أخبار سريعة
الأربعاء 12 اغسطس 2020

مقالات » مقاصد العيد في الإسلام

للكاتب: الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر

نسخة للطباعة

مقاصد العيد في الإسلام


استفاضت نصوص الكتاب والسنة لدى العلماء وكثرت بينهم، في تحذيرهم من تكفير المعين بلا دليل أوضح من شمس النهار؛ لأن نتيجته الواقعية سيئة، سواء أكانت بالأقوال أم بالأفعال, ومن أصول أهل السنة حسن الظن وحسن الرجاء لأهل القبلة أمواتاً وأحياء.

     إن عيدنا معاشر المسلمين، يعد فرحة كبرى وسعادة عظمى؛ فهو يعقُب طاعاتٍ عظيمات، وعبادات جليلات، وقربات متنوعات؛ فهو عيد حمدٍ وثناء، وتعظيمٍ وإجلال، وشكرٍ لله -جل في علاه-، وللمسلمين في السنة عيدان: عيد الفطر وعيد الأضحى، وهما يعقبان طاعتين عظيمتين: طاعة الصيام في شهر رمضان المبارك، وطاعة حج بيت الله الحرام.

     وفي رمضان لله عتقاء من النار وذلك في كل ليلة من لياليه المباركات، ويوم عرفة هو أكثر أيام الله -جل وعلا- التي له فيها عتقاء من النار، فما من الأيام يومٌ أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، والمسلم واثقٌ بوعد ربه طامعٌ في فضله وثوابه؛ ولهذا حُق له في هذا اليوم المبارك أن يفرح فرحًا عظيما بتمام النعمة ووفور المنة {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}(يونس:58).

الطاعاتِ كلَّها فرح للمؤمن

     ولهذا فإن الطاعاتِ كلَّها تعد فرحًا للمؤمن، فالمؤمن يفرح بصلاته، ويفرح بصيامه، ويفرح بحجه واعتماره، ويفرح بتلاوته لكتاب ربه، ويفرح بذكره لمولاه، ويفرح بأبواب البر وأعمال الخير جميعها، وحُق له أن يفرح الفرح العظيم بذلك؛ لأن فرحه بها إنما هو فرحٌ بطاعة الله وسيده ومولاه.

فرح المؤمن بالتوبة

وللمؤمن فرحٌ عظيم عندما يوفقه الله -جل وعلا- للتوبة النصوح من كل ذنب وخطيئة؛ فإن فرحه بالتوبة ولذته بها لذة لا توازى ولا تقارن، ولو علِم العصاة ما في التوبة من لذة لا يجدونها في لذة المعصية لكانوا إلى التوبة من أعظم المبادرين.

مقاصد عظيمة وأهداف جليلة

وقد جعل الله للمسلمين في هذا العيد المبارك مقاصد عظيمة وأهدافا جليلة:

شكر الله -تعالى- على التوفيق للطاعة

     أحدها وهو المقصود الأجل والهدف الأكبر: أن يحمدوا الله على القيام بما فرض عليهم من الصيام، وما منّ به من الطاعات والقيام الموصلة لهم إلى دار السلام، فيشكرون الله -جلّ وعلا-؛ حيث وفّقهم لإتمام صيام شهر رمضان وقيامه، وما تفضّل عليهم من الطاعات في لياليه وأيامه، فيغدون فيه إلى المصلى مكبرين رافعين أصواتهم بالتكبير والتهليل لربهم خاضعين.

الفرح بما أباحه الله من الطيبات

     والمقصد الثاني: الفرح بما أباحه الله وأطلقه لعباده من التمتع بالطيبات من المآكل والمشارب والملابس والنعم المتنوعات، دون إسراف أو تبذير وتجاوزٍ للحدود المشروعات؛ فأمَرَهم بالصيام فامتثلوا راغبين وصبروا، وأباح لهم الفطر فحمدوا ربهم على فضله وشكروا.

الطمع في الفوز بعظيم الثواب

     المقصد الثالث، الطمع في الفوز بعظيم الثواب ووافر الأجر؛ فإنه اليوم الذي يُفيض الله فيه على عباده المؤمنين سوابغَ نعمه، ويعمُّهم فيه بواسع فضله وجزيل عطائه، وتفضل عليهم -جلّ وعلا- بالتوفيق لصيام هذا الشهر وقيامه، ووفقهم للتنوع في طاعاته وتلاوة كلامه، ولم يزل يوالي عليهم بره حتى أتموه وأكملوه، ثم يتم عليهم النعمة بقبول ما قدموه وتوفيته إياهم الجزاء على ما عملوه.

الأمل في العتق من النيران

ومن مقاصد العيد العظيمة أن أهل الإيمان في هذا اليوم يؤمِّلون من الله -عز وجلّ- موعودَه الكريم وفضله العظيم بالعتق من النار وإقالةِ العثرات ورِفعة الدرجات وتكفير السيئات.

رجاء القبول من الله -جلّ وعلا

     ومن مقاصد هذا العيد: رجاء القبول من الله -جلّ وعلا-، ولهذا مضت سُّنة الصّحابة ومن اتّبعهم بإحسان في هذا اليوم الأغر المبارك إذا لقي بعضهم بعضًا يقولون: «تقبّل الله منّا ومنكم «، فهو يوم يرجو فيه الصَّائم القائم المتعبِّد لله في شهر الصِّيام من ربِّه وسيِّده ومولاه أن يتقبّل طاعته، وألا يردَّه خائبا {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} (المؤمنون:60).

تقوية الأخوة الإيمانية

      ومن مقاصد اليوم الأغرّ المبارك: تقوية الأخوة الإيمانية، وتمتين الصِّلة الإيمانية، واطِّراح الإحن والخلافات، إنّه يوم الصَّفاء، ويوم النَّقاء، ويوم الإخاء، ويوم الصِّلات، ويوم السَّلام، ويوم تبادل الدُّعاء؛ فواجب على كلِّ مسلم في هذا اليوم المبارك أن يحرص أشدّ الحرص على أن يقوِّيَ صلته بإخوانه: زيارةً ومودّةً ومحبّةً ودعاءً واطّراحًا لما قد يكون بين المتآخين من شقاق وخلاف، وإذا لم يُطّرح الشِّقاق والخلاف في مثل هذا اليوم المبارك فمتى يطّرح؟

شكر الله والثناء عليه

      ومن مقاصد هذا اليوم العظيم: حمد الله -عز وجلّ- وشكره وتعظيمه -سبحانه- وحسن الثناء عليه؛ ولهذا كان شعار المسلمين في هذا العيد تكبير الله. إنّ هذا العيد عيد إيمانٍ وتوحيدٍ وإخلاصٍ لله -جلّ وعلا-، فهو من آثار الإيمان وثماره المباركة ونتائجه الحميدة وعوائده الطَّيِّبة التي ينالها أهل الإيمان.

هنيئا لنا أمة الإسلام

      هنيئا لنا أمة الإسلام بهذا العيد العظيم واليوم المبارك الكريم، عيد الفرح والاستبشار، متلألئاً مضيئاً بضياء الإيمان والتوحيد والطاعة لله -جل وعلا- والإخلاص له -عز وجل-، فهو عيد فرح واستبشار وعيد عبودية لله -جل وعلا- وادِّكار، وعيد تتحقق فيه اللُحمة الإيمانية والأخوة الدينية بأبهى صورها وأجمل حُللها؛ فهنيئاً لنا ثم هنيئاً لنا أمة الإسلام بعيدنا السعيد ويومنا المبارك الكريم.

أمور مهمة يجب تذكرها

     وينبغي أن نتذكر -ونحن نعيش فرحة العيد- إخواناً لنا اخترمتهم المنية وأدركهم الموت؛ فلم يشهدوا جمع العيد، فهم في قبورهم محتجزون، وبأعمالهم مرتهنون، وبما قدَّمت أيديهم في هذه الحياة مجزيون، وتيقَّنوا أنكم إلى ما صاروا إليه صائرون؛ فهم السابقون وأنتم اللاحقون، فلا تنسوهم من دعوة صالحة بأن يقيل الله عثراتهم، ويغفر زلاتهم، ويُعلي درجاتهم، ويجعل قبورهم رياضاً من رياض الجنة، اللهم اغفر لموتانا وموتى المسلمين، اللهم اغفر لهم وارحمهم، وأكرم نزلهم، ووسِّع مدخلهم.

إخوان لنا أقعدهم المرض

     وتذكروا -وأنتم تعيشون فرحة العيد بصحة وعافية- إخواناً لكم أقعدهم المرض، وأعاقهم عن شهود جمع العيد، فهم في المستشفيات، راقدون وعلى الأسرة ممدَّدون، منهم من أمضى الشهور الطويلة، ومنهم من أمضى الأسابيع العديدة، ومنهم من لا يُغْمَضُ له جفنٌ ولا يَهْدَأُ له بال في آلامٍ متعِبة وأوجاعٍ مؤلمة وهم يودون لو شاركوا إخوانهم فرحتهم، فاحمدوا الله على ما أنتم عليه من صحة وعافية وسلامة، ولا تنسوهم من دعوة صالحة أن يشفي مرضهم، ويزيل بأسهم، ويفرِّج همهم، ويكشف كربهم.

إخوان لنا أهلكتهم الحروب

     وتذكروا -وأنتم تعيشون فرحة العيد السعيد بأمنٍ وأمان وراحةٍ واطمئنان إخواناً لكم أهلكتهم الحروب وأرقتهم الخطوب وأقلقتهم الفتن وسلط عليهم العدو؛ فأريقت منهم الدماء، ورُمِّلت النساء، ويُتِّم الأطفال، ونُهِـبَت الأموال، فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من أمنٍ وأمان، ولا تنسوا إخوانكم أولئك من دعوة صالحة أن يُنَفِّسَ الله كربهم، ويفرج همهم، ويكبِتَ عدوهم، وينصرهم عليه، اللهم أعزّ الإسلام وأهله في كل مكان.

إخوان لنا أرَّقهم الفقر

      وتذكروا -وأنتم تعيشون فرحة العيد السعيد بالحلل البهية والملابس الجميلة- إخواناً لكم أرَّقهم الفقر، وعظمت فيهم الحاجة؛ فمنهم من لا يجد لباساً يواريه أو مسكناً يؤويه، أو طعاماً يغذيه، أو شراباً يرويه، بل منهم من مات في مجاعاتٍ مهلكة وقحطٍ مفجع، فاحمدوا الله على ما أنتم فيه من نعمة، ولا تنسوا إخوانكم هؤلاء من دعوات صالحة أن يغني الله فقيرهم، ويشبِع جائعهم، ويسد حاجتهم، ويكشف فاقتهم، ويقضي دينهم.

  

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة