أخبار سريعة
الخميس 29 اكتوبر 2020

مقالات » العلم وأثره في تزكية النفوس - تزكية النفس في ضوء القرآن والسنة (2)

للكاتب: الشيخ عبدالرزاق بن عبدالمحسن البدر

نسخة للطباعة

العلم وأثره في تزكية النفوس - تزكية النفس في ضوء القرآن والسنة     (2)

                                 

ما زال الحديث مستمرًا حول العلم وأثره في تزكية النفوس، وقد ذكرنا في المقال السابق أن العلم نُور يضيء لصاحبه الطريق، وتَستبين لصاحبه به الجَادّة؛ فيكون في سيره على نورٍ من ربّه، فلا تلتبس عليه السّبيل، وقلنا: إنّ الهداية والتزكية مِنّةٌ إلهية؛ فالرّب العظيم هو الهادي وهو -سبحانه وتعالى- الّـذي يزكي من يشاء، وهو الموفق لا شريك له -جل وعلا-، ثم تكلمنا عن مكانة الدعاء في هذا الباب العظيم، ونستكمل ما بدأناه.

التزكية في ضوء القرآن والسنة

     الحديث عن تزكية النّفس في ضوء دلالة الآيات والنصوص والأحاديث المأثورة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديثٌ واسع وله جوانب كثيرة جداً، وفي لقائنا هذا سأقف وقفات مع جوانب مهمة وقواعد عظيمة مستمدة من كتاب الله -عز وجل- وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم- كلها تدور حول فقه تزكية النّفوس.

حقيقة النفس البشرية

    ونبدأ أولاً بحديث مختصر عن: النّفس البشرية ما هي؟ وما حقيقتها؟ وما صفاتها؟، ونقف أيضا في هذا الباب على بعض الأمثلة أو الأمثال العظيمة التي ضربها أهل العلم التي توضح ما يتعلق بالـنَّـفس البشرية، وكيف أنّ أمر تزكية النّفس يحتاج من العبد إلى معالجةٍ مستمرة، وعنايةٍ دائمة ورعايةٍ لهذه النّفس لكي لا تَنْفلِت وتضيع.

ثلاثة أوصافٍ للنّفس

وقد جاء في القرآن الكريم ذكر ثلاثة أوصافٍ للنّفس مشهورة معلومة: فوُصفت بالنّفس المطمئنة، ووُصفت بالنّفس الأمارة بالسوء، ووُصفت بالنّفس اللوامة، وهذه الصّفات ترجع إلى أحوالٍ تتعلق بالنّفس، ولها في كل حال من هذه الأحوال ما يُناسبها من وصف:

- فإذا كانت نفس الإنسان اطمأنت بالإيمان وذكر الله وعبادته وحُسن الإقبال عليه، استحقت هذا الوصف (النفس المطمئنة)، قال -تعالى- {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ} (الرعد:28-29).

- بينما إذا كانت هذه النّفس تستحِثُ صاحبها على فعل المحرمات وارتكاب الآثام، وتقُـوده إلى مواطن المنكرات ومواضع الرذيلة، وتدفعه إلى فعل القبائح والرذائل؛ فإنّها بهذه الحال نفسٌ (أمارة بالسوء).

- بينما إذا كانت النّفس تلوم صاحبها - وهي (النّفس اللّوامة) - تلوم صاحبها على فعله لخطأ، أو تقصيره في واجب، أو تفريطه في طاعة؛ فهي نفس لوامة، وهذه صفةٌ لها أي أنَّها تلوم صاحبها، ولوم النفس لصاحبها أيضا على قسمين كما نبّه أهل العلم:

1- قد تكون نفساً أمارةً بالسوء وتلوم صاحبها على عدم ازدياده مِن السُّوء وتماديه في الخطأ.

2- وقِسم - ويتعلق بالنّفس المطمئنة - تلوم صاحبها على تفريطه وتقصيره وعدم ازدياده من الخير.

أحوالٌ تتعلق بالنّفس

     فهذه الأوصاف الثلاثة للنّـفس «المطمئنة» و«الأمارة بالسُّوء» و«اللّوامة» أحوالٌ تتعلق بالنّفس، ولها من هذه الأوصاف بحسب حالها، ولهذا قد تكون النّفس في اليوم الواحد أو في السّاعة الواحدة مُتقلبة، وكل إنسانٍ يعلم ذلك من نفسه، وهذه التقلبات للنّفس راجعة إلى الواردات التّي ترد على النّفس، فالنّفس بتقلباتها بحسب الواردات التي ترد عليها، أرأيتُم أنّ الإنسان عندما يُكرمه الله -جلّ وعلا- بحضور مجلس ذكرٍ وحلْقة علمٍ ومكان وعظٍ وتذكيرٍ بالله -سبحانه وتعالى- كيف أنّ نفسه بسبب هذا الوارد ترتقي نحو الفضائل، وكيف أنّ نفسه تطمئن، حتى إنَّ كثيرا من الناس يحدِّث بذلك عن نفسه يقول: «والله إنّني إذا َدخلت المسجد وصلَّيت وسمعت العلم والتذكير بالله أجد طمأنينة، وأجد راحة، وأجد كذا إلى آخره» يُخبر بذلك عن نفسه، هذه الطمأنينة للنّفس حصلت بهذه الواردات المباركة التي هـيأَها الله -سبحانه وتعالى- لهذا الإنسان، بينما إذا ذهب الإنسان إلى الأماكن التي تثير في قلبه المحرم والرّذيلة والفاحشة والفساد يجِد أنَّ نفسه انتقلت إلى نفس أمارة بالسُّوء.

محاسبة ومجاهدة

     وهذه المعاني تؤكد لنا أنَّ النفس تحتاج من العبد إلى محاسبة وإلى مجاهدة، وهذه المحاسبة والمجاهدة والمتابعة للنّفس هي نوع من الجهاد في سبيل الله، وقد قال -عليه الصلاة والسلام- في خطبته في حجة الوداع: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ»، ولا شك أنّ هذا جهاد، ولا شك أنّ النّفس تحتاج إلى جهاد وتحتاج إلى مُتابعة، وقد يجد الإنسان في بداية الأمر شيئا من المشقة وشيئا من الصعوبة، وإذا مضى مستعيناً بالله بلغ بإذنِ الله -سبحانه وتعالى- مبْلغاً عظيماً مباركاً في تزكيتهِ لنفسه.

مثلان عظيمان

ونعرض لكم مثلين عظيمين ضربهما عالمان جليلان لهما عناية دقيقة في هذا الباب؛ باب تزكية النّفس:

- المثل الأول: للإمام الآجري -رحمه الله تعالى- ذكره في كتابه (أدب النُّفوس)، وإنّ كان صغير الحجم إلّا أنّه كبير الفائدة عظيم النفع.

- والمثل الثاني: ضربه العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه (مدارج السالكين).

النّفس كالمهرِ الحسن من الخَيل

     نقف أولاً مع المثل الذي ضَربه الإمام الآجري -رحمه الله-، وأُؤكد على التأمُلِ في المثل وفي مضامينه ودلالاته وأبعاده؛ لأن الأمثال مِن شأنِها تقريب المعاني وجعلها بمثابة الأشياء الملموسة المحسوسة، فيتضح الأمر تماماً، يقول الآجري -رحمه الله-: «وأنا أُمثِّل لك مثالاً لا يخفى عليك أمرها إن شاء الله- يعـني إذا تأملت المثل -، اعلم أنّ النّفس مثلها كمثل المهرِ الحسن من الخَيل، إذا نظر إليه النّاظر أعجبهُ حُسنه وبهاؤُه، فيقول أهل البصيرة به - يقولون لصاحب هذا المهر: لا يُنتفع بهذا حتى يُراض رياضة حسنةً ويؤدَّب أدباً حسناً، فحينئذ يُنتفع به فيصلح للطلَب والهرب، ويَحمَد راكبه عواقبَ تأديبه ورياضته، فإن لم يُؤدَّب لم يُنتفع بحسنه ولا ببهائه ولا يَحمَد راكبه عواقبَه عند الحاجة، فإن قبِل صاحب هذا المهر قول أهل النصيحة والبصيرة به علِم أنّ هذا قولٌ صحيح فدفعه إلى رائضٍ فراضه، ثم لا يصلح أنْ يكون الرائض إلا عالماً بالرياضة، معه صبر على ما معه من علْم الرياضة، فإنْ كان معه علمٌ بالرياضة ونصيحة انتفع به صاحبه، فإن كان الرائض لا معرفة معه بالرياضة ولا علم بأدب الخيل أفسد هذا المهر وأتعب نفسه ولم يَحمَد راكبُه عواقبه، وإنْ كان الرائض معه معرفة بالرياضة والأدب بالخيل إلّا أنّه مع معرفته لم يصبر على مشقة الرياضة، وأحبَّ الترفيه لنفسه وتوانى عما وجَب عليه من النّصيحة في الرياضة أفسد هذا المهر، وأساء إليه، ولم يصلح للطلب ولا للهرب، وكان له منْظر بلا مَخْبَر، فإن كان مالكه هو الرائض له ندم على توانيه يوم لا ينفع الندم، وحين نظر إلى غيره في وقت الطلب قد طلب فأدرك وفي وقت الهرب قد هرب فسَلِم، وطلب هو فلم يُدرِك وهرب فلم يسْلم، كل ذلك بتَوانيه وقلة صبره بعد معرفته منه، ثم أقبل على نفسه يلُومها ويُوبخها فيقول: لمَ فرطتِ؟ لمَ قصَّرتِ؟ لقد عاد علي من قلة صبري كل ما أكره، والله المستعان، اعقلوا رحمكم الله هذا المثل وتفقهوا به تُفلحوا وتنجحوا». ثم نقل رحمه الله عن وهب بن منبّه - وهو من علماء التابعين - قال: «النّفس كنفوس الدّواب، والإيمان قائد، والعمل سائق، والنّفس حَـرون، فإن فتر قائدُها حرنَت على سائقها، وإن فَتَر سائقها ضلَّت على الطريق».

     هذا المثل الأول وهو للإمام الآجري -رحمه الله تعالى- ويوضح أنّ النّفس البشرية تحتاج من صاحبها إلى رياضة وصبرٍ عليها، وأنْ يكون على علم بالأمور التي تُصلح النّفس وتزكِّيها في ضوء دلائل كتاب الله عـز وجل وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -، وأنّ الإنسان إنْ فرَّط في هذا الجانب سيندم في نهاية المطاف غاية الندم.

النّفس جبلٌ عظيمٌ

     والمثل الثاني للإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- أورده في كتابه مدارج السالكين فقال -رحمه الله-: «النّفس جبلٌ عظيمٌ شاقٌ في طريق السّير إلى الله تعالى، وكل سائر لا طريق له إلاّ على ذلك الجبل؛ فلا بُد أن ينتهي إليه، ولكن منهم - أي من النّاس - من هو شاقٌ عليه، ومنهم من هو سهلٌ عليه وإنَّه ليسيرٌ على من يسره الله عليه، وفي ذلك الجبل أودية وشُعوب وعَقبات ووهُـود وشوك وعوسَج وعُـلَّيْـق وشِبرق ولصوص يقطعون الطريق على السائرين ولاسيما أهل الّليل المدلجين، فإذا لم يكن معهم عُـدَدُ الإيمان ومصابيح اليقين تَتَّـقِد بزيت الإخبات، وإلا تعلقت بهم تلك الموانع وتشبَّثت بهم تلك القواطع وحالت بينهم وبين السّير، فإنَّ أكثر السّائرين فيه رجعوا على أعقابهم لمّا عجزوا عن قطعه واقتحام عقباته، والشّيطان على قُـلَّـة ذلك الجبل - أي على أعلاه - يُحذرُ النّاس من صعوده وارتفاعه ويُخوِّفهم منه، فيتـفِق مشقة الصعود وقُعود ذلك المخوِّف على قُـلّـتِه، وضَعف عزيمة السّائر ونيته، فيتولد من ذلك الانقطاع والرّجوع، والمعصوم من عصمَه الله».

     هذا المثل وكذلك المثل الذي قبله يُبين لنا حال النّفس، وأن النّفس البشرية تحتاج من صاحبها إلى تعاهد وإلى مُتابعة وإلى مُعالجة وإلى مُداواة وإلى رعاية، فإنْ لم يتابعها، إنْ لم يُراقبها، إنْ لم يجاهدها تنفلت منه وتضيع، ومِن الخير للإنسان أن يُحاسب نفسه ما دام في دار المهلة ودار العمل قبل أنْ يُحاسبه ربّ العالمين في دار الجزاء يوم القيامة، ولهذا جاء عن الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنّه قال: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا، وتزينوا للعرض الاكبر، يوم تعرضون لا يخفي منكم خافية».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة