أخبار سريعة
الأحد 09 اغسطس 2020

مقالات » رعاية الأقصى من سنن المرسلين والصالحين

للكاتب: أيمن الشعبان

نسخة للطباعة

رعاية الأقصى من سنن المرسلين والصالحين


إنّ الله -سبحانه وتعالى- جعل لرقيِّ الأمم ونُهوضِها سُننًا ومقدماتٍ وقوانينَ ومقومات، ومن أعظمِ خصائص السنن الإلهية أنها ثابتة لا تتبدل ولا تتغير، وأنها لا تحابي أحدًا ولا تجامل أمةً ولا دولة، قال -سبحانه-: {فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلا} (فاطر:43).

     المقدسات من المساجد والبقاع والمدن والأماكن، التي عظّمها الله -سبحانه وتعالى- وشرّفها واصطفاها وكرّمها على غيرها -هي من شعائر الله المكانية التي جعل الله -سبحانه- تعظيمها وتقديسها ومحبتها والذبِّ عنها معياراً ومؤشراً للتقوى والفلاح، قال -عز وجل-: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} (الحج:32).

الشعيرة

     والشعيرة هي ما أشعرنا الله -سبحانه- بأهميتها ومكانتها وفضلها، لتعظيمها والمحافظة على حرمتها والذبِّ عنها والعناية بها كما أراد الله -سبحانه- الذي اجتباها واختارها، والشعيرة هي المعلم الظاهر الواضح والعلامة التي تتميز بها الأمة، والشعيرة من الشعور ليشعر بها الرائي فتختلط محبتها في وجدانه وقلبه، يقول (محمد صديق خان) في تفسيره (فتح البيان) (9/47): «فشعائر الله أعلام دينه»، ويقول (ابن عاشور) في (التحرير والتنوير) (17/256): «فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ بِزِيَارَتِهِ أَوْ بِفِعْلٍ يُوقَعُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، أَيْ مِمَّا أشعر الله النَّاس وَقَرَّرَهُ وَشَهَرَهُ»، ويضيف قائلاً -في بيان ضرورة غرس محبة الشعيرة في القلب وظهور أثر ذلك عملاً وتطبيقًا- في تفسيره (17/257): «وَإِضَافَةُ تَقْوَى إِلَى الْقُلُوبِ؛ لأَنَّ تَعْظِيمَ الشَّعَائِرِ اعْتِقَادٌ قَلْبِيٌّ يَنْشَأُ عَنهُ الْعَمَل».

عناية ربانية ونبوية

     لقد حظي المسجد الأقصى المبارك منذ تأسيسه في عهد آدم بعناية ربانية فائقة ورعاية نبوية كبيرة؛ إذ ارتبط ارتباطًا متينًا بالمسجد الحرام تاريخيًا وعقديًا وإيمانيًا وتعبديًا، فهما كالعقدين الثمينين النفيسين، اللذين أصبحا رمزًا وعنوانًا لتوحيد الله -عز وجل- وتحقيق العبودية الخالصة لله، منذ وجوده على ثرى فلسطين صار المسجد الأقصى مهوى أفئدة الأنبياء وأتباعهم، ومركزًا ومحلاً لنشر التوحيد وتحقيق العبودية لله -عز وجل-، حتى صار عنوانًا لقوة الدِّين وبوصلةً للصراع بين الحق والباطل بمختلف الأزمنة والظروف والأحوال.

الأرض المباركة

     الأرض المباركة -التي قَلبُها بيت المقدس- هاجر إليها أبو الأنبياء وإمام الحنفاء وخليل الرحمن إبراهيم -عليه السلام- مع ابن أخيه لوط وزوجه سارة، وأسس مجتمعًا صالحًا مع ذريته، واعتنى بالمسجد الأقصى عمرانيًا وإيمانيًا، قال -سبحانه-: {وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ. وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ * وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ)} (الأنبياء:71-73)

يوسف الصديق-عليه السلام

     يوسف الصديق الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم عليه السلام، الذي توفاه الله في مصر، ومع ذلك أوصى علماء بني إسرائيل بأن يحملوا جثمانه إلى الأرض المباركة، عند انتقالهم إليها، ليعطي درسًا بليغًا بأن بيت المقدس أرض الأنبياء في حياتهم وبعد مماتهم.

كليم الله موسى -عليه السلام

     رسخّ كليم الله موسى -عليه السلام- أهمية وجود المقدسات في حياة الأمة، بوصفها ركيزة أساسية وقوة مركزية، لضمان الاستقرار والتماسك والرقي بمختلف المجالات؛ إذ كان يتطلع بعد نجاتهم من فرعون وجنده في آخر مراحل حياته لفتح بيت المقدس وتحريره، من العمالقة الجبارين الوثنيين.

     سار موسى وبنو إسرائيل باتجاه الأرض المقدسة، لاستعادتها وتحقيق العبودية الخالصة لله -عز وجل- فيها، بعد وعدٍ من الله -سبحانه- أنهم بمجرد الدخول والصبر والثبات والاستجابة لأمر موسى، تكون لهم الغلبة والتمكين، إلا أنهم خذلوا موسى -عليه السلام- فعاقبهم الله -عز وجل- بالتيه أربعين سنة وحرمها عليهم. فالقوم الذين يعتادون الراحة والدعة حتى تصبح المقدسات من آخر أولوياتهم، مآلهم الخذلان والانتكاس والذُّل، ومن ثم يعيشون في تيه وحيرة؛ فالأمة التي لا تحافظ على الأرض المباركة تعاقب بنقيض قصدها وبجنس اختيارها من عدم الاستقرار والأمن والأمان.

توجيه عظيم

     وهنا توجيه عظيم وإشارة مهمة إلى أن الأمم من بعدهم إذا لم يحفظوا المقدسات ويحافظوا على المسجد الأقصى، فإن الله سيعاقبهم بتيه من نوع آخر هو تيه معنوي؛ يأخذ أشكالا عدة، تيه فيه الضلال والفرقة والتخبط حتى تصبح الأمة ضعيفة وفي آخر الركب؛ فكل من تخلى عن مسؤولياته وتنصل عن الواجب تجاه المقدسات، سيناله حظٌ من التيه المعنوي الذي هو أخطر من التيه الحسي الذي وقع على بني إسرائيل، وهو مؤقت بمدَّة سينتهي بزوال الجيل المُخذِّل بعد أربعين سنة، أما التيه المعنوي فالاستبدال مرتبط بسنن شرعية وأخرى كونية، والتيه قد يكون تيها في التصور، وتيها في السلوك، وتيها في العقيدة، وتيها في العلم، وتيها في الإصلاح، وتيها في الأهداف والتخطيط، وتيها في المخرجات والثمار، حتى يشمل جوانب الحياة جميعها، كالإدارة والاقتصاد والسياسة والتنمية والإعلام وهكذا، فبِقَدْرِ تَشَبُّع الأمة بمظاهر التيه فإن عَدّاد المنافسة مع الأمم الأخرى يتوقف، حتى تصبح فترة التيه عبئاً ووبالاً ومنقصةً للدول والمجتمعات؛ لأنها فترات مشطوبة لا قيمة لها.

عناية سليمان -عليه السلام

     إن عناية سليمان -عليه السلام- وتجديده بناء بيت المقدس، يرسخ هذا الأصل والمفهوم؛ ففي ظل تسخير الجن والإنس والريح والمعجزات التي أعطيها، وأنه قاد أعظم مملكة عبر التاريخ، تكون له تلك الرعاية العمرانية والتعبدية للمسجد الأقصى، للتدليل على العلاقة المطردة بين المحافظة والعناية بالمقدسات، ورقي الأمة وازدهارها ورفعتها وديمومتها وتمكين الملك.

     وبعد وفاة سليمان -عليه السلام- عمّ الفساد وضعف الدِّين، وانقسمت مملكته إلى دولتين متعاديتين، مملكة (يهودا) وعاصمتها القدس، ومملكة (السامرة) وعاصمتها نابلس، حتى تسلط عليهم (نبوخذ نصر ) أو (بختنصر) سنة 586 ق.م. وسباهم بما بات يعرف بالسبي البابلي الثاني.

عهد عمر - رضي الله عنه

     فُتحت القدس في عهد عمر - رضي الله عنه - وهي المدينة الوحيدة التي تسلم مفاتيحها، في الوقت الذي فتحت في عهده العديد من المدن والقرى والأقاليم والأمصار، لكن لخصوصيتها وتمكنها من وجدانهم وقيمتها في قلوبهم، كان لها عناية ورعاية منقطعة النظير، وشغف في ضمها لحياض المسلمين، لإدراكهم أن الأمة بلا أقصى لا قيمة لها.

     وخاض بالوحل فقال له أبو عبيدة: «لَقَدْ صَنَعْتَ الْيَوْمَ صَنِيعًا عَظِيمًا عِنْدَ أَهْلِ الأَرْضِ»! فقال له الفاروق: «لو غيرك قالها أبا عبيدة وضربه على صدره»، ثم قال مقولته المشهورة: «يَا أَبَا عُبَيْدَةَ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَذَلَّ النَّاسِ وَأَقَلَّ النَّاسِ وَأَحْقَرَ النَّاسِ فَأَعَزَّكَمُ اللَّهُ بِالإِسْلَامِ فَمَهْمَا تَطْلُبُوا الْعِزَّ بِغَيْرِهِ يُذِلَّكُمُ اللَّهُ».

الصحابة -رضوان الله عليهم

     أدرك الصحابة -رضوان الله عليهم- وأيقنوا أن عزهم وسؤددهم ورفعتهم مرتبطة بالمحافظة على مقدساتهم ولا سيما المسجد الأقصى المبارك، ولنتأمل هذا الموقف الذي أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (1/146) عن أبي ذر الغفاري - رضي الله عنه - قوله: أتاني نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا نائم في مسجد المدينة فضربني برجله، وقال: «ألا أراك نائما فيه؟ قال: قلت يا نبي الله غلبتني عيني، قال: كيف تصنع إذا أخرجت منه؟ قال: قلت آتي الشام الأرض المقدسة، قال: فكيف تصنع إذا أخرجت من الشام قال: أعوذ بالله....».

أعجب العجب

     ومن أعجب العجب أن الأعداء يدركون حقيقة أن الأقصى إذا حازه المسلمون تكون لهم القوَّة والغلبة والرفعة والتمكين، فيبذلون جهدهم ويمكرون مكر الليل والنهار، ويحرصون ويسعون لإبعادنا عنه، إلا أننا أضعنا البوصلة الحقيقية لاستعادة المجد والمكانة الحقيقية لها.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة