أخبار سريعة
الثلاثاء 26 مايو 2020

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - أحكام فقهية في آية زكريا عليه السلام مع قومه

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - أحكام فقهية في آية زكريا عليه السلام مع قومه

 

قال -تعالى-: {قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ}، (سورة آل عمران:41)، قال الطبري: «يعني بذلك -جل ثناؤه- خبرًا عن زكريا، قال زكريا: ربّ إن كان هذا النداء الذي نُوديتُه، والصوتُ الذي سمعته، صوتَ ملائكتك وبشارةً منك لي، فاجعل لي آية، يقول: علامةً أن ذلك كذلك، ليزول عنِّي ما قد وسوس إليّ الشيطان فألقاه في قلبي، من أنّ ذلك صوتُ غير الملائكة، وبشارةٌ من عند غيرك».

     قال الشيخ ابن سعدي: «قوله -تعالى-: {رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً} أي: علامة على وجود الولد قال: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا} أي: ينحبس لسانك عن كلامهم من غير آفة ولا سوء، فلا تقدر إلا على الإشارة والرمز، وهذه آية عظيمة ألا تقدر على الكلام، وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها من غير أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره، فامتنع من الكلام ثلاثة أيام، وأمره الله أن يشكره ويكثر من ذكره بالعشي والإبكار».

من الأحكام الفقهية التي تستفاد من هذه الآية الكريمة حكم (الإشارة) وقيامها مقام الكلام:

المسألة الأولى: ما المراد بالإشارة؟

ورد في الآية الكريمة لفظ (الرمز) ومعناه كما قال الطبري: «وأما (الرّمز) فإنّ الأغلب من معانيه عند العرب: الإيماءُ بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجبين والعينين أحيانًا، وذلك غير كثير فيهم»، فالإشارة في الاصطلاح: تعني الحركة الصادرة عن الإنسان سواء باليد أم الرأس أم الشفة.

المسألة الثانية: هل تقوم (الإشارة) في البيان مقام اللسان؟

قال القرطبي: «في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة».

     قال الشيخ ابن عثيمين في فوائد الآية: «إن الإشارة تقوم مقام العبارة؛ لقوله -تعالى-: {أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا}، وهذه الفائدة مبنية على أن الإشارة تقوم مقام العبارة عند العجز عن التعبير، ووجه المأخذ: أن الاستثناء هنا منقطع، فلا يكون كلاما لكنه يقوم مقامه عند العجز، وكلا الأمرين حق؛ فالإشارة تقوم مقام العبارة في الإفهام ولا سيما عند العجز»، وقد ذكر الفقهاء من القواعد الفقهية قاعدة: (الإشارة المعهودة للأخرس كالبيان باللسان)ووضحها الزركشي في المنثور بقوله: «إشَارَةُ الْأَخْرَسِ كَعِبَارَةِ النَّاطِقِ فِي الْعُقُودِ وَالْحُلُولِ وَالدَّعَاوَى وَالْأَقَارِيرِ وَغَيْرِهَا، قَالَ: وَكَانَ السَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ فِيهَا بَيَانٌ، وَلَكِنَّ الشَّارِعَ تُعِيدُ النَّاطِقِينَ بِالْعِبَارَةِ فَإِذَا عَجَزَ الْأَخْرَسُ بِخَرَسِهِ عَنْ الْعِبَارَةِ أَقَامَتْ الشَّرِيعَةُ إشَارَتَهُ مَقَامَ عِبَارَتِهِ»، وذلك مراعاة لحاجته ودفع الضرر عنه؛ إذ لو لم تقبل إشارته لما صحت عباداته، ولا معاملاته؛ فيشق لك عليه, ويتضرر ضررا كبيرا, والشريعة قد جاءت بالتيسير ورفع الحرج.

إشارة الأخرس معتبرة

     وعلى هذا فتعتبر إشارة الأخرس في كل تصرفاته ومعاملاته من: نكاح وطلاق وبيع وشراء ورهن وهبة, وإبراء وإقرار ويمين, ونكول ووصية ودعوى ولعان وقذف وإسلام, وغير ذلك من الأحكام, ولكن في الحدود والعقوبات الخالصة لله -تعالى- لا تقبل إشارته؛ بناء على قاعدة (وجوب درء الحدود بالشبهات)؛ فالأخرس لا يُحدُّ ولا يُحد له، واختلفوا في القذف، والإشارة المعتبرة للأخرس هي الإشارات المعهودة المعتادة، فلو لم تكن إشارته معهودة معلومة عند القاضي؛ فعليه الاستفسار ممن يعرف معناها من أصحابه وأقربائه، والإشارة في التعاقد تعني إقامة الحركة مقام النطق في التعبير عن إرادة المتعاقدين، ولها أحوال:

الحالة الأولى: أن تصدر الإشارة من القادر على الكلام:

كأن يقول شخص لآخر: بعتك سيارتي بألف دينار, فيشير الآخر برأسه أو يده بما يدل على قبوله، فهنا اختلف الفقهاء:

- المذهب الأول: إِذَا كَانَ الشَّخْصُ قَادِرًا عَلَى النُّطْقِ لا تُعْتَبَرُ إِشَارَتُهُ. وهو مذهب الجُمْهُورُ, لأن الأصل في التعبيرعن الإرادة والرضا بالعقد يكون بالكلام، ولا يلجأ إلى غير الكلام إلا للضرورة، ولا ضرورة هنا لقدرة العاقد على النطق.

- المذهب الثاني: ينعقد العقد بالإشارة وَلَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى النُّطْقِ إلا النكاح. وهو مذهب المَالِكِيَّةِ؛ لأن المقصود هو التعبير عن الإرادة بما يدل عليها, وهو يحصل بالإشارة.

كما أن الله -تعالى- سمى الإشارة كلاما في قوله -تعالى-: {آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا}.

الحالة الثانية: أن تصدر الإشارة من غير القادر على النطق:

كالأخرس أو الناطق الذي عرض له الخرس, ولا يقدر على الكتابة.

اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ إِشَارَةَ الأَخْرَسِ الْمَعْهُودَةَ وَالْمَفْهُومَةَ مُعْتَبَرَةٌ شَرْعًا، فَيَنْعَقِدُ بِهَا جَمِيعُ الْعُقُودِ؛ لأنها الوسيلة الوحيدة للتعبير عن الإرادة وبها تتحقق مصالحه.

الحالة الثالثة: أن تصدر الإشارة من غير القادر على النطق لكنه يحسن الكتابة؛ فهنا اختلف الفقهاء:

- المذهب الأول: لا ينعقد عقده بالإشارة، وهو رواية عند الحنفية.

لأنه عند العجز عن النطق يصار إلى الكتابة؛ لأنه يعرفها كل من يقرأ بخلاف الإشارة فكانت دلالتها أقوى فتقدم عليها.

- المذهب الثاني: ينعقد عقده بإشارة المفهومة، وهو مذهب الجمهور.

لأنه عند العجز عن النطق ينتقل إلى ما يقوم مقامه من الإشارة أو الكتابة، وهما في ذلك سواء.

وقد دلت السنة على أن الإشارة تقوم مقام النطق باللسان ولو من القادر على الكلام.

ففي كتاب العلم من صحيح البخاري: باب (من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) وذكر بسنده عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل في حجته فقال: ذبحت قبل أن أرمي. فأومأ بيده قال ولا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح, فأومأ بيده ولا حرج.

     وفي كتاب الطلاق قال البخاري: (باب الإشارة في الطلاق والأمور) أي: الحكمية وغيرها, وقال ابن عمر: قال النبي -صلى الله عليه وسلم -: «لا يعذب الله بدمع العين, ولكن يعذب بهذا» فأشار إلى لسانه. وقال كعب بن مالك: «أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إليّ أي: خذ النصف». وقالت أسماء: «صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في الكسوف؛ فقلت لعائشة: ما شأن الناس وهي تصلي؟ فأومأت برأسها إلى الشمس فقلت: آية؟ فأومأت برأسها أن نعم». وقال أنس: «أومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده إلى أبي بكر أن يتقدم. وقال ابن عباس: «أومأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده لا حرج. وقال أبو قتادة: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصيد للمحرم: «آحد منكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ قالوا: لا. قال: «فكلوا».

     قال ابن حجر معلقا على هذه الترجمة الطويلة من البخاري: «قَالَ ابن بَطَّالٍ: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ إِذَا كَانَتْ مُفْهِمَةً تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ النُّطْقِ، وَخَالَفَهُ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَعْضِ ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي جَعَلَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْإِشَارَةَ قَائِمَةً مَقَامَ النُّطْقِ، وَإِذَا جَازَتِ الْإِشَارَةُ فِي أَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فِي الدِّيَانَةِ فَهِيَ لِمَنْ لَا يُمْكِنُهُ النُّطْقُ أَجَوْزُ.

وَقَالَ ابن الْمُنِيرِ أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنَّ الْإِشَارَةَ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَخْرَسِ وَغَيْرِهِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا الْأَصْلُ وَالْعدَد نَافِذ كَاللَّفْظِ».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة