله له بها سخطه إلى يوم القيامة»، وقد حذر العلماء من اللسان في الفتنة، وذكروا أن وقعه في الفتنة أشد من وقع السيف، كما روي بهذا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، منها ما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تكون فتنة تستنظف العرب، قتلاها في النار، اللسان فيها أشد من وقع السيف»(18).

     ومنها ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ستكون فتنة صماء بكماء عمياء من أشرف لها استشرفت له، وإشراف اللسان فيها كوقع السيف»، ومما ورد من الأمر بحفظ اللسان في الفتنة ما جاء عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: «بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ إذ ذكروا الفتنة، أو ذكرت عنده قال: إذا رأيتم الناس قد مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا –وشبك بين أصابعه-» قال: فقمت إليه فقلت: كيف أفعل عند ذلك جعلني الله فداك؟ قال: «الزم بيتك، واملك عليك لسانك وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» (19)، وقد ذكر العلماء أن من الخوارج من يخرج بلسانه، وإن لم يحمل السيف بيده، وهم الخوارج القعدة، بل ما حمل حامل السيف، إلا بأثر لسان جر إلى هذا.

خامسا: مجانبة الفرق ولزوم الجماعة

     فعلى طالب السلامة والنجاة، أن يجانب الفرق والجماعات الحادثة كلها من أهل الأهواء والبدع، ولا يجالسهم، ويلزم ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وسلف الأمة الأخيار -جماعة أهل السنة والجماعة-، وفي حديث حذيفة رضي الله عنه قال: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»، وأما عزلة عامة الناس؛ فإنما يكون في آخر الزمان، عند فساد الناس، وعدم المصلحة الراجحة لمخالطتهم، وإنما يغلب الضرر، والأمور مختلطة، فدرء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال، ومواقع القطر، يفر بدينه من الفتنة»، وأما إن كان الإنسان يستطيع أن يرشد، وينفع، ويصبر؛ فإن المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم، كما ورد هذا عن عمر رضي الله عنه ؛ فالنصوص في الخلطة والعزلة تنـزل على أحوال.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة