أخبار سريعة
السبت 28 مارس 2020

مقالات » «احفظ الله يحفظك» الدنيا دار امتحـــان وابتــــلاء

للكاتب: الشيخ: رائد الحزيمي

نسخة للطباعة

«احفظ الله يحفظك» الدنيا دار امتحـــان وابتــــلاء

 

من الحقائق التي لابد من فهمها، أن الدنيا دار امتحان وابتلاء واختبار، والله -جل جلاله- يقول: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} أي فتنة السراء والضراء، والفتنة في الشدة والرخاء، والله -سبحانه وتعالى- يقول: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}، وقال -تعالى-: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}؛ فالله -جل جلاله- خلق الإنسان في هذه الدنيا يكابدها ويصارعها، ويقول -تعالى-: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ}.

     فالبلاء، والمحن، والفتن، حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا، قال -تعالى-: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}.

     ولقد تعجب النبي - صلى الله عليه وسلم - من أمر المؤمن، فعَنْ أبي يَحْيَى صُهَيْبِ بْنِ سِنَان - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ. رواه مسلم

     من هنا فالابتلاء والمحن سنة الله -سبحانه وتعالى-، ونحن بين فتنتين وابتلاءين، سراء وضراء، لينظر الله -عز وجل- ويختبر ابن آدم، فما موقف المسلم أمام هذه المحن؟

الابتلاء من الله

- أولا: اليقين التام بأن هذه الابتلاءات من الله -تعالى-، فالله -عز وجل- قدر هذه الابتلاءات، فهذا المرض الذي قد شاع وانتشر بين الناس، من الذي أوجده؟ الله -تعالى- من الذي يرفعه؟ الله -سبحانه وتعالى- يرفعه بقدرته.

تقدير العليم الحكيم

- ثانيًا: أن ذلك الأمر كله بتقدير من الله العليم الحكيم القدير؛ فهذه ثلاثة أسماء وصفات لله -تعالى- ما ينبغي أن تغيب عن أذهاننا؛ فهو -سبحانه- ذو حكمة بالغة، حكيم لا يضع الشيء إلا في موضعه -جل جلاله-؛ فمن حكمته، خلق كورونا وأوجده، وأراده لحكمة بالغة؛ فهو العليم الحكيم.

الإيمان بقضاء الله -عز وجل

- ثالثًا: الإيمان بقضاء الله -عز وجل- فإن أصبت ببلاء تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك؛ فقد كتب الله -عز وجل- هذا الأمر قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، كُتِبَ الأمر وانتهى، ولا رادّ لقضاء الله -عز وجل-، وأمام هذا الإيمان، الرضا والتسليم، تُسَلِّم لله -عز وجل-، وترضى بقسمة الله -سبحانه وتعالى-، {قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}.

التوبة والإنابة

- رابعًا: التوبة والإنابة، فما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رُفِعَ إلا بتوبة، ما نزل بلاء إلا بذنب {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} لا يؤاخذنا الله -سبحانه وتعالى- بكل نفعل، وإلا ما ترك على الأرض من دابة، قال -تعالى-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}، نعم بما كسبت أيدي الناس، ما نزل بلاء إلا بذنب وما رفع إلا بتوبة.

ألا نسُبَّ هذه الابتلاءات

- خامسًا: ألا نسُبَّ هذه الابتلاءات، عند مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على أم السائب أو أم المسيب فقال: ما لَكِ؟ يا أُمَّ السَّائِبِ، أَوْ يا أُمَّ المُسَيِّبِ تُزَفْزِفِينَ؟ قالَتْ: الحُمَّى، لا بَارَكَ اللَّهُ فِيهَا، فَقالَ: لا تَسُبِّي الحُمَّى، فإنَّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ، كما يُذْهِبُ الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيد. ففي الحديثِ: النَّهيُ عَنْ سبِّ الحمَّى؛ لِمَا فيه مِنَ التَّبَرُّمِ والتَّضَجُّرِ مِن قدَرِ الله -تعالى-، مع ما فيها مِن تكفيرِ السِّيَّئاتِ، وإثباتِ الحسنات.، وفيه: الرِّضا بِقضاءِ اللهِ وقدَرِه.

التداوي

- سادسًا: مما ينبغي على ابن آدم: التداوي، هذه بشرى من نبينا -عليه الصلاة والسلام-؛ فعن أسامة بن شريك - رضي الله عنه - قال: قَالَتْ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، إِلا دَاءً وَاحِدًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ ؟ قَالَ: الْهَرَمُ». رواه الترمذي (2038) وصححه الألباني في صحيح الترمذي.

عدم السخرية والاستهزاء

- سابعًا: ومما ينبغي علينا عدم السخرية والاستهزاء، لأننا بنشر السخرية والاستهزاء؛ لأن هذا يتنافى مع عظمةالبلاء؛ فالمشهد في الحرم مؤلم جدًا، مؤلم لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، فما عدنا نستشعر عِظَم البلاء، فقد ماتت القلوب والعياذ بالله، وهذا يحول بين القلب وبين استشعار عِظَمها.

التوكل على الله

- ثامنًا: ومما ينبغي للعبد: التوكل على الله، أن تكون قلوبنا متوكلة على الله -سبحانه وتعالى-، وألا يسيطر الهلع والخوف علينا وكما يقولون (فوبيا) كورونا، تسيطر على ابن آدم، وسمعنا ممن قد ترك الجمعة والجماعات وخاف وانزوى وأصبح موسوسًا، لا نريد أن نصل إلى الوسواس، لا! نحن عقلانيون، كن عقلانيا، التزم بتوجيهات الأطباء والمؤسسات المعتمدة، لا تسمع إلى تلك الإشاعات التي زعزعت ثقة كثير من المسلمين بربهم -سبحانه وتعالى- الوسواس داء عظيم، فلا تجعله يستشري فيك فهذه مصيبة أعظم من مصيبة الداء الذي يرفعه الله -سبحانه وتعالى-، ولابد من بذل الأسباب للوقاية كما قال أطباؤنا، مع الأخذ في الاعتبار ألا تتعلق قلوبنا بالأسباب، ولكن تتعلق قلوبنا برب الأسباب -سبحانه وتعالى.

 

 من الأخلاق التي نفتقدها .. العفو والسماحة

     إن خلق العفو والسماحة على سمو منزلته، وعلو مكانته عند الله وعند الخلق، إلا أنه يعد من الخصال الغائبة بين الناس، ولو تأمل المسلم ما يفوته من الأجر والخير بفوات هذا الخلق الجميل، لتحسر على نفسه أسفاً!.

     فالعفو باب من أبواب العز والنصر، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : «وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً»، والسر في أن العفو من مفاتيح العزَّ، هو أن الإحسان على درجات، وأثقل الإحسان على النفس هو نسيانها حقوقها، وتجاوزها عن مظالمها، وهذا لا يستطيعه إلا القليل من الناس، ومن المعلوم أن الله -جل وعلا- قد أخبر أنه مع المحسنين، وأخبر أن العافين عن الناس هم المحسنون؛ فقال-سبحانه-: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (آل عمران: 134)، وقال -سبحانه-: {وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت: 69)؛ فمعية الله-سبحانه-بحسب إحسان المؤمن؛ ولّما كان العفو من أعلى درجات الإحسان؛ فإن معية الله للمحسن تكون مناسبة لتلك الدرجة، ومعيته -سبحانه- للمؤمن معية علم وتأييد ونصر، ومعية خاصة بالمؤمن دون سواه، بخلاف معية العلم التي تعم الخلائق كلها.

     ومن هذا يتبين لنا أن العفو، أوسع أبواب العز، وأقلها كلفة، وأسهلها على النفوس مقارنة بالأسباب الأخرى؛ ولذلك عدّ العلماء العفو حسن الخلق نفسه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: وجماع الخلق الحسن مع الناس أن تصل من قطعك بالسلام، والإكرام، والدعاء له والاستغفار، والثناء عليه، والزيارة له، وتعطي من حرمك من التعليم، والمنفعة، والمال، وتعفو عمن ظلمك في دم، أو مال، أو عرض، وبعض هذا واجب، وبعضه مستحب.

     ولا يتصور عفو إلا بكف الغضب، وكظم الغيظ، ولقد تقرر في السنَّة أن كف الغضب باب من أبواب الستر، كما قال صلى الله عليه وسلم : «ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته»، ولا تظن أن العفو، وكف الغضب، وكظم الغيظ، سمة ضعف في الإنسان، بل دليل الشدة، والقوة، وبعد النظر، والعقل، والحكمة؛ لذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «ليس الشديد بالصرُّعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب».

     فما أجمل أن نرى أبناء الإسلام يتصفون بهذا الخلق الرفيع! فيتعاملون بالعفو، والصفح، والتجاوز عن الناس، متأسين برسول الله صلى الله عليه وسلم ، مقتدين بصحابته -رضوان الله عليهم-الذين ضربوا لنا أروع المواقف، وأنصع الأمثلة في أخلاقهم الرفيعة والعالية.

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة