أخبار سريعة
السبت 28 مارس 2020

مقالات » من له الحقُّ في القدس؟

للكاتب: الشيخ: محمد صالح السيلاوي

نسخة للطباعة

من له الحقُّ في  القدس؟

 

     قال الله -تعالى-: {يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ}(المائدة), وقال -تعالى-: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ}(الأنبياء)؛ فهذه الآيات وغيرها تدل على مكانة بيت المقدس وما حولها في كتاب الله -تعالى-, وقد وصفها الله تارة بأنَّها مقدَّسة، وتارة بأنَّها مباركة, بل إنَّ الله -تعالى- أقسم بها كما في سورة التِّين. وقد استمرَّت القبلة في الصَّلاة إلى بيت المقدس أكثر من أربعة عشر عاماً, من بداية تشريع الصَّلاة في مكَّة عندما أنزل الله -تعالى- على نبيِّه: {ياأيها المزمل قم الليل إلا قليلا}، إلى أن فُرضت في اليوم والليلة خمس مرات في مكَّة قبل الهجرة، واستمرّت كذلك في المدينة بعد الهجرة سبعة عشر شهراً, والمسلمون يتوجَّهون في صلاتهم إلى بيت المقدس، لا تصحُّ صلاتهم ولا تقبل إلا بالتوجَّه إليها؛ حيث مُهاجر إبراهيم ولوط؛ وحيث موطن الأنبياء جميعاً؛ وحيث صلَّى بهم النَّبيُّ[ إماماً في حادثة الإسراء والمعراج، وغير ذلك من النُّصوص الصَّحيحة المتواترة، تواترًا معنويّا والدَّالَّة على فضيلة بيت المقدس، وعلى مكانته عند المسلمين، مَّما لا يحتاج إلى بيانٍ وإسهاب فيه.

     وسواءً قُلنا: إنَّ الذي بنى المسجد الأقصى هو إبراهيم، أو قلنا: هو إسحاق، أو قلنا: هو يعقوب، أو قلنا: هو سليمان وداود، مع أن أصحَّ الآراء في ذلك هو آدم؛ حيث دلّت عليه بعض الأخبار عن السّلف، ولو قلنا جدلاً: إنَّه يعقوب، فلا يعني ذلك أنَّ اليهود أحقُّ بالمسجد الأقصى من أهل الإسلام؛ فإنَّ يعقوب إنّما بناه ليصلِّي فيه الموحِّدون وليس المشركون الَّذين قالوا: {عزيرٌ ابن الله}؛ فنسبوا إليه الولد, وممَّن قالوا: {يد الله مغلولة}، -تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوًّا كبيرا-؛ فيعقوب إنّما بناه تعظيماً لله، وتوحيداً له، ولئلَّا يُعبد فيه غير الله، ولم يَكُن ليسمح أو يرضى بأنْ يُصلِّي في مسجدٍ بناه هو أحدٌ من المشركين, ولو كانوا أبناءً له؛ لأنَّ الأنبياء جميعهم دعوتهم ليست دعوة عرقيَّة ولا شعوبيَّة, بل دعوةٌ تقوم على توحيد الله؛ فمن حقَّق التَّوحيد فهو من أتباعهم.

     يقول -تعالى-: {ووَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}؛ فليست القضيَّة قضيَّة شعوب وأعراق, بل قضيَّة توحيد وإسلام, هذا إن سلَّمنا لهم أنَّهم فعلًا من ذرية يعقوب، وهيهات هيهات أن يكونوا كذلك!

     ومن يزعم أنَّ اليهود لهم حقٌّ في فلسطين والقدس؛ لأنَّهم سكنوها فترةً من الزَّمان؛ فإنَّ التَّاريخ يدلُّ على أنَّ أوَّل من سكن فلسطين هم الكنعانيُّون؛ وذلك قبل الميلاد بـ 6000 عام, وهم قبيلةٌ عربيَّةٌ، قدمت إلى فلسطين من الجزيرة العربيَّة، بل وسمِّيت فلسطين باسم أرض كنعان نسبةً إليهم, أمَّا اليهود؛ فكان أوَّل دخولهم فلسطين بعد إبراهيم بستمائة عام، أي أنَّهم دخلوها قبل الميلاد بــ 1400 عام؛ فيكون الكنعانيُّون قد سكنوها قبل الميلاد مدّةً تصل إلى 450 عاما.

     إنَّ الأرض كلَّها لله، خلقها الله، وخلق الإنسان عليها، لعبادته وحده لاشريك له, وليقيم عليها دينه وشريعته وحكمه.. قال -تعالى-: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}(الأنبياء: 105، { إن الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين}(الأعراف: 128).

     ومما يجب أن يعلمه المسلم، أن واجبه تجاه المسجد الأقصى، واجبٌ شرعيٌّ دينيٌّ، وهو امتداد لإيمانه وتوحيده لله -تعالى-, فلا يظنَّ أنَّه إذا تبرَّع له أو دعا الله له، أنَّه بذلك يتفضَّل عليه، بل لو تصوَّرنا أنَّ أهل القدس وفلسطين تخاذلوا عن الجهاد في سبيل تحريرها واستعادتها؛ فإنَّ المسلمين يتوجَّب عليهم أن يستمرُّوا في تحقيق وعد الله -تعالى- وفي الجهاد لتحرير الأرض المقدَّسة.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة