أخبار سريعة
الثلاثاء 14 يوليو 2020

مقالات » حوار حول بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات (2 )

للكاتب: د. محمد السعيدي

نسخة للطباعة

حوار حول بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات (2 )

                                                                                                

ما زال الحديث موصولا عن بناء الشخصية السَّلفية في ظل المتغيرات، وقد ذكرنا أن الشخصية التي نعنيها هي الشخصية المسلمة الإسلام الحقيقي، والشخصية التي تؤمن بالإسلام الحقِّ الذي جاء به الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - وفهمه عنه السَّلف الصَّالح، ونقلوه إلينا غضًّا كما أنزل, كما قال - صلى الله عليه وسلم-: «بُعثت بالحنيفيَّة السمحة»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك»؛ فالشخصيَّة السلفيَّة هي الشخصية التي تؤمن بأن دين الرسول - صلى الله عليه وسلم - الذي جاء به واضحٌ ليس فيه خلاف بين ليله وبين نهاره؛ ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يزيغ عنها إلا هالك».

الذين يدَّعون العقل

هؤلاء الذين يدَّعون العقل كلهم يجيزون أن تتوسَّل بميت، فهل هذا داخل في العقل؟

     زِنها زِنَةً عقلية فقط: أن تذهب وتتوسل وتقول في دعائك: اللهم بجاه سيدنا محمد، اللهم بجاه الولي الفلاني؛ فهذا عقلاً يصح أو لا يصح؟ ثم إن هؤلاء يحتجون بقولهم: فهذا الذي يدعو الله وحده، ويقول: يا رب بجاه العيدروس أسألك أن ترزقني الذرية، يا رب بجاه سيدنا محمد أسألك أن تغفر لي ذنبي، هذه عقلاً كيف لا تصح؟ إذًا هو يدعو الله! هذه يجعلونها من تدليساتهم؟ كيف لا تصح عقلًا؟

يا أخي الكريم أنت حينما تدعو الله، فهل مع جاه الله -عزوجل- جاه آخر؟

     يعني محمد - صلى الله عليه وسلم - على عظمته أليس عبدًا نبيًّا قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله» أليس كذلك؟ فعقلًا تذهب إلى صاحب الجاه العظيم، صاحب النِّعم الذي خلق السموات والأرض وما بينهما وما فوقهما ممَّا نعلمه وممَّا لا نعلمه، ثم تترك هذا الجاه العظيم وتقول جاه محمد؟! أليس في هذا استنقاصٌ لله -عز وجل- وتعظيمٌ للمخلوق؟

قضية التوسُّل

     هذه القضية التي يقال: إنَّها أخف مسائلهم وهي قضية التوسُّل، وإذا أتيت إلى الاستغاثة فهي أعظم، وتأمل حين تأتي إلى المسافة بين الأرض وبين الشمس كم المسافة؟ لا أدري كم مليون، أشياء تُذهب العقل، تصيب الإنسان بالذهول، المسافة بيننا وبين الثريا لا أدري كم مليارات الكيلومترات، الثريا عبارة عن نقاط صغيرة بجانب بعضها، هذه النقاط يقول الفلكيون: إنَّها مجرات أخرى أنت تراها بهذا الحجم، والمسافة بين النجم والنجم لا أدري كم مليون كيلو متر، يعني هذا الخلق العظيم ما يمثل عندك جاهًا حتى تذهب تسأل بجاه محمد - صلى الله عليه وسلم ؟!

من المؤثرات العقلية

ومن المؤثرات العقلية: لو كان خيرًا لسبقنا إليه من يحبون محمدًا - صلى الله عليه وسلم- أشدَّ من محبتنا إياه، فنقول: إن الأحرى بقضية العقل هم السَّلفيون، وهؤلاء يدَّعون العقل، أعطيكم مثالًا: تعرفون مسألة التَّحسين والتقبيح العقليين أم لا تعرفونها والخلاف فيها بين الأشاعرة والمعتزلة وأهل السنة؟

صوفية الأشاعرة

     الأشاعرة الآن ومنهم صوفية الأشاعرة يقولون لك: هذا الإنسان عاجزٌ عقلُه عن التحسين وعن التقبيح، فلا يستطيع الإنسان معرفة الحَسَن ومعرفة القبيح؛ فالقبيح هو ما قبَّحه الشرع, والحَسن هو ما حسَّنه الشرع، إذًا كيف كانت قبل تقبيح الشرع، وقبل وجود الشرع؟ يقول لك: لايوجد حسن ولا قبيح، فالكذب -يقولون- إنَّما عُلم قبحه من الشرع، إذًا قبل الشرع؟ يقول: لا أدري هل الكذب قبيح أو ليس قبيحا!

فالزنى؟ قبل الشرع لا نعلم هل هو قبيح أم ليس بقبيح!

أليس هذا بتعطيلٍ للعقل؟ الذين يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين من هم؟

أهل السنة أتباع منهج السلف الذين يقال إن هؤلاء ليس عندهم عقل أو لا يقدِّرون العقل؛ يتبين لك العكس، هؤلاء الذين يُقال لا يقدرون العقل، هم الذين يقدرون العقل حقيقة.

إرذال العقل

     ما هو أسوأ في إرذال العقل من أن تقول: إنَّ العقل لا يستطيع أن يعرف ما هو الحسن وما هو القبيح؟ حينما يقال لك يا فلان: أنت والله لا تعرف الحَسَن ولا القبيح، هل هذه سبَّة؟ هل هذا مديح لعقلك أو ذم له؟ ذمٌّ لعقلك، بل هو ذمٌّ لذات الله -عز وجل-؛ لأن الله الذي يقول: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ } (البلد: 10، 11) يعني: الله هداك للخير والشر أصلًا، ركزها في طبعك، في قدراتك؛ فالمجتمعات غير المسلمة الوثنية كلها تُجمع على الأخلاق، على أنَّ الزنى قبيح، على أنَّ الكذب قبيح، وعلى أنَّ الصدق حسن، على أنَّ العفاف حسن، إذًا كيف اجتمعت هذه الملل؟

يقولون: لا، هذه الملل عندها أثرة قديمة من دين!

هؤلاء نسوا الدين

هؤلاء نسوا الدين، نسوا الله تمامًا فما بالك بالزنى، صاروا يعبدون البقر بدل رب العالمين، يعني أنهم نسوا هذه المسألة العظيمة وبقيت عندهم قضية أنَّ الزنى قبيح؟ لمَ لم تبقَ أنَّ الألوهية من الدين؟ لمَ لمْ تبقَ الأمور الأعظم؟

فهذا الرمي دائماً للسلفية بأنهم لا يحسنون استعمال العقل ممَّا يضعف يقينك وانتماءك وفخرك بالاعتزاز بهذا المنهج، لكن حينما تعرف خصائص الأمر الذي أنت عليه فعلاً تعتزُّ وترفع رأسك بهذا الأمر، وتتكلم بملئ فيك وتقول هذا الكلام.

السلفيون هم أولى الناس بالدَّليل

المقوم الثالث هو أن السلفية أو السلفيون هم أولى الناس بالدَّليل دائمًا، حينما تجد الدليل الذي هو النَّص في الكتاب والسنة تجد أنَّ السلفيين معهم الكتاب والسنَّة، معهم نصُّ الكتاب والسنة.

أليس معهم كتاب وسنة؟

- هؤلاء الآخرون أليس معهم كتاب وسنة؟

- نقول: معهم تأويلُ الكتاب والسنة، أما نصُّها فمع السلفيين، يعني حينما يقول السلفيون: لا تدعُ مع الله إلهًا آخر ولا تدعُ غيره، بماذا يستدلون؟ بقول الله -عز وجل-: { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا} [الجن: 18] هذا نصٌّ واضح أم ليس بواضح؟

تأويل خطأ للقرآن

     أما هؤلاء الذين يتوسلون بالقبور أو يستغيثون بالقبور فيأتون بآية: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} (النساء: 64) ويقولون لك: هذا يدل على أنه يجوز أن يذهبوا إلى الرسول. هذا نصُّ القرآن أم تأويل خطأ للقرآن؟ تأويلٌ خطأ للقرآن, تقره اللغة أو لا تقره اللغة؟ لا تقره اللغة, لماذا لا تقره اللغة؟ لأمرين:

فرق بين إذا وبين إذ

- الأمر الأول: أن الآية ليست ولو أنَّهم (إذا) ظلموا أنفسهم، وهناك فرق بين إذا وبين إذ؛ لأن إذ هي للحال وإذا هي للاستمرار فحينما قال (إذ ظلموا أنفسهم) دلَّت على أن الآية نازلة في واقعة لا تتجاوزها، (فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول) وهو حي؛ لأن الكلام يتكلم عن واقعة، هذا الأمر.

أسعد الناس بالدليل

- الأمر الثاني: في هذه الآية: قال الله -سبحانه وتعالى-: (جاؤوك) هي للحاضر، ولم يقل جاؤوا قبرك، فيأتون هم ويستخرجون ويقولون لك: لا، الرسول حي وهو في قبره، ويبدؤون في العبث في التأويل، فنقول: أسعد الناس بالدليل هم السلفيون في كل شيء, في التوحيد، في الأعمال، في التنسك.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة