أخبار سريعة
الثلاثاء 14 يوليو 2020

مقالات » وضوح الرؤية لدى الدعاة (2)

للكاتب: اللجنة العلمية في الفرقان

نسخة للطباعة

وضوح الرؤية لدى الدعاة (2)

 

ما زال الحديث موصولاً عن وضوح الرؤية لدى الدعاة؛ حيث ذكرنا في العدد الماضي أن أول شروط الداعي وضوح الرؤية لديه؛ بحيث يعرف من أين يبدأ؟ وإلى أين يريد أن ينتهي؟ وما حدود المجال الذي سيعمل فيه؟ وقيمة كل دعوة في الهدف الذي يسعى الداعي إلى تحقيقه من وراء دعوته، ويرمي إلى تحصيله من خلال بلاغه، وكلما كانت الرؤية واضحة والهدف محددًا كان السير صحيحًا، والعمل متزنًا، والثمرة يانعة، وغاية الدعوة رضا الله -تعالى-، وتحقيق عبودية الله في أرضه، وعمارة الكون عن طريق البلاغ.

الداعية بغير بصيرة

     أكد العلماء أن الداعية بغير بصيرة آثم عند الله لمخالفته أمر الله؛ ولأن فاقد البصيرة (العلم والفهم) لا يُضل نفسه فحسب؛ بل يضل معها غيرها ممن يدعوهم، قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ} (الحج:3)، فلربما جعل الأمر نهيًا، والنهي أمرًا، والمعروف منكرًا، والمنكر معروفًا، والسنة بدعة، والبدعة سنة.

أمر غير مشروع

     ولربما دعا إلى أمر غير مشروع، باسم الدين، كمن يعلم الناس الضلال والابتداع باسم الدين, كالخوارج والمعتزلة، وغلاة الصوفية والفرق الباطنية؛ ولهذا حذر الله من أمثال هؤلاء فقال -سبحانه-: {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ} (الأنعام:119)، وقد عدَّ الله كل قول بغير علم افتراء، فكيف إذا كان في الدين والدعوة إليه! قال -تعالى-: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} (الإسراء:36).

أقوال وأفعال كفرية

     وقال -سبحانه- بعد أن عدد بعض أقوال الكافرين وأفعالهم الكفرية: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُواْ أَوْلاَدَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ قَدْ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} (الأنعام:140)، ولذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من سمع مقالته أن يعيها حتى يبلغها، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «نضَّر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلغه كما سمع، فرب مبلَّغ أوعى من سامع»، ولأهمية هذا عقد الإمام البخاري بابًا في صحيحه: (باب العلم قبل القول والعمل)؛ فإن العلم يسدد القول، ويصوب العمل.

العلم بالمعروف والمنكر

وقال ابن حيان الأندلسي: «لأن الدعاء إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر لا يصلح إلا لمن علم المعروف والمنكر، وكيف يرتب الأمر في إقامته، وكيف يباشر، فإن الجاهل ربما أمر بمنكر، ونهى عن معروف...، وقد يغلظ في مواضع اللين، وبالعكس».

ترك العلم والابتعاد عنه

     وقال الحسن محذرًا من ترك العلم والابتعاد عنه: «العامل على غير علم كالسالك على غير طريق، والعامل على غير علم يفسد أكثر مما يصلح، فاطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم، فإن قومًا طلبوا العبادة وتركوا العلم حتى خرجوا بأسيافهم على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم-، ولو طلبوا العلم لم يدلهم على ما فعلوا».

القول على الله -تعالى- بغير علم

     ومن هنا كان القول على الله -تعالى- وعلى رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أخطر الذنوب والمحرمات؛ لما فيه من الضلال والإضلال، قال ابن القيم: «وأما القول على الله بلا علم فهو أشد هذه المحرمات وأعظمها إثمًا...، وهو أصل الشرك، وعليه أسست البدع والضلالات، فكل بدعة مضلة في الدين أساسها القول على الله بلا علم...، وأصل الشرك والكفر هو القول على الله بلا علم».

معرفة الحكم الشرعي

وعليه فيجب على الدعاة إلى الله -تعالى- أن يتعرفوا الحكم الشرعي في المسألة التي يرغبون الدعوة إليها، وأن يتعرفوا على أقوال العلماء حولها، إن تعددت أقوالهم واختلفت مذاهبهم فيها، كما أن عليهم أن يعلموا رتبتها من الدين، وأن يتعرفوا مقاصد الإسلام في تشريعاته وأحكامه.

والخلاصة: أن يبني هدفه على علم وبصيرة، وفهم وإدراك، ووضوح رؤية، لا أن يستخدم الهوى، والعقل المجرد، والتقليد للآخرين؛ فمفهوم البصيرة شامل لذلك كله.

أثر وضوح الرؤية على نجاح الدعوة

لا شك أن من أهم عناصر نجاح الدعوة والداعية تحديد الهدف ووضوح الرؤية، ولذلك آثار إيجابية، منها:

1- تحقق الاقتداء بإمام الدعاة -عليه الصلاة والسلام-، فلم تكن حركته الدعوية عشوائية أو بغير هدف واضح؛ فالداعية الذي يصوغ هدفه بوضوح يتحقق له الاقتداء.

2- معرفة ما يريد الداعية الوصول إليه، فيكون ذلك دافعًا قويًا وحافزًا عظيمًا لمواصلة المسير.

3- يدرك الداعية بهذه الرؤية طول الطريق وقصره، وماذا يريد من الوسائل؟ وما الأساليب التي يريد استخدامها؟

4- يستطيع الداعية القياس لمدى صحة مسيره، والتقويم الصحيح لسلامة خطواته.

5- عظم الأجر والمثوبة؛ فالأجر يعظم بعظم العمل، والعمل يعظم بعظم الهدف الذي يريد الداعية تحقيقه.

الآثار السلبية لغياب الرؤية

إن واحدة من تلك الآثار لغياب الرؤية أو عدم وضوحها كافية لأن يسارع الداعية لصياغة هدفه والعمل له، فكيف وهو أساس العمل الدعوي؟!

1- التخبط في الأعمال الدعوية، وعدم الثبات على هذه الدعوة، فهذا الداعية لا يدرك إلى أين هو ذاهب؟

2- طول الطريق وعدم سلامته.

3- كثرة العقبات المؤدية إلى التساقط أو ضعف المسير.

4- الملل والفتور؛ إذ لا يدري هذا الداعية ماذا يريد أن يحقق؟

5- قد يفسد أكثر مما يصلح، كما قال عمر بن عبد العزيز: «من عمل في غير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح».

خلاصة ما سبق

1- من المهم جدًا للداعية أن يكون لديه رؤية يسعى من خلالها، ويريد أن يصل بها، وأن تكون واضحة لديه.

2- ومن المهم أن يدرك أن الهدف الأعلى والأكبر، لكل داعية ودعوة، هو السعي لإخراج العباد من عبادة الهوى والدنيا إلى عبادة الله وحده، ومن ثم الوصول إلى رضا الله -سبحانه وتعالى-، وما أعده -سبحانه- لعباده الداعين إليه.

3- ومن المهم تحديد الأهداف القريبة التي يريد تحقيقها وتوصل إلى الهدف الأكبر، مثل: نشر العلم الشرعي بين الناس، وتعميق العقيدة في نفوس الناس، ونشر الخير والمعروف والفضائل، وإنكار المنكرات الظاهرة، وتربية الناس على الأخلاق، ونشر المفاهيم الصحيحة المنبثقة من الكتاب والسنة، وتوعية الناس بالواجبات الشرعية، وتربية الأسرة على الدين، وتحفيظ القرآن الكريم للناشئة، ونشر السنة النبوية، وغيرها من الأهداف التي يعمل الداعية لتحقيقها.

4- قد ينبثق من الهدف المحدد أهداف أخرى أقل، وعلى الداعية ألا يستكبر هدفًا، وألا يستصغر آخر، فكلٌّ يحدد أهدافه في ضوء إمكاناته وقدراته، وفي ضوء الحاجة إليها.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة