أخبار سريعة
الأربعاء 12 اغسطس 2020

مقالات » لا يعلم الغيب إلا الله

للكاتب: د.عادل المطيرات

نسخة للطباعة

لا يعلم الغيب إلا الله

 


من أمور الاعتقاد الواجبة على كل مسلم، الاعتقاد بأن الله -سبحانه- هو الخالق المدبر المتصرف في شؤون خلقه، وأنه لا يكون شيء في هذا الكون إلا بمشيئة الله وإرادته وتقديره، ومن الأمور التي اختص الله بها لنفسه دون أحد سواه: علم الغيب ؛ فهو -سبحانه- عالم الغيب، لا يعلم أحد الغيب إلا هو، أو من أراد أن يطلعه على شيء من الغيب من عباده، من الأنبياء والرسل.

     يقول -سبحانه-: {وعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ} (الأنعام:59)، ويقول -سبحانه-: {قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} (النمل: 65)، ويقول سبحانه: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا. إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا} (الجن:26- 27)، يقول القرطبي في تفسيره: «فالله -تعالى- عنده علم الغيب، وبيده الطرق الموصلة إليه، لا يملكها إلا هو، فمن شاء إطلاعه عليها أطلعه، ومن شاء حجبه عنها حجبه، ولا يكون ذلك من إفاضته إلا على رسله» تفسير القرطبي.

تحديد يوم القيامة

     ومما انتشر في هذه الأيام -عبر وسائل الإعلام العالمية- تحديد يوم القيامة بتاريخ، وهذا كذب وباطل، ويتكرر في كل عام ؛ لأنه من علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، حتى النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعلم متى الساعة، يقول -سبحانه-: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} (الأعراف:187)، وفي صحيح مسلم عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم  - يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ: «تَسْأَلُونِى عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ».

     وبين -عليه الصلاة والسلام- أنه لو كان يعلم الغيب لزاد في فعل الغير ولم يمسه سوء، يقول -سبحانه-: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأعراف: 188).

حال النبي - صلى الله عليه وسلم 

     يقول ابن كثير: «فهذا النبي الأمي سيد الرسل وخاتمهم محمد -صلوات الله عليه وسلامه-، نبي الرحمة، ونبي التوبة، ونبي الملحمة، والعاقب والمُقَفَّي، والحاشر الذي تحشر الناس على قدميه، مع قوله فيما ثبت عنه في الصحيح من حديث أنس وسهل بن سعد، -رضي الله عنهما-: «بعثت أنا والساعة كهاتين» وقرن بين إصبعيه السبابة والتي تليها، ومع هذا كله، قد أمره الله -تعالى- أن يَرُد علم وقت الساعة إليه إذا سئل عنها، فقال: {قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ}. تفسير ابن كثير (3/523).

قرب قيام الساعة

     أما النصوصُ التي جاءت بقرب قيام الساعة كقوله -تعالى-: {اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ} (القمر:1)، وأنها كلمح البصر كقوله -تعالى-: {وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ} (النحل:77): فالمقصودُ منها أن الساعةَ حقٌ، وستأتي قريبا، وكلُ ما هو آت قريب، وإذا مات الإنسانُ قامت قيامتُه، أما وقتُ الساعة الفعلي فلا يعلمه إلا الخالقُ -سبحانه.

والله بالغيب والتقدير منفردٌ

                                        وما سوى حكمِه غيٌّ وتضليل

ادعاء بعض العلماء

     وقد ادعى بعضُ العلماء أن قيامَ الساعة يكونُ في يوم محدد، فقد ذكر الطبري أن فناءَ الدنيا يكون بعد خمسمائة عام من البعثة، وذكر السهيلي أن الساعةَ تقوم بعد بضع مئات من السنين ؛ إذ جمعَ الحروفَ المقطعةَ في أوائل السور، وحذف المكررَ منها، وأخذ عددها بحساب الجمل، وذكر السيوطي بأن مدةَ الدنيا سبعةُ آلاف سنة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الألف السابعة، واستدل لذلك بحديث ضعيف، وهو: «الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنا في آخرها ألفا». لكنه حديثٌ باطل، لا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم  .

بطلان تحديد اليوم

     كل ما سبق يؤكد بطلان القولِ بتحديد اليوم الذي تقوم فيه القيامة، فهو قولٌ مصادم لصريح القرآن العظيم، وصحيحِ السنة ؛ فإن مدةَ الدنيا مما استأثر اللهُ بعلمه، فلا يعلمها إلا الله -سبحانه-، فهو عالمُ الغيب والشهادة، ولا يعلمُ الغيبَ إلا هو، ولا يمكن أن تقومَ الساعةُ قبل حصول أشراطها الكبرى: خروجُ المهدي، والمسيح الدجال، ونزول عيسى ابن مريم، وخروج الدابة، ويأجوج ومأجوج، ثم طلوع الشمس من مغربها.

حكمة ظاهرة

     وقد أخفى اللهُ -تعالى- عن عباده وقتَ قيام الساعة، وأخبر أنها تأتي فجأةً لحكمة ظاهرة ؛ وذلك ليجعل الإنسانَ مترقبا باستمرار، مستعدا لها، فإخفاءُ يومِ القيامة له تعلقٌ بصلاح النفس وتزكيتِها، فإذا علم الإنسانُ أن القيامةَ تأتي بغتة، وأن الموتَ يأتي بغتة: شمر عن ساعد الجد في الاستعداد لها، والحديث عن اليوم الذي تقوم فيه الساعةُ جدل عقيم، وحديث لا فائدةَ من ورائه، فإن الساعةَ آتيةٌ لا محالة، وكلُ من مات فقد قامت قيامتُه.

ماذا أعددتَ لهذا اليوم؟

     والسؤالُ الذي ينبغي الاهتمامُ به هو: ماذا أعددتَ لهذا اليوم؟ ولذلك جاء في الصحيحين عن أنس - رضي الله عنه - أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متى الساعة؟ قال: «وما أعددت لها؟»، قال: لا شيء إلا أني أحب الله ورسوله، قال: «أنت مع من أحببت».

فانظر كيف أجاب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن سؤال الرجل: متى الساعة لم يقل: هي في اليوم الفلاني؛ لأن هذا الجوابَ عديمُ الفائدة، إنما أجابه -عليه الصلاة والسلام- بما هو مفيد: وما أعددت لها؟

هذا السؤالُ الذي ينبغي أن نكرره دائما: ماذا أعددنا للآخرة؟ ماذا أعددنا ليوم القيامة؟ ماذا أعددنا للقاء ملك الملوك -سبحانه؟

هل هيئتَ نفسَك لذلك اليوم العظيم؟

     أخي الكريم، هل هيئتَ نفسَك لذلك اليوم العظيم؟ في ذلك اليوم يفر المرءُ من أخيه، وأمه وأبيه وصاحبتِه وبنيه، لكل امريء منهم يومئذ شأن يغنيه، في ذلك اليوم العظيم تندك الأرضُ وتسيرُ الجبالُ، وفي ذلك اليوم العظيم تشتدُّ الأمورُ وتعظمُ الأهوال، وفي ذلك اليوم العظيم ينزل للقضاء بين عباده الحكمُ العدلُ الكبيرُ المتعال، وفي ذلك اليوم العظيم نُحشر جميعا حافيةً أقدامُنا، عاريةً أجسامُنا، شاخصةً أبصارُنا، واجفةً قلوبُنا.

هلا وقفت مع نفسِك وقفةَ صدق ومحاسبة؟ هل تفكرتَ يوما في قول ربك -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:102)؟

     هل تفكرتَ يوما في قول ملك الملوك: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ. وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ)} (الحشر:18-20)؟

تذكر يا عبد الله، ما يكون بعد الموت من أهوال وأحوال، وراجع نفسَك وحاسبها، وجاهدها، ولا تهملها أبدا، قبل أن تفوت الفرصةُ، فلا ينفع الندم.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة