أخبار سريعة
الإثنين 25 مايو 2020

مقالات » لماذا يبتلي الله المسلمين بالأمراض؟

للكاتب: محمود طراد

نسخة للطباعة

لماذا يبتلي الله المسلمين بالأمراض؟

 

عندما بدأ ظهور (فايروس كورونا) في الصين، تعالت أصوات بعض المسلمين يقولون: إنه انتقام الله -تعالى- لما تفعله الصين بالإيغور المسلمين، وبعد ذلك بأسابيع ظهر الفايروس في بلداننا العربية والإسلامية، فهل هناك مسوغ لظهور مثل هذا المرض في بلاد المسلمين؟ وهل هناك حكمة من الممكن أن تسوي في البلاء بين مسلم وغير مسلم؟ وهل كانت هناك اختبارات كهذه للمسلمين قبل ذلك في عصور هي أفضل إيماناً وأقوى يقيناً وأكبر صلاحاً؟ لعلنا نجيب عن هذه التساؤلات في الكلمات الآتية:

أولاً- لماذا ظهر الفايروس في البلاد الإسلامية؟

     لم يقل ديننا الحنيف: إن الدول الإسلامية بمأمن عن الابتلاءات والاختبارات؛ فالحياة بالنسبة للمسلم وغير المسلم محل اختبار، قال -تعالى-: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورًُ} (الملك:2) وقال -تعالى-: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد: 4)، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله -تعالى- وما عليه خطيئة». أخرجه الترمذي؛ فأنت تلاحظ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يؤكد أن البلاء قد يحدث للمؤمن بل ويتكرر معه أو يستمر طويلاً، يريد الله بذلك تطهيره، بل إن البلاء قد يقع لأفضل الناس وهم الأنبياء؛ فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم-: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». أخرجه الترمذي، ولو تتبعت تاريخ الأنبياء لوجدت منهم من اختبره الله اختباراً شديداً، لكنه لا يُعيق أداء رسالته، فهذا سيدنا يعقوب قد ابيضت عيناه من الحزن، وهذا سيدنا أيوب مسه الضر، وغيرهما من الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ فإن كان هؤلاء قد اختبرهم الله -تعالى-، فليس غيرهم ببعيد عن البلاء.

ثانياً- هل حدث للأمة وباء قبل هذا العصر؟

     لقد ابتلى الله الأمة قبل ذلك باختبارات، منها ما حدث أيام سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -؛ حيث ظهر (طاعون عمواس) في العام الثامن عشر من الهجرة، في بلدة صغيرة تسمى: عمواس، ثم انتشر بعد ذلك منها، والطاعون أشد فتكاً من كورونا بلا أدنى شك؛ فقد يحصد الطاعون ملايين الناس؛ مما حمل ذلك سيدنا عمر على أن يرجع من الطريق بعدما شاور المسلمين؛ فقرروا الرجوع، وقال قولته المشهورة: «نفر من قدر الله إلى قدر الله»، في الوقت الذي تسبب طاعون عمواس في وفاة أكثر من عشرين ألفاً من المسلمين يومئذ؛ فكان بلاء شديداً -عافانا الله وإياكم.

ثالثاً- الطاعون لا يدخل مكة أو المدينة

     مع تأكيدنا على أن الله -تعالى- يختبر المسلمين بالطواعين والأوبئة، إلا أن هناك ميزة لمكة والمدينة أنهما لا يدخلهما الطاعون، وقد ثبت ذلك في صحيح الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ حيث قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال». رواه البخاري ومسلم، وفي بعض طرقه: «المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على نقب كل منهما ملك، لا يدخلهما الدجال ولا الطاعون». لكن قد يدخلهما مرض آخر وبلاء مختلف؛ فقد روى البخاري عن أبي الأسود قال: «أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتاً ذريعاً». فهذا مما يؤكد على أن الاختبارات قد طالت أفضل العصور، وأتقى الناس وأكثرهم خشية وأقواهم إيماناً، لكن لا بد لذلك من حكمة، فما تلك الحكمة يا ترى؟ 

رابعاً- لماذا يبتلينا الله ونحن مسلمون؟

     من المعلوم أنه لا يستوي إيمان الناس، ولو تم ابتلاؤهم ببلاء واحد؛ فالصالح والطالح يموت ولدها، والتقي والفاسق يبتليان بالفقر، لكن البلاء تختلف حكمته من شخص لآخر، من ذلك: قد يكون البلاء بسبب ذنب حتى ينبه الله العباد، قال -تعالى-: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (الروم: 41)، وقد يكون الاختبار لتكفير الذنوب؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «ما يصيب المؤمنَ من وصبٍ ولا نَصَب ولا سَقَم ولا حزن حتى الهم يَهُمه، إلا كفّر الله به من سيئاته» رواه مسلم. وفي حديثٍ آخر: «لا يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة، في نفسه وولده وماله حتى يلقى اللهَ -تعالى- وما عليه خطيئة».

خامساً- اختبار ركني التوكل

     فارق كبير بين التوكل والتواكل؛ فالتواكل هو ترك الأخذ بالأسباب؛ ظنا من الإنسان أنه على اعتقاد صحيح وشرعة ومنهاج نبوي، بينما التواكل قد نهت عنه الشريعة؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم- للصحابي الذي سأله: أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل؟ قال: «اعقلها وتوكل». فالشريعة التي قالت: {وتوكل على الله} هي نفسها التي قالت: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: 195) و{ولا تقتلوا أنفسكم} (النساء: 29)، و«لا ضرر ولا ضرار» رواه ابن ماجة. و«لا يوردن ممرض على مصح» رواه البخاري؛ فمن أخذ بالأسباب مع التوكل على الله -تعالى-، وتعلق القلب به، فقد أدى التوكل بركنيه، وانتفع به في الدنيا والآخرة، وله أجر ما فعله بقلبه من التوكل، وما فعله بجوارحه من البحث عن العلاج وامتثاله لأمر النبي - صلى الله عليه وسلم- في قوله: «فتداوو».

سادساً- معنى حديث لا عدوى ولا طيرة.. هل الإسلام ينكر العدوى؟

      تلاحظ أيها القارئ الكريم في الفقرة السابقة حديث: «لا يوردن ممرض على مصح» وهو حديث صحيح، وتجد أيضاً حديثا صحيحا آخر يقول: «لا عدوى ولا طيرة»، وهو أيضا حديث صحيح، وهو مما يذكر مثله في علم مختلف الحديث، لكن ما يجب التأكيد عليه الآن هو أنه لا اختلاف بين مضمون الحديثين؛ إذ المقصود بحديث «لا يوردن ممرض على مصح» ألا يُخْتَلَطَ بمن أصيب بمرض معدٍ، حتى لا يحدث لمختلطه شيء من ذلك، وأما حديث «لا عدوى» فإن المقصود به ما كان يعتقده أهل الجاهلية من الأمراض أنها تعدي بطبعها لا بإذن الله؛ فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم- يصحح تلك العقائد بتأكيده على أن الأمراض لا تحدث ابتداء إلا إذا أراد الله لها ذلك، والمسلمون مأمورون بأخذ الحيطة والحذر، والبحث عن الأسباب النافعة وترك ما يؤدي بهم إلى الضرر؛ ولذا فإننا نجد النبي - صلى الله عليه وسلم- يمنع هذا الاختلاط في مثل قوله: «فرَّ من المجذوم فرارَك من الأسد».

سابعاً- اختبار التقاليد العامة

      لا شك أن في كل شر جزءا من الخير، قال -تعالى-: {وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم}. لقد جاء ذلك الوباء ليختبر تقاليدنا العامة في نظافتنا ووقايتنا، في التزاماتنا بأقل قواعد العافية، التي هي النظافة المستمرة لليدين، وعدم التوجه بالعطاس إلى أشخاص أو أشياء (كراسي أو مكاتب أو أبواب..)؛ فهو اختبار وتعليم، جاء ليقيس درجة الوعي عند المجتمعات، وهل النصائح التي يقدمها الوالد لأبنائه جديدة بسبب الظروف الاستثنائية أم هي النصائح المعتادة المنبثقة عن شعوره بالمسؤولية في تعليم أبنائه وتربيتهم والحفاظ عليهم؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته» متفق عليه. وقال أيضا: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت» رواه أحمد وأبو داود.

ثامناً- اختبار التكاتف

     من حكم وجود البلاء في بلاد المسلمين اختبار التكاتف والتعاون حتى تمر الأزمة، لتؤكد الظروف على: أن المؤمنين إخوة، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وأن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص، وأن المسلمين كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وأن المسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يسلمه، وأن الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، اللهم ارفع عنا البلاء وعن العالم.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة