أخبار سريعة
الأحد 09 اغسطس 2020

مقالات » الاتباع.. مقصد الحجّ الأسنى

للكاتب: إبراهيم بن محمد صديق

نسخة للطباعة

الاتباع.. مقصد الحجّ الأسنى


يظلُّ المقصود الأعظم من العبادات تربيةَ الإنسان على الاستسلام لله -سبحانه وتعالى-، وعبادته وفقَ ما شرع، حتى يمكن له النهوضُ إلى مراتبِ التمكين الذي وعده الله به بوصفه خليفة في الأرض، ولا شكَّ أنَّ الحجَّ عبادة عظيمةٌ، بل ركن أساس من أركان الإسلام، وفيه دروسٌ وعبر ومقاصد وحِكَم عظيمة، والجهل بهذه الحكم والغايات والمقاصد يحوِّل الحجَّ إلى مجرَّد طقوسٍ تُؤدَّى دون استشعارِ روح هذا العملِ وما يمكن أن يَفعلَه في نفس المسلم وعقيدته وأخلاقه.

     ولَمَّا كان هذا الحجُّ عملًا عظيمًا، رتَّب الله عليه أجورًا عظيمَة، مِن ذلك: ما ذكره النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «مَن حَجَّ لِلَّهِ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَومِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «العُمرةُ إلى العمرة كفارةٌ لما بَينَهما، والحجُّ المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة»، كان لزامًا علينا أن نؤدِّيه كما أراده الله -سبحانه وتعالى- منا، ونسعى إلى تحقيق الغايات منه، ولا يخفى على الإنسان أن الإخلاص والمتابعةَ هما شرطُ قبول العمل، وأساس الشهادتين، فلا يمكن قبول عمل من الأعمال ما لم يكن خالصًا لله -سبحانه وتعالى-، وما لم يكن وفق ما جاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول الله -تبارك وتعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5)، ويقول -تبارك وتعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} (الأحزاب: 21)، وقال -تعالى-: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} (الملك: 2)، قال الفضيل بن عياض -رحمه الله-: «هو أخلصُ العمل وأصوَبُه»، فقيل له: ما أخلصُه وأصوبُه يا أبا عليٍّ؟ فقال: «إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصَّواب أن يكون على السُّنة»، ثم قرأ قوله: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} (الكهف: 110) وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: «اتَّبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، وكلُّ بدعةٍ ضلالة»، وقال حذيفة بن اليمان: «اتبعوا ولا تبتدعوا؛ فقد كفيتم، اتبعوا آثارنا، فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخطأتم فقد ضللتم ضلًالا بعيدًا».

     والحجُّ من أهمِّ مقاصده وغاياته تحقيق الاتِّباع للمصطفى - صلى الله عليه وسلم -، بل هو المقصد الأسنى؛ إذ يتجلَّى في كلِّ عملٍ من أعمال الحج منذ أن ينويه الإنسان حتى يتمَّه، فكلُّه قائمٌ على الاتباع وعدَم الابتداع، ومتى ما أردنا أن يحقِّق الحجُّ مقاصده العظيمة فإنه يجب علينا أن نبُثَّ قيمةَ الاتباع في الحجِّ بين الناس، ونغرسه فيهم، وبذلك نحقِّق مقاصدَ الحجّ، ونبتعد عن كثير من البدَع التي تُفعل في الحجِّ بسبب الجهل وعدم تحقيق الاتِّباع.

من مظاهر الاتباع في الحج اتباعُ أمرُ النَّبي - صلى الله عليه وسلم 

     الاتباعُ في الحجِّ ممَّا أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأوَّل ما يبتدئ به الإنسان إذا أراد الحجَّ هو معرفة الطريقة التي حجَّ بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقد وجَّه إلى الاتباع فقال: «لتأخذوا مناسككم؛ فإنِّي لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه»، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - حرص حرصًا عظيمًا على أمرِ الاتباع في الحجِّ، وأمر الصحابةَ الكرام -وهو أمرٌ لمن بعدهم- بالاتباع له، واقتفاء أثره، وعدم تجاوز شرعه حتى يكون حجّ الناس بعد موته - صلى الله عليه وسلم - حجًّا نبويًّا وفق ما أراده الله من الناس، ووفق صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم .

أبدأ بما بدأ الله به

     لم يكن الاتباع مجرَّد أمرٍ من النبي - صلى الله عليه وسلم -، بل طبَّقه - رضي الله عنه -، فحين توجَّه إلى السعي بعد أن طاف بالبيت قال: «أبدأُ بما بدأ الله به»؛ تأكيدًا منه على متابعة قوله -تعالى-: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (البقرة: 158)، فبدأ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصفا كما بدأ الله.

التلبية شاهدةٌ على الاتباع

(لبيك اللهم لبيك) شعار الحجِّ الأعظم، الذي يردِّده ملايين الحجاج في لحظات سيرهم وانتظارهم وجلوسِهم ومبيتهم، وهو الشِّعار الذي لا ينفك عن الحجاج حتى رمي الجمرة، هو شاهدٌ أيضًا على المقصد الأسنى: (الاتباع).

     فلبَّيك معناه: إجابة بعد إجابة، يقول ابن القيم -رحمه الله-: «في معنى التلبية ثمانية أقوال أحدها: إجابة لك بعد إجابة، ولهذا المعنى كررت التلبية إيذانًا بتكرير الإجابة، يكرر الحاج (لبيك اللهم لبيك) أي: أستجيب لك يا رب إجابةً بعد إجابة، ونعبدك وحدك ولا نعبد أحدًا غيرك، ونتبع رسولك - صلى الله عليه وسلم -، ولا نخترع عبادات من عند أنفسنا، نحل ما أحلته الشريعة، ونحرم ما حرمته، ونقف عندها لا نتجاوزها، ونحن مقيمون على ذلك مرَّةً بعد مرة، لا نغادره طرفة عين، فلبَّيك يا الله استسلامًا، ولبيك خضوعًا، ولبيك انقيادًا، ولبيك اتباعًا مرَّة بعد مرَّة.

اجتماع النَّاس إليه ليأتمُّوا به

مِن أبرز مظاهر الاتباع في الحج ما فعله الصَّحابة الكرام، فقد حرصوا حرصًا شديدًا على الحجِّ مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما أعظمها من رفقة في شعيرة من أعظم شعائر الدين! وقد خرج الصَّحابة بالألوف ينتظرون أن يحجوا مع النَّبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتحقيق غاية الاتباع كما يقول جابر وهو يصف هذا المشهد العظيم: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذَّن في النَّاس في العاشرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حاجّ، فقدم المدينة بشرٌ كثير، كلُّهم يلتمس أن يأتمَّ برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ويعمل مثل عمله، وفي رواية أخرى عنه يصف خروج الصَّحابة معه يقول: أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تسع سنين، لم يحج، ثم أذن في الناس بالحج، فلم يبق أحدٌ يقدر أن يأتي راكبًا أو راجلًا إلا قدم، فتدارك الناس ليخرجوا معه، فكلُّهم كانوا يريدون اتباعه - صلى الله عليه وسلم - في الحج، فخرج معه الجموع الغفيرة حتى يقول جابر: نظرت إلى مدِّ بصري بين يديه، من راكبٍ وماش، وعن يمينه مثل ذلك، وعن يساره مثل ذلك، ومن خلفه مثل ذلك، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهرنا، وعليه ينزل القرآن، وهو يعرف تأويله، وما عمل به من شيء عملنا به، هكذا حرص الصحابة أشدَّ الحرص على الاتباع في الحج، فالتمُّوا حول النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الطريقة.

حرص الصحابة على الاتباع

     سبق بنا بيان كيف أنَّ الصَّحابة اجتمعوا حول النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وعزا جابر ذلك إلى اتباعه والتأسي به، وكانت لهم مواقف أخرى عظيمة تبين مقصد الاتباع في الحج وأنه مقصد سَنِيٌّ حرص عليه الصحابة الكرام، ومن ذلك أن عليًّا - رضي الله عنه - لشدة تأسيه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - أهلَّ بما أهل به رسول الله دون أن يعرف ما هو، فقد سأله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ماذا قلت حين فرضت الحج؟»، قال: قلت: اللهمَّ إني أهل بما أهل به رسولك، وفي هذا دليلٌ آخر على مدى حرص الصحابة على الاتباع، ومن هنا نعرف سرَّ التسليم المطلق والانقياد الذي يظهر في قول عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - مخاطبًا الحجر الأسود: «إنِّي أعلمُ أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النَّبي - صلى الله عليه وسلم - يقبِّلك ما قبلتك، فهو يعلم أنَّه حجر لا يضر ولا ينفع، لكنه الاتباع المطلق للنبي - صلى الله عليه وسلم -، يقول ابن حجر -رحمه الله-: «وفي قول عمر هذا التَّسليم للشارع في أمور الدين، وحسن الاتباع فيما لم يكشف عن معانيها، وهو قاعدةٌ عظيمة في اتباع النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يفعله ولو لم يعلم الحكمة فيه.

     بل أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصَّحابةَ بالرمل لإظهار قوةِ المسلمين وتخييب ظنِّ المشركين الذين ظنُّوا أن حُمَّى المدينةِ قد أنهكت الصحابة، فرأى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن سبب الرمل قد زال، فقد أعزَّ الله الإسلام وأذلَّ المشركين، ورغم ذلك كان يقول: «فما لنا وللرَّمل، إنَّما كنَّا راءينا به المشركين وقد أهلكهم الله»، ثم قال:»شيءٌ صنعه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا نحبُّ أن نتركه.

النهي عن الغلو

     ولئن كان الصَّحابة -رضوان الله عليهم- حريصين على اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج، فقد كانوا أيضًا ينهون عن الخروج عن هذا الاتباع بالغلو في دين الله، روى الزبير بن بكار قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سمعت مالك بن أنس -وأتاه رجل- فقال: يا أبا عبد الله، من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة؛ من حيث أحرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد، فقال: لا تفعل، قال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل؛ فإني أخشى عليك الفتنة، قال: وأي فتنة في هذا؟ إنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! إني سمعت الله يقول: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (النور: 63).

الإنكار على من خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم 

     وفي طواف النَّبي - صلى الله عليه وسلم - استلم الحجر الأسود والرُّكن اليماني، فلما جاء معاوية يطوف بالبيت استلم الأركان كلها، فأنكر عليه ابن عباس -رضي الله عنهما-، فعن ابن عباس أنَّه طاف مع معاوية بالبيت، فجعل معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس: لم تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلمهما؟ فقال معاوية: ليس شيءٌ من البيت مهجورًا، فقال ابن عباس: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (الأحزاب: 21)، فقال معاوية: صدقت.

فكان حرص الصحابة على اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج ينبني عليه أيضًا ألا يغالي أحدٌ في دين الله ويأتي بما لم يأت به النبي - صلى الله عليه وسلم .

     وأخيرًا: حجَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وحجَّ معه آلافُ الصَّحابة الكرام، فاتَّبعوه واقتفوا أثَرَه واقتدوا به، وحريٌّ بالمسلم الذي يريد الحج ألا يخرج في شيءٍ عن هديِ النَّبي - صلى الله عليه وسلم  -، ويبتعد عن البدع والأخطاء التي هي مخالفة لهديه حتَّى يحقق هذا المقصد العظيم من مقاصد الحج، ألا وهو الاتَّباع.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة