أخبار سريعة
الأربعاء 12 اغسطس 2020

مقالات » البصيرة في الدين حقيقتها ومراتبها ومنزلتها

للكاتب: الشيخ: خالد السبت

نسخة للطباعة

البصيرة في الدين حقيقتها ومراتبها ومنزلتها


لا شك أن الحاجة للحديث عن البصيرة في الدين -في مثل هذه الأيام- ماسة وشديدة، ولا يخفى ذلك على أحدٍ منا، لكثرة ما نرى، ونشاهد من الفتن، والأمور التي تزلزل الناس، وتأفكهم، وكم رأينا من أناسٍ كانوا على الجادة، ثم بعد ذلك زلت أقدامٌ بعد ثبوتها! وكم رأينا من أقوامٍ يتقلبون في ألوان الشبهات، والشهوات، ولا يعرفون كيف الخروج من ذلك؟! فنحن بحاجةٍ إلى مدارسة هذه القضايا حينًا بعد حين، وأن نتذاكر، ونتواصى، ونتناصح، وألا نمل، ولا نفتر من طرح هذه الموضوعات.

أولاً: حقيقة البصيرة

     أما حقيقتها فإنها ما يكون به اتضاح الحق، وإدراك الأمور على حقائقها؛ فهي اسمٌ للإدراك التام الحاصل في القلب، وأصل ذلك من الظهور، والبيان، والله - تبارك وتعالى - وصف القرآن بأنه بصائر، (أي: أدلةٌ، وهدى، وبيان) يقود إلى الحق، ويهدي إلى الرشد، وهذه البصائر للقلب بمنزلة البصر للعين، يبصر بها المعلومات، والحقائق كما هي، فهي عين القلب، كما أن البصر عين البدن.

منزلة البصيرة في الدين

وأمّا منزلتها في الدين فإن كمال الإنسان يرجع إلى أصلين اثنين:

الأول: هو معرفة الحق الذي جاء به الرسول - صلى الله عليه وسلم

والثاني: هو العمل بهذا الحق، والناس إنما ينسفِلون، ويهبطون إما بسبب جهلهم بالحق، وإما بسبب ترك العمل به؛ وبهذا تتفاوت مراتبهم، ودرجاتهم في الدنيا، والآخرة، فأحياناً يكون الحق منبهماً على الإنسان، ملتبساً، وكم من واحدٍ لربما يبحث، ويراجع، ويطالع، ثم يخرج على الناس بعد ذلك بنتائج مقلوبة! والعبد بحاجة دائمًا إلى أن يسأل ربه أن يلهمه رشده، وأن يسدده في قوله، وعمله، ورأيه، وحكمه.

العمل بالحق

     وكثير من الناس قد يعرف الحق، ولكنه لا يعمل بمقتضى هذه المعرفة، وذلك العلم، وهذا كثير، والله - تبارك، وتعالى - يقول: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} (ص: 45)، فأثنى الله - تبارك وتعالى - عليهم، فالأيدي: بمعنى القوة في تنفيذ الحق، والعمل به، والأبصار: هي البصائر في الدين، فجمع الله -تعالى- لهم هذا وذاك، معرفة الحق على ما هو به، وكذلك القوة في تنفيذه، والقيام به ظاهراً، وباطناً، فهذا هو الكمال الحقيقي لمن أراد أن يحصّل الكمالات، وقد جاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنهم أولي القوة، والعبادة، وجاء عن قتادة، ومجاهد: أُعطوا قوةً في العبادة، وبصرًا في الدين، فأعلم الناس هو أبصرهم بالحق إذا اختلف الناس فيه، وإن كان مقصراً في العمل.

البصيرة كاشفة

وقد جاء عن أحد السلف - رحمهم الله تعالى وقد ذكر الأولين من سلف هذه الأمة-؛ فقال: إنما كانوا يعملون على البصائر، وما أُوتي أحدٌ أفضل من بصيرةٍ في دين الله، ولو قصر في العمل.

- فالبصيرة: هي الأمر الكاشف الذي يعرف الإنسان به ربه - تبارك وتعالى- معرفةً صحيحة، ويعرف به الطريق الموصل إليه، وهو ما شرعه على ألسُن رسلهِ - عليهم الصلاة والسلام - وبه يعرف الدار التي يصير الناس إليها، هذه حقيقتها، وهذا ما يكون عليه مدارها.

أنواع البصيرة

أما أنواعها فيمكن أن نجمل ذلك بأنها على نوعين اثنين: الأول: ما كان، وهبيًّا، والثاني: ما كان كسبيًّا.

أما الوهبي فما يكون بتوفيق الله -تعالى- للعبد، فيفتح الله قلبه للحق، ويبصره به، فيكون مستقيماً، مهتدياً، ويكون هذا الإنسان على جادة، وهدى، وصراطٍ مستقيم.

- والنوع الآخر: وهو ما كان من النوع الكسبي، وذلك يحصل بالمجاهدات، والصبر على تطلب العلم الصحيح من مظانه، وكثرة النظر في مصدر الهداية، وهو هذا القرآن، وما يشرحه من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كان عليه السلف الصالح -رضوان الله عليهم- في الفهم، والعلم، والاستنباط، والنظر في دلائل الكتاب، والسنة.

درجات البصيرة

وأما درجاتها: فقد ذكر بعض أهل العلم كالحافظ ابن القيم - رحمه الله - أنها على ثلاث درجات:

المرتبة الأولى

     ما يتصل بالله - تبارك، وتعالى - أن يعرف العبد ربه معرفةً صحيحة بأسمائه، وصفاته، فإذا عرف المعبود خافه، ورجاه، وعبده، وعظمه، بينما يجعل بعض العباد مراقبة العباد لهم أعظم من مراقبة الله - تبارك وتعالى- لهم، أو يخافون منهم أعظم من خوفهم من ربهم -سبحانه وتعالى وتقدست أسماؤه-، فلا يكون الله - تبارك وتعالى - أهون الناظرين إليك.

     وكثير من العلل، والأدواء، والآفات التي تعتري السالكين إلى الله -تعالى- إنما يكون ذلك بسبب أنهم ما عرفوا الله المعرفة اللائقة بعظمته، وجلاله، فاجترؤوا على أوامره ونواهيه، وصاروا، وقصروا في أعمالهم بحسب ما وقع في نفوسهم من القصور في معرفة ربهم - تبارك وتعالى.

المرتبة الثانية

     هي معرفة الأمر والنهي، فيعرف مراد الله -تعالى- ويعرف حدوده، ويلزمها، وهذا الذي يورثه لزوم الصراط المستقيم، والتقوى، ويكون العبد بهذا محققاً للعبودية لله - جل جلاله وتقدست أسمائه-، ولا يكون في قلبه أدنى معارضة لأمر الله، وشرعه، ونهيه، وهكذا في أقضيته، وأقداره، فيكون العبد في حالٍ من التسليم للأمر الشرعي، وللأمر الكوني القدري القضائي، وذلك ينبني على ما قبله، فإن العبد إذا عرف أن ربه عليم، وأنه حكيم، لا تخفى عليه خافية، وأنه يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها، فإنه في هذه الحال يطمئن إلى تشريعه، فلا يعارضه بأدنى معارضة، كما أنه يطمئن إلى أحكامه القدرية، فلا يعترض، ولا يتسخط، ولا يكون أيضاً هناك شهوةٌ غالبة، تغلبه فيترك أمر الله، أو يقع فيما حرمه الله، ويكون بهذا متبعاً لهواه.

المرتبة الثالثة

     وهي البصيرة في الوعد، والوعيد، وذلك أن العبد يكون بحال كأنه يرى الدار الآخرة أمام عينيه، فإذا وقف بين يدي الله -تعالى- وصفّ قدميه في الصلاة فهو يتصور أنه واقف على الصراط، واقفٌ بين الجنة، والنار، وهو يتصور الدار الآخرة بتفاصيلها التي أخبرنا الله -تعالى- عنها، كأنه يشاهدها، ويراها، فيعمل بمقتضى هذا العلم، وهذه البصيرة التي صارت في قلبه، فأضاءت له الطريق، وعرف ما هو مقدم عليه، فصار يعمل لذلك اليوم، ويستعد للقاء -ربه عز وجل.

حقائق الآخرة

     ومن نظر في كثير من الآيات التي ذكر الله -تعالى- فيها تفاصيل الآخرة، وما يقع من الجدال بين الأتباع، والمتبوعين، وما يقع من السؤالات، والمحادثات التي تكون بين أهل الجنة، أو التي تكون بين أهل النار، كقول بعض أهل الجنة: {إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ} (الصافات: 51) إلى آخر ما قص الله - تبارك وتعالى - في سورة الصافات - شعر كأنه يشاهد ذلك.

     إن الكثير من هذه القضايا لا يدركها الإنسان إلا حينما يشاهدها، ويكفي في الدليل على ذلك أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قُبض رسول الله - عليه الصلاة والسلام - وتكلم من تكلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم  - لم يمت، فلما قرأ عليهم أبو بكر -رضي الله عنه- الآية: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ} (آل عمران: 144)، كأنها لم تطرق أسماعهم من قبل، هذا في الدنيا، فكيف بالآخرة؟

الغفلة غالبة بضعف اليقين

     فإذا شاهد الإنسان حقائق الآخرة لربما تكون هذه الآيات التي قص الله -تعالى- علينا فيها خبر الآخرة مفصلاً كأنها تطرق سمع الإنسان لأول مرة، ولهذا كانت الغفلة غالبة بضعف اليقين، فالإنسان يعلم أنه سيموت، وأنه سيحاسب، ويؤمن بالجنة، والنار، ومع ذلك يجترئ على الله ويعمل المعاصي، ويترك الطاعات، كأنه لن يحاسب.

استنارة بصيرة العبد

     فإذا فُتح على قلبه، واستنارت بصيرته، فيكون ذلك كأنه يعاينه، كأنه أمامه يشاهده، ومن ثَمّ فإذا قام في الصلاة خشع، وخضع قلبه، وهو مراقب لربه في أحواله كلها، وكذلك أيضاً في أعماله، يأتي من الأعمال بما يظن أن سعادته تتحقق بذلك، حينما تفتح تلك الصحائف، وتوضع الموازين، فلا يعمل إلا ما يسره، ويورثه السعادة في ذلك اليوم.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة