أخبار سريعة
الثلاثاء 14 يوليو 2020

مقالات » الخطاب الديني بين عفوية المصطلح وحتمية التجديد

للكاتب: الشيخ: محمد محمود محمد

نسخة للطباعة

الخطاب الديني  بين عفوية المصطلح وحتمية التجديد

 

 

 

الدعوة في الغرب رغم التظاهر بحريتها محفوفة بالأشواك؛ لذلك نحتاج فقط إلى حكمة في العرض ولغة جيدة للتواصل

 

 

يجب العمل على رعاية المواهب الدعوية الشابة التي لديها القدرة على الجذب والتأثير

 

 

نحن بحاجة ملحة بل شديدة الإلحاح لتجديد الخطاب الديني الدعوي على وجه الحصر والتخصيص

 

 

ذكرنا في المقال السابق أن الأمة لن تقوم من مرقدها إلا بقيام الشباب؛ لأن الشباب هم صناع الحياة، وهم عنوان النماء وسبيل البناء، ومشروع للحضارة، وقد رأينا كيف أن فتية أصحاب الكهف كانوا مجموعة من الشباب فى مجتمع فاسد مشرك؛ فاسيقظوا وقاموا قومة أهل اليقظة؛ فثبتوا على الإيمان، ورفضوا الواقع الذى يعيشون فيه، وهذا ما نحتاجه من شباب اليوم، نحتاج اليقظة، وهى انزعاج القلب من ورطة الغفلة لروعة الانتباه؛ لأن يقظة القلب هى نقطة البدء وبداية الانطلاق قال -تعالى-: {وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا}؛ إذ قاموا فقالوا، هذه القومة هى اليقظة؛ لذا نقول: إن الشباب باستطاعتهم أن يغيروا مجرى التاريخ لو قاموا واستيقظوا، ومن النماذج الفريدة فى الجيل الفريد، عمير بن أبى وقاص رضي الله عنه .

     يتعين عند الحديث عن الخطاب الديني أن نحدد المقصود به أولاً؛ لأن عفوية الإطلاق قد تحمل في طياتها ما لا يمكن تحمله ولا يجوز؛ فما جاء به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في القرآن والسنة خطاب ديني، والأحكام الشرعية والعقائد خطاب ديني، وقديما علَّمَنَا أساتذتنا في كلية الشريعة أن الحكم الشرعي خطاب الله المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع، فالاقتضاء هو الطلب، وهو إما طلب الفعل أو طلب الترك، والتخيير يعني الإباحة، والوضع يعني الشرط أو السبب، كالوضوء شرط للصلاة وموت المورث سبب في الميراث.

     وليس شرح تعريف الحكم الشرعي موضوعنا، إنما الشاهد أن كل ما اشتمل عليه ديننا من أحكام دينية هو خطاب الله -تعالى-، فلذلك لا يمكن تفسير الخطابِ الديني الذي يراد تجديده بأنه أحكام الشريعة؛ لأنها ليست محلاً لذلك، بحكم أنها أولاً: (خطاب الله)، وثانياً: لأنها بطبيعتها في كثير من الأحكام (مرنة) تقبل تعدد الفهوم وتتسع بسماحتها للمختلفين، ولعل الذين يدندنون على هذا الوتر لا يقصدون ذلك أصلاً إنما يقصدون ترتيب أولويات العمل الديني على أرض الواقع، فيطلقون عليه تجديداً وهو ليس سوى ترتيب للأوليات، ولكن هذا أيضاً ليس مما تركه (خطاب الله) هملاً دون تحديد وتعيين، فقد روى الإمام عبد الرزاق في: (مصنفه) بسنده إلى عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (كل شيء في القرآن (أو، أو)؛ فهو مخيِّر، وكل شيء (فإن لم تجدوا) فهو الأول فالأول»، فالأمر إذاً محسوم ومعلوم، جهله من جهله وعلمه من طلب العلم به من الدين.

الإسلام دين عظيم

     الذين تعلموا القرآن والسنة ودرسوهما دراسة واعية متأنية يعلمون يقيناً أن منهج الله -تعالى- الذي ارتضاه للبشرية، هو رسالة الإسلام، آخر رسالة من الله إلى الإنسان؛ ولذلك اشتمل القرآن والسنة على العديد من الحقائق العلمية، والدينية، والإنسانية، التي تكفل بقاء الدين كيوم نزول جبريل -عليه السلام- به، وإلى قيام الساعة؛ ولذلك لا عجب أن نجد القرآن الكريم وكذلك السنة المطهرة قد سبقا العلوم الحديثة في تقرير كثير من الحقائق على المستويات كلها، في أبواب العلم الديني والدنيوي، وذلك حتى تدرك البشرية أن الذي خلق هذا الكون وما فيه ومن فيه هو نفسه -سبحانه وتعالى- الذي أوحى بذلك الدين لنبيه محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، ثم إن الدهشة والتعجب الشديدين يعترياني حين أشاهد الأفلام التسجيلية التي تصور الحياة البرية والبحرية في الغابات وتحت الماء وفي القطبين، ثم أعلم أن الذين قاموا بتصويرها وتكبدوا العناء وأنفقوا الأموال لأجل تصوير هذه العجائب والبدائع، معظمهم ملحدون!، ثم أسأل نفسي لو تسنى لهؤلاء أن يقرؤوا القرآن بتفسير صحيح كما أُنزل، وكذلك السنة المطهرة -على صاحبها الصلاة والسلام-، هل سيبقى أحد منهم على إلحاده؟.

ركود الدعوة سبب في خلط المفاهيم

     إننا بوصفنا دعاة ووعاظا وكُتَّابا مسلمين ندور في حلقة مفرغة، حين تقف همتنا في نشر الإسلام على ما ننتجه باللغة العربية ليُتداول بين المسلمين الذين هم في الغالب قد أصيبوا بحالة من الملل من التقليدية في العرض والأسلوب والشكل والمضمون؛ فنحن بما نقدمه لهم في وادٍ وأكثر الناطقين بالضاد في واد آخر، قلما يصل إلى قناعاتهم داعية بدعوته، أو كاتب بكتابه، رغم الجهد الجهيد الذي يبذله الباذلون من هؤلاء وأولئك، لكن الحقيقة أننا لا نقدم لهم شيئاً، أو بالأحرى نقدم لهم ما لا يُقبِلون عليه، رغم أهميته، وضروريته، لكنْ هناك عزوف بدا واضحاً بشدة أثناء أزمة كورونا.

الذي يربط المسلمين بالدعوة

      لقد بدا بما لا مجال للشك فيه أن الذي يربط معظم المسلمين بالدعوة إنما هو ما افترضه الله عليهم من سماعٍ لخطبة الجمعة، وما قد ينمو إلى مسامعهم عَرَضاً من دروس المسجد، ولقد كان لبعض الدعاة تأثير في أعوام خالية، من خلال منافذ الإعلام التقليدية، لقد كانوا يمتلكون موهبة الجذب، وإن كانت بضاعة الكثيرين منهم خفيفة الوزن، لكنها كانت ذات تأثير، سلبي كان أو إيجابي، ليس هذا محل البحث عن ذلك، إنما القصد أن الشاشة الفضية في وقت من الأوقات كانت تستقطب الموهوبين في الدعوة، فأحدثوا عند الناس ارتباطاً لا بأس به بالدين، لكنه الآن أدراج الرياح، لا وزن ولا موزن، ومن بعدهم كان المسجد هو الرابط الوحيد بين الدعوة والمدعوين، فلما حدثت الجائحة، ومكث الناس في البيوت مُرْغمين، ظهر بعض الدعاة على وسائل التواصل، ليفعلوا ما كانوا يفعلونه في مساجدهم من قبل، ويقولون ما كانوا يقولونه، لكن لمن؟ لأنفسهم وزملائهم وقليلين جداً من العابرين.

الخطاب المطلوب تجديده

     إذاَ نحن بحاجة ملحة بل شديدة الإلحاح لتجديد الخطاب الديني الدعوي على وجه الحصر والتخصيص؛ فلقد أصبح ذلك التجديد في ظل المتغيرات القائمة، حتمية لا تمليها الظروف السياسية ولا الدولية ولكن ضرورات بقاء الدين نفسه، إننا بحاجة إلى أمرين اثنين حتى تعود للدعوة إلى الله عافيتها، ويسترد الناس بها عافيتهم، وتعود الروح إلى الدين، فأما الأمر الأول: فهو التشخيص السديد للوضع الدعوي الراهن وأسبابه.

     والأمر الثاني: العمل على رعاية المواهب الدعوية الشابة ليس النابغين في قوة الحفظ ولا طلاقة اللسان أو روعة البيان، وإنما المواهب التي لديها القدرة على الجذب والتأثير، (إنها مَلَكَةٌ لا تُعلَّم)، إنما هي القبول الذي يَقسِم الله لعباده منه في قلوب الآخرين، كما يَقسِمُ لهم في أرزاقهم. فلا يهمنا في الحقيقة أن يكون الداعية غزير العلم، مُلِمَّاً بكل شيء في الدين، يكفينا منه ألا يُخطئ في آية ولا حديث ولا حكم شرعي، ثم له منا كل التأييد والتقدير.

الخطاب الدعوي ووسائل التواصل

     ليس من الضروري أن يكون لكل الناس منابرُ على وسائل التواصل، ينشرون من خلالها الأدعية والفتاوى، وليس من الضروري أن يكون لكل الدعاة حضور على الشاشات، لقد صار الجميع وعَّاظاً لغيرهم ينشرون الآيات والأحاديث، والسلوك في الواقع هو السلوك والقلوب هي القلوب، لا تغيير، الدعوة هي إيصال دين الله للآخرين، بي أو بسواي؛ فمن يملك القبول فهو الجدير وحده بالكلام؛ فمن المهم أن نقف إلى جواره، ندعمه، ولا نحاربه، ونُعَلِّمُه، ولا نسخر منه، ونشجعه وندعو له بالتوفيق، وإذا كان بعض الأشخاص قد يحتال لادعاء الجاذبية والتأثير بوسائل شتى، فإن لدى المؤسسات التي يعنيها أمر الإسلام -إذا أرادت أن يكون لها دور ولابد- لديها وسائل هي أيضا تستطيع أن تميز بها بين الحقيقة والخداع والواقع والمجاملة, ثم ليبق بعد ذلك العلماء على ثغورهم وفي مواقعهم حماة ورعاة لحِمَى الدين، يُعَلِّمُون ويُفَهِّمُون من يريد العلم والفهم بتوسع وإحكام.

الدعوة في الخارج تحتاج إلى تجديد

     لقد نما إلى علم الكثيرين في دول الغرب كم كان الإسلام سابقاً لحضارتهم في تقريره لإجراءات العزل الوقائي، عند حصول وباء ما، وأشاد كثيرون بأخلاق المسلمين معهم في الأزمة، وعرف القاصي والداني أن تعاليم النظافة الشخصية في الإسلام سابقة لحضارتهم الزائفة بمئات الأعوام، بقي شيء واحد وهو أن نأخذ بأيدي هؤلاء العالقين بين الحق والباطل، إلى طريق الأمان؛ فالدعوة في الغرب رغم التظاهر بحريتها محفوفة بالأشواك؛ لذلك نحتاج فقط إلى حكمة وكتاب، حكمة في العرض، وكتيب بلُغَاتِهم يفتح منافذ القلوب المغلقة على الإسلام، ليس على الطريقة السابقة الجامدة التي يُقدَّم فيها الدين لهم على أنه مادة دراسية لا دعوة وحياة، هي فرصة عظيمة جداً، إذا استثمرت بإخلاص وعزيمة ستنتج من الخير بإذن الله ما لا يقع في الحسبان.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة