أخبار سريعة
الثلاثاء 29 سبتمبر 2020

مقالات » من علوم السلف - العلم النافع المبني على الكتاب والسنة

للكاتب: نور الدين عيد

نسخة للطباعة

من علوم السلف - العلم النافع المبني على الكتاب والسنة

 

     إن الأصل الذي ينبني عليه كل مجد، ويشرف به كل عبد، وتعظم به كل أمة: هو العلم، وهذا في شرعتنا قد كثرت الأدلة على اشتراطه، وصار علامة فارقة بين أهل الحق وأهل الزيغ، بل تُوُعد السالك المعرض عنه، قال -تعالى-: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ}(الزمر:9).

     قال الطبري -رحمه الله-: «قل يا محمد لقومك: هل يستوي الذين يعلمون ما لهم في طاعتهم لربهم من الثواب، وما عليهم في معصيتهم إياه من التبعات؟ والذين لا يعلمون ذلك؛ فهم يخبطون في عشواء، لا يرجون بحسن أعمالهم خيرًا، ولا يخافون بسيئها شرًّا، يقول: ما هذان بمتساويين»، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ  صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: «أَلَا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ» (رواه الترمذي، وحسنه الألباني)، وقال أبو الدرداء رضي الله عنه : «الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ، مَلْعُونٌ مَا فِيهَا، إِلَّا ذِكْرَ اللَّهِ وَمَا أَدَّى إِلَيْهِ، وَالْعَالِمُ، وَالْمُتَعَلِّمُ فِي الْخَيْرِ شَرِيكَانِ، وَسَائِرُ النَّاسِ هَمَجٌ لَا خَيْرَ فِيهِمْ» (رواه ابن المبارك في الزهد).

إلحاق الظهور بالعلم

     وقال معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهو على المنبر: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللَّهُ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ اللَّهُ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْهُ الْجَدُّ، مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ»، ثُمَّ قَالَ مُعَاوِيَةُ: سَمِعْتُ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ مِنْ رَسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذِهِ الْأَعْوَاد» (أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ حسنٍ)، ورواية البخاري ومسلم لها إشارة أعظم: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَاللَّهُ المُعْطِي وَأَنَا القَاسِمُ، وَلاَ تَزَالُ هَذِهِ الأُمَّةُ ظَاهِرِينَ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ، وَهُمْ ظَاهِرُونَ»؛ فإلحاق الظهور بالعلم دليل على اشتراطه، فلا يخفى الظهور بالحجة وهو مبني على العلم.

     قال ابن القيم -رحمه الله-: «وهذا يدل على أن مَن لم يفقهه في دينه لم يرد به خيرًا، كما أن من أراد به خيرًا فقهه في دينه، ومن فقهه في دينه فقد أراد به خيرًا، إذا أريد بالفقه العلم المستلزم للعمل، وأما إن أريد به مجرد العلم، فلا يدل على أن من فقه في الدين فقد أريد به خيرًا؛ فإن الفقه حينئذٍ يكون شرطًا لإرادة الخير، وعلى الأول يكون موجبًا. والله أعلم» (مفتاح دار السعادة).

العلم النافع

     أما العلم النافع: فقد قال ابن رجب -رحمه الله-: «فالعلم النافع هو ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها، والتقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث، وفيما ورد عنهم من الكلام في مسائل الحلال والحرام، والزهد والرقائق، والمعارف، وغير ذلك، والاجتهاد على تمييز صحيحه من سقيمه أولًا، ثم الاجتهاد على الوقوف على معانيه وتفهمه ثانيًا، وفي ذلك كفاية لمن عقل، وشغل لمن بالعلم النافع عني واشتغل» (فضل علم السلف على الخلف)؛ فيخرج بذلك بدع المتكلمين، وبدع المتنسكين الذين سلكوا طريقًا غير طريق الوحي؛ فمن فاتته هذه البدع لم يفته الخير، بل النظر فيها لإبطالها لا للعمل والدعوة إليها؛ فمن اختلط عليه هذان السبيلان فمدخول ملبس عليه.

تفاوت الأعمال في القبول

     قال ابن القيم -رحمه الله-: «والأعمال إنما تتفاوت في القبول والرد بحسب موافقتها للعلم ومخالفتها له؛ فالعمل الموافق للعلم هو المقبول، والمخالف له هو المردود؛ فالعلم هو الميزان، وهو المحك» (مفتاح دار السعادة)؛ فهذا هو العلم الذي يتقرب به إلى الله، ويزيد به الإيمان، ويورث الخشية؛ لذا قال ابن القيم: «وكل علم وعمل لا يزيد الإيمان قوة فمدخول» (الفوائد)، وقال ابن رجب: «فمتى كان العلم نافعًا ووقر في القلب، فقد خشع القلب لله وانكسر له وذل هيبةً وإجلالًا، وخشيةً ومحبةً وتعظيمًا، ومتى خشع القلب لله وذل وانكسر له، قنعت النفس بيسير الحلال في الدنيا وشبعت به؛ فأوجب لها ذلك القناعة والزهد في الدنيا، وأوجب له علمه المسارعة إلى ما فيه محبة الله ورضاه، والتباعد عما يكرهه ويسخطه»(فضل علم السلف على علم الخلف بتصرف).

      هذه مقدمة بين يدي علوم القوم الذين مٌدحوا؛ فبيانها لازم، وسلوكها واجب، والدعوة إليها مفروض، والتحذير من التخليط معها آكد الأعمال في واقعنا اليوم الذي تضيع فيه أجيال في تعصبات وبدع، يظنون فيها العلم والرسوخ، وما هي إلا الآراء!

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة