أخبار سريعة
الأحد 27 سبتمبر 2020

مقالات » فقه الاستعداد

نسخة للطباعة

فقه الاستعداد


فقه الاستعداد هو الفقه المغيّب عن الأمة، والسبب المعطّل في واقع الدعوة، والحل المؤجّل في التعامل مع كل فتنة، وهو في حقيقة الأمر مطلوبٌ في كل مهمة وضروريٌّ في الخروج من كل أزمة، هذا الفقه واجب وجوبا عينيا أو كفائيا بحسبه، ولا سبيل للوصول إلى الغايات، والعافية في النهايات، والسلامة من المجريات إلا بهذا الفقه الأصيل والمطلب العريق، وقبل الكلام عن مفاهيمه وحقائقه وميادينه ؛ لا بد من التذكير بثلاث حقائق ترتبط بواقع الأمة:

الحقيقة الأولى

     أن الاستعداد للشيء قبل الشروع فيه هو مرحلة برزخية بين العجز والقدرة التامة ؛ فليس للعبد - في الغالب - أن ينتقل مرةً واحدة من العجز فيكون قادرا مستطيعا إلا بعد المرور بالاستعداد ؛ فيستعد بأسباب يخرج بها من العجز ليدخل في وصف القدرة ؛ فمثلما لا ينتقل العبد من الجهل إلى العلم والحكمة إلا بالتعلم ؛ فكذلك لا ينتقل العبد من العجز إلى القدرة التامة التي تقتضي منه القيام بالمطالب العظيمة والتكاليف الجليلة إلا بقوة الاستعداد وحسن التأهب وواقع كثير من الناس هو الرغبة في الدخول في القدرة من غير عُدة؛ ولهذا هم في فتنة ؛ فلا للعجز كسروا ولا القدرة بلغوا!.

الحقيقة الثانية

     غالب الأحكام الشرعية والطاعات الإيمانية مسبوقة بالاستعداد ومتبوعة بالاستدراك والاستغفار... وكثير من الناس لا يلتفت إلى السوابق واللواحق وإنما يشتغل بالأواسط وبالأشياء نفسها ؛ لهذا يكون دخولهم في العبادة ضعيفا وخروجهم منها سريعا ؛ فيضعف عندهم الخشوع والإحسان في أداء العبادة ويدخل عليهم الاغترار والكسل عند القيام بالطاعة، ومثاله: ضعف الاستعداد للصلاة يفضي إلى قلة الخشوع، وعدم الذكر والاستغفار بعدها يورث الاغترار بالطاعة، وكذلك العلم والجهاد والصيام والزكاة.

الحقيقة الثالثة

     لقد سادت في كثير من الأوساط الدعوية وفي بعض المحافل السياسية والاجتماعية وفي بعض أروقة المؤتمرات والندوات العلمية أفكار وظواهر بعيدة عن الاعتدال ؛ منها ما يدعو إلى النفير والاستعجال، ومنها ما قد أصابه الفتور والاسترخاء، وثالثة تميل إلى الاستبطاء والاكتفاء بالدعاء، والرابعة جالسة على التّل ليس عندها إلا الانتقاد دون الاعتناء بحسن الاستعداد ولا التأهب للعمل والاجتهاد ؛ لأن القسمة عند أهل هذه الظواهر ثنائية لا ثلاثية: إما عاجز وإما قادر، وإما جاهل وإما عالم.

قضية مهمة

     وهاهنا نشير إلى قضية مهمة ينبغي أن تكون حاضرةً في أذهان الدعاة والمصلحين، وهي اعتناء نصوص القرآن والسنة بفقه الاستعداد في العهدين المكي والمدني ؛ فقد تربى الجيل الأول في العهد المكي والمدني على أصل عظيم، وهو ( التربية على دفع الخطر والضرر بالاستعداد، وعلى تحصيل المصلحة والخير بالاعتماد )، فالمسلم يستعد بالأسباب الحسية والمعنوية لجلب الخير ودفع الشر، ويعتمد في استعداده هذا على ربه، فيجمع بين قوة الاستعداد وكمال الاعتماد ؛ كما قال -تعالى-: {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} ؛ فهذه الآية مكية أُمر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن المشركين والاستعداد لهم ؛ فالانتظار هنا يتضمن معنى الترقب والاستعداد وليس الترقب فحسب ؛ وقال -تعالى- أيضا في سورة سبأ: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}، وهنا امتزج الاستعداد المعنوي والحسي، والديني والكوني ؛ حتى انتهى إلى الاستعداد الحربي ثم ختم بالاستعداد الإيماني؛ لبيان أن منهج الاستعداد قبل الشروع في الفعل هو منهج الأنبياء والمرسلين.

الاستعدادات في العهد المدني

     وفي العهد المدني كان الاستعداد الحسي والمعنوي معا كما في قوله -تعالى-: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} ؛ بل وحتى الاستعداد النفسي قبل الدخول في المفاصلة مع العدو ؛ كما في قوله -تعالى-: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}، والأدلة على ذلك كثيرة لا حصر لها.

ميادين الاستعداد

والاستعداد كثيرة وميادينها وأنواعها عديدة ؛ ومنها:

- الاستعداد للصلوات والطاعات.

- الاستعداد ليوم المعاد.

- الاستعداد للجهاد والتأهب له بالإعداد.

- الاستعداد للتبليغ والحوار.

- الاستعداد لأسباب العلم والاجتهاد.

- الاستعداد لقبول الحق والنصيحة.

- الاستعداد لأوقات الافتقار والانتقاص بالاقتصاد.

- الاستعداد لعمارة الأرض بالعلم والإيمان.

- الاستعداد لمشاريع البر والإحسان.

- الاستعداد للخروج من المخاطر والأزمات.

- الاستعداد للموت هادم اللذات.

     وأخيرًا، الاستعداد لرؤية رب العباد، وهو أعظم الاستعدادات وأشرفها؛ كما جاء في الحديث الذي في الصحيح: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا».

ومن أراد سبيل الرشاد فعليه أن يعتني بهذه الأنواع، ويدرك حقيقةً مهمةً وهي أن الكمال - في زماننا وفي جميع الأزمان - يتحقق بالأعتناء بالأمور الخمسة الكلية، وهي:

- الاعتناء بفقه الاستعداد.

- الاعتناء بحسن الانقياد.

- الاعتناء بضوابط الاجتهاد.

- الاعتناء بأدب الانتقاد.

- الاعتناء بسلامة الاعتقاد.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة