أخبار سريعة
الإثنين 21 سبتمبر 2020

مقالات » معالم التأديب التربوي في الحلقات القرآنية - وظائف الحلقات القرآنية

للكاتب: د. علي الزهراني

نسخة للطباعة

معالم التأديب التربوي في الحلقات القرآنية - وظائف الحلقات القرآنية

 


تعد الحلقات القرآنية إحدى البيئات التربوية الفعالة في المجتمع، وتاريخها مرتبط بتاريخ التأديب والتعليم في الإسلام؛ حيث تعد الحلقات القرآنية من أقدم مؤسسات تعليم الأطفال وتأديبهم في الإسلام؛ حيث برزت مكانة هذه البيئات التعليمية عبر تاريخ الإسلام، وكانت لها وظائف متعددة، ولم يكن دورهما مقتصرا على حفظ القرآن الكريم فقط كما هو حال الحلقات المعاصرة، وتتمثل في تعليم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم وأصول العقيدة والعبادات، والتأديب على الأخلاق الإسلامية والشمائل والفضائل الحسنة، وهذا ما سنستعرضه في هذه السلسلة.

الوظيفة النفسية للحلقات القرآنية

     تبرز أهمية هذه الوظيفة كونها من العوامل المهمة في تكوين شخصية الفرد، وطلاب الحلقات القرآنية أحوج الناس إلى هذه الرعاية النفسية ولاسيما في واقعنا المعاصر الذي يتسم بالتغيرات السريعة وضغوط الحياة، وتناقضات المجتمع، الأمر الذي يجعل الرعاية النفسية تساعد الفرد على بناء اتجاهات نفسية سليمة نحو نفسه ونحو الناس ونحو الحياة، كما أن للمتعلم في الحلقات القرآنية احتياجات نفسية ينبغي للقائمين على الحلقات القرآنية مراعاتها والعمل على إشباعها، وعدم مصادمتها؛ لما لذلك من أثر إيجابي على الحفظ والمراجعة والاستماع فضلا عن أن هذه الحاجات إذا لم تشبع بطريقة مشروعة فقد تشبع بطريقة خطأ، الأمر الذي يؤدي إلى انحراف التلميذ وجنوحه؛ومن هنا جاءت ضرورة إشباع حاجته إلى الأمن، والحب والمحبة، والرعاية التربوية والتوجيه، والحاجة إلى التقدير الاجتماعي والنجاح، واحترام الذات والترويح التربوي الهادف.

الوظيفة التعليمية للحلقات القرآنية

     تقوم الحلقات القرآنية بمهمة كبيرة وجهد متواصل في تعليم التلاميذ القرآن الكريم؛ حيث يعلم التلاميذ التلاوة الصحيحة، ويكتسبون المصطلحات التي أجمع عليها أئمة القراءات المتواترة، ويتعرفون الضوابط الثابتة في المصحف التي ينبغي مراعاتها عند القراءة فضلا عن تقديم المعلومات اللازمة من أحكام التجويد المختلفة؛ ويمكن أن نلخص الوظيفة التعليمية للحلقات القرآنية فيما يلي:

1- إتقان التلاميذ لتلاوة القرآن الكريم.

2- إلمام التلميذ بالمعنى الإجمالي للآيات التي يقرؤها ويحفظها.

3- القدرة على النطق وإتقان اللغة العربية لغة القرآن الكريم.

4- زيادة ثروة الإنسان من الألفاظ اللغوية.

5- التعرف على أسباب نزول الآية أو السورة.

6- التعرف على الأحكام العقدية والفقهية بإيجاز.

     ولما كان القرآن الكريم كتاب هذه الأمة، وهاديها ودليلها إلى درجات الرقي والسمو الديني والعقدي والعقلي والنفسي، وهو الدستور الذي يحكم حركة الفرد والمجتمع وجب على القائمين على أمر التعليم سواء في مراحل التعليم المختلفة أو الحلقات القرآنية أن يحرصوا على تلقينه للأجيال، وتربيتهم على أخلاقه، فضلا عن بيان معانيه وأحكامه ومجالات تحكيمه، والدروس التربوية المستفادة من آياته، وكيف تطبق في حياة الفرد والمجتمع؟

الدين النصيحة

     إن تدريس القرآن بعيدا عن هذا المعنى يخالف منطوق حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - «الدين النصيحة»؛ حيث إن النصيحة لكتاب تعني أن الطالب الذي يُلزم بالاقتصار على حفظ القرآن الكريم، والمعلم الذي يُمنع من بيان معاني آيات ما يتلو من كتاب الله كما تنص على ذلك التعليمات الرسمية للجمعيات بذلك يتعارض مع النصيحة لكتاب الله تعالى، ويحقق تطلعات التغريب التربوي ولاسيما إذا كانت المسوغات غير مقنعة، أو الاقتراحات قدّمت من أناس لايفقهون طبيعة الإنسان النفسية وحاجاته التربوية، ومقتضيات العمل التربوي في مجال التعليم القرآنى خصوصا، والتعليم عموما، وعليه فإن الاقتصار على حفظ القرآن دون فهمه، فضلا عن منع الأنشطة المصاحبة للتعليم القرآني في الحلقات القرآنية سوف يجعل القرآن الكريم كتاب تلاوة موسمية في يوم الجمعة أوفي شهر رمضان، وليس له أثر في سلوك الفرد أو حركة المجتمع.

أهمية التأديب التربوي في الحلقات القرآنية

     يعد التأديب التربوي من القضايا المهمة التي يحتاج إليها الناشئ في كل زمان ومكان؛ لأنه من متطلبات مرحلة التعليم في الحلقة القرآنية الذي يعزز مالدى الناشئ من سلوكيات حسنة، ويعالج مالديه من أخلاقيات ضارة، ويعدل كل سلوك خطأ يحتاج إلى تعديل وتصحيح.

     ولما كانت الحلقات القرآنية إحدى المحاضن التربوية التي تكمل أدوار البيئات التربوية الأخرى فإنه يلزم القائمين عليها والعاملين فيها تأكيد مبدأ التأديب التربوي في مرحلة الحلقة القرآنية؛ فيتجاوب مع التوجيهات الصادرة إليه من معلمي الحلقة ولاسيما إذا كانت مصحوبة بالثواب والتشجيع والقبول والتقدير الاجتماعي.

التأديب التربوي والحفظ المتقن

     إن الحلقة القرآنية التي يصبح شعارها التأديب التربوي والحفظ المتقن ستجعل التلميذ يتقدم في الحفظ، ويزيد عنده التفاعل مع المواقف المختلفة داخل الحلقة، بل سوف يترك مالديه من سلوكيات خطأ تكونت نتيجة التربية الأسرية، وكانت وصايا القدماء التأكيد على دمج الحفز التربوي بالتأديب في بيئة التعليم كلما تقدم المتعلم في الحفظ، والتمسك بحسن الخلق، يقول الحاج العبدري:» مهما ظهر من الصبي من خلق جميل وفعل محمود فينبغي أن يكرم عليه، ويجازى عليه بما يفرح به، ويمدح بين أظهر الناس «سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة.

وسيلة لتحلية النفس بالأخلاق

      ولما كان التأديب التربوي وسيلة لتحلية النفس بالأخلاق الحسنة والصفات الطيبة فقد أولى منهج التربية الإسلامية هذا الأمر حقه من العناية، ورتب على ذلك الأجر والثواب يقول الإمام البخاري في مقدمة كتاب الأدب المفرد عن التأديب: يطلق على تعليم رياضة النفس ومحاسن الأخلاق.

تاريخ المؤدبين

      والدارس لتاريخ المؤدبين يلحظ عنايتهم بالجمع بين تعليم القرآن وتربية النفوس بالأخلاق، ذكر ابن خلدون في مقدمته أن هارون الرشيد لما دفع ولده الأمين إلى المؤدب قال له: «ياأحمد إن أمير المؤمنين قد دفع إليك مهمة نفسه وثمرة قلبه فصبر يدك عليه مبسوطة، وطاعتك له واجبة أقرئه القرآن، وعرفه الأخبار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بموقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك إلاّ في أوقاته، ولاتمرّن بك ساعة إلاّوأنت مغتنم فائدة تفيده إياها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولاتمعن في مسامحته فيستحي الفراغ ويألفه، وقومه ماستطعت بالقرب والملاينة؛ فإن أباها فعليك بالشدة والغلظة».

الجمع بين التعليم القرآني والتأديب التربوي

      ومن هذا النص يتضح لنا أهمية الجمع بين التعليم القرآني والتأديب التربوي حتى يصبح التلميذ شخصية متكاملة؛ حيث إن التأديب التربوي سلوك حضاري مطلوب لإقامة المجتمع الصالح.وإنه من الدعامات الأساسية التي تحقق أهداف الحلقات القرآنية في واقعنا المعاصر الذي كثرت فيه الشبهات والشهوات.

أهمية التأديب التربوي في الحلقات

      من هنا يكمن أهمية التأديب التربوي في الحلقات نظراً لكثرة السلوكيات الخطأ بل والانحرافات الخلقية التي ذكرها المعلمون عن طلابهم، وعليه فإن التأديب التربوي سوف يكون الوسيلة التي تحافظ أخلاق التلاميذ، واستمرار الاستقامة والصلاح بينهم، وتسود المحبة وترسَّخ الأداب والفضائل بين طلاب الحلقات القرآنية، ويصبح الأدب عندهم يقوم على ثلاث أسس كما وضحها ابن القيم -رحمه الله- وهم «الأدب مع الله الذي يتمثل في معرفة ربوبيته، وعمل بطاعته، والحمد لله على السراء والصبر على الضراء، الذي لايستقيم لأحد إلابمعرفة الله بأسمائه وصفاته ومعرفته بدينه وشرعه، وما يحب وما يكره، ونفس مستعدة قابلة لينة متهيئة لقبول الحق علماً وعملاً، وأما الثاني فهو الأدب مع الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهو كما التسليم له والانقياد لأوامره وتلقي خبره بالقبول والتصديق، أما الأدب مع الخلق فهو متفاوت فمع الوالدين أدب خاص به، ومع العالم أدب غير أدبه مع أصحابه وذويه، ومع الضيف أدب غير أدبه مع أهل بيته، وأخيراً الأدب مع النفس فهو أيضاً متفاوت فللأكل آدابه، وللشرب آدابه، وللركوب والدخول والخروج والسفر والإقامة والنوم وآداب الكلام آداب، وللسكوت وللاستماع آداب».

     فهذه مظاهر التأديب التربوي التي تعكس أهمية تربية طلاب الحلقات حتى تتهذب أخلاقهم، وتنمو في نفوسهم الفضيلة، ويعتادون الآداب الحسنة حتى يقوموا بواجبهم نحو ربهم، ورسولهمم، ودينهم، ومجتمعهم ونفوسهم؛ لأنه إذا عوّد التلميذ على الخير ورُبِيَ عليه سعد في الدنيا والأخرة؛ لأن التلميذ يحتاج إلى المعايير السلوكية في هذه المرحلة التي تبنى من خلال التعاليم الدينية بالالتزام بالدين عقيدة وسلوكا ومنهاج حياة.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة