أخبار سريعة
السبت 28 مارس 2020

مقالات » التغافل من أخلاق الإسـلام العظيـمة

للكاتب: أحمد عبدالعزيز جوهر

نسخة للطباعة

التغافل من أخلاق الإسـلام العظيـمة


خلقُ التغافل من أحسن الأخلاق، وبهذا الخلق الكريم النبيل تبقى العلاقات وتنمو المحبات وتزدهر، والتغافل: «تكلف الغفلة مع العلم والإدراك لما يتغافل عنه تكرماً وترفعاً عن سفاسف الأمور»؛ فالمتغافل يعلم هذا الخطأ ويستطيع معاقبة المخطئ، ولكنه يتغافل عن ذلك ليبقيَ حبل المودة، قال الإمام أحمد بن حنبل عن هذا الخلق العظيم: «تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل». وقال عنه سيد التابعين الحسن البصري: «ما زال التغافل من فعل الكرام»، وقال ابن المبارك: «المؤمن يطلبُ المعاذير، والمنافق يطلب الزلات».

أولاً: معنى التغافل

     جاء في المعجم الوسيط: تغافل فلان: تظاهر بالغفلة أو تعمَّدَها، أي بالسَّهو وقلَّة التَّيقّظ؛ فالتغافل إذاً هو: الترفع عن الدنايا وسفاسف الأمور وهفواتها التي لا تغير الحقائق ولا تبدد الحقوق ولا تحط من الكرامة ولا تقر مُنكراً ولا تنكر معروفاً ولا تؤصل لباطل، ومن أسماء الله -تعالى- الحُسنى (العفو) جل جلاله: هو الكثير العفو والصفح، إلى ما لا نهاية له؛ فلولا عفوه، لهلك أهل الأرض ومن فيها، لكثرة ما يعصى في حقه، ليلًا ونهارًا، وهو -تعالى- كثير الخير، يهب الفضل من يشاء من عباده.

ثانيا : أهمية التخلق بهذا الخلق

     إن الناظر إلى الشريعة المطهرة  من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة في هذا الخلق الحميد، يعلم أنه ينبغي أن  يتعامل المسلم مع الناس المحيطين به, من زوجة وأولاد وأصحاب وشركاء وجيران, فيما يتعلق بالأمور البسيطة والصغيرة من سفاسف الدنيا وأمور الحياة اليومية، بالتغافل والتجاهل عنها, فما دام الخطأ والزلل من طبيعة بني آدم, فلا داعي للتركيز على الأخطاء أو التدقيق على الهفوات؛ إذ من شأن ذلك أن يجعل الحياة مع أمثال هؤلاء من الصعوبة بمكان, الأمر الذي قد يؤدي إلى خراب بعض البيوتات, وتشرذم العائلات وقطع الرحم التي أمر الله -تعالى- أن توصل, وهجران الأصدقاء وابتعاد الخلان.

ضرورة ملحة

     إن ابتعاد بعض المسلمين عن هذا الخلق النبيل،  وفهم بعضهم الآخر له فهما بعيدا كل البعد عن حقيقته وجوهره السامي, بل يمكن القول بأنه فهم معكوس ومنكوس، هو ما يجعل تناول هذا الموضوع حاجة متكررة, وضرورة ملحة, في عصر كثر فيه التدقيق على التوافه، والإهمال والتجاهل للكبائر.

ثالثا: من أخلاق المسلمين الأوائل

     الحقيقة أن فضيلة التغافل المحمود ثابتة في أقوال السلف الصالح وأفعالهم؛ فيقول الإمام أحمد بن حنبل: «تسعة أعشار حسن الخلق في التغافل», ويقول الحسن البصري: «ما زال التغافل من فعل الكرام»، بل إن بعض روايات التفسير تشير إلى إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض ما أعلنت به حفصة أم المؤمنين -رضي الله عنها- مما قد أسره النبي صلى الله عليه وسلم إليها تكرما, قال -تعالى-: {وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} (التحريم: 3)، قال القرطبي -رحمه الله-: وَمَعْنَى { عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ} عَرَّفَ حَفْصَةَ بَعْضَ مَا أُوحِيَ إِلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا أَخْبَرَتْ عَائِشَةَ بِمَا نَهَاهَا عَنْ أَنْ تُخْبِرَهَا، وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ تَكَرُّمًا. الجامع لأحكام القرآن 18/187.

متعلقات خلق التغافل

     إن من يدقق في متعلقات خلق التغافل الذي كان السلف الصالح يتمسك به ويطبقه، يتبين له أن ذلك التغافل كان محمودا, لكونه يتعلق بالحقوق الشخصية, وبسفاسف الأمور وحاجات الحياة الدنيا الفانية, من طعام وشراب وخدمة في البيت أو العمل أو المدرسة أو الشارع، وما شابه ذلك، فلم يكن أحدهم يلاحق زوجته على كل هفوة أو غلطة صغيرة متعلقة بحقوقه الشخصية داخل البيت, بل كان تجاهل هذه الأخطاء -حتى لو كانت متكررة– سمة وعلامة شاهدة على سمو أخلاقهم وتعاليهم على سفاسف الأمور لانشغالهم بعظائمها, وكذلك الحال هو تعاملهم مع الأخ والصديق والجار والصاحب في المهنة والعمل ..إلخ .

رابعا : واقع مرير

     أما ما يقع في كثير من الأحيان من بعض المسلمين من الممارسات والأفعال في عصرنا الحاضر , من ترك الحبل على غاربه في البيت فيما يتعلق بحقوق الله- تعالى-، كالتزام الصمت إزاء تقصير الزوجة أو البنت في حجابها , أو التغاضي عن خروجها من البيت بنصف حجاب أو بلباس لا يتفق مع ضوابط الإسلام , أو التهاون في التقصير  في أداء الصلاة على وقتها , أو ما شابه ذلك من حقوق الله التي قد يظنها بعضهم أنها من باب التجاهل والتغافل , فإنه في الحقيقة ليس من باب التغافل في شيء , وإن كان بعضهم يظنه تغافلا فهو تغافل مذموم و مرفوض .

ما يزيد الأمر سوءا

     وما يزيد الأمر سوءا في ممارسات هذه الفئة من المسلمين، عدم تغافلهم عن أي حق من حقوقهم الشخصية التي من المفترض التغافل عنها؛ فترى أحدهم لا يتجاهل أي هفوة من زوجته فيما يتعلق بطعامه، وشرابه، وأموره الشخصية المادية, كما أنه لا يتغافل عن بعض أخطاء أولاده المتعلقة بالأمور المادية الدنيوية، لينقلب معيار التغافل عند أمثال هؤلاء؛ فيغدو ما يجب التغافل عنه محل اهتمام وتذكير وتركيز, و ما يجب الاهتمام به محل تغافل وإهمال وتقصير .

 ولله در الشاعر

ليس الغبي بسيد في قومه

                           لكن سيد قومه المتغابي

ثلثا مكيال العقل

     الذي عَدَّه معاوية رضي الله عنه ثلثي مكيال العقل بقوله: «العقلُ مكيالٌ، ثلثه الفطنة، وثلثاه التغافل»، إنما هو ذاك الذي يترفع عن متابعة هفوات من يعول لتستمر الحياة هنيئة طيبة معهم, بينما لا يترك الحبل على غاربه في عظائم الأمور وأمهاتها، كالصلاة وكل ما يتعلق بحقوق الله -تعالى-؛ لأن ذلك يوقعه ويوقعهم في مساءلة عظيمة يوم القيامة, ناهيك عن نتائجها المذمومة الوخيمة في الدنيا .

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة