أخبار سريعة
الأربعاء 28 اكتوبر 2020

مقالات » التوازن الفكري (2) التصورات الصحيحة أولى معطيات التوازن الفكري

للكاتب: د. محمد السعيدي

نسخة للطباعة

التوازن الفكري (2) التصورات الصحيحة أولى معطيات التوازن الفكري


ما زال الحديث موصولاً عن قضية التوزان الفكري، وكنا قد تحدثنا في محاور عدة في المقال السابق، منها الفهم لمعنى الفكر، والفرق بين الرأي العام والفكر، وآليات التوازن الفكري، ثم مقومات التوزان الفكري، واليوم نستكمل ما بدأناه.

     الحصول على تصورات صحيحة هي أولى معطيات التوازن الفكري؛ لأن التصورات هي مفردات التفكير كما أن الحروف هي مفردات اللغة، وبما أن التعبير لا يمكن أن يكون صحيحا بغير حروفه الموضوعة له فالفكر لا يمكن أن يكون مستقيما دون تصورات صحيحة، والحصول على التصور الصحيح هو مسؤولية المفكر نفسه، وأيضا مسؤولية المستهلك نفسه، والقيام بها -المسؤولية المنوطة- يحتاج إلى جهد يتوانى الكثير ممن يمارسون الكتابة في القضايا الفكرية عن تحصيله، وكذلك المستهلكون للفكر، فلم يعد لديهم الجلد حتى على تحليل الأفكار إلى تصوراتها الأولية لفحصها، فجمع التصورات عند كثير من الكتاب أو فحصها عند نسبة أكبر من المستهلكين يتم بطريقة متقاربة في كل القضايا التي يتطرقون إليها.

مرحلة إحداث النسبة

     بعد جمع التصورات تأتي مرحلة إحداث النسبة بينها لتكوين ما يسميه المناطقة بالتصديق وهو كما قدمت: الإدراك المتضمن للحكم، فالتصديق هو نسبة التصورات إلى بعضها، فبعد أن أتصور القطب الشمالي، وأتصور معنى التجمد، وأتصور معنى تمركز الشمس وانحرافها، أحكم على القطب الشمالي بأنه متجمد، فقولنا القطب متجمد، تصديق مبني على عدد من التصورات أدت النسبة الصحيحة لبعضها بعضا إلى هذه النتيجة، والأفكار الكلية أو الجزئية هي مجموعة من التصديقات، يجري العقل النسبة بينها لتكون الفكرة، وبذلك يمكن مناقشة كل فكرة من خلال نقد التصورات الأولية التي بنيت عليها أو نقد أي من التصديقات المؤسسة لها أو نقد النسبة بين التصديقات المكونة لها.

 وكلما كانت التصورات ناشئة من مصادر صحيحة للتصور كانت أكثر مناعة عند النقد، وكذلك النسبة بينها أو النسبة بين التصديقات تعتمد مناعتها عند النقد على مدى صحة نسبة بعضها إلى بعض أو ترتب بعضها على بعض.

مصادر التصورات

ولهذا يناسب هنا أن أعرج بإيجاز على مصادر التصورات:

(1) الحس مصدر مقر من مصادر التصور، والتصورات الناشئة عن الحس هي أقوى التصورات على الإطلاق ولذلك كان استخدام القرآن الكريم للتصورات الحسية كثيرا كمقدمات صغرى وكبرى للوصول إلى نتائج عقلية كما في قوله -تعالى- من سورة الغاشية: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ}، فالإبل وخلقها والسماء ورفعها والجبال ونصبها والأرض وتسطيحها، كلها تصورات مصدرها الحس، ولم يمنع ذلك أن تكون النسبة العقلية بينها طريقا للوصول إلى نتيجة غيبية.

 عجز الحس عن رصد التصورات

     إلا أن الحس يبقى عاجزًا عن رصد كثير من التصورات التي يحتاج الإنسان إلى الحكم عليها لحياته العامة الاجتماعية أو لتسيير حركته العلمية أو البرهنة على قناعاته الدينية، وهذا العجز حاول القدماء التخلص منه بطرائق، منها اعتبار التواتر المعنوي قائما مقام الحس، كتصور المدن النائية أو الشخوص التاريخية القديمة، وهو حل لم ينكره القرآن بل أقره، وذلك في مثل قوله -تعالى-: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} (العنكبوت: 38)، فالأمم السابقة كعاد وثمود كانت معروفة عند العرب بطريق التواتر المعنوي، وأقر الله هذه المعرفة وبنى -سبحانه وتعالى- خطابه عليها: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} (السجدة: 26).

الفطرة تدل على الله

(2) الفطرة وهي وإن كانت التصورات المنبعثة عنها أقل بكثير مما ينتج عن المصادر الأخرى إلا أنها تدل على أعظم مدلول وهو الله، كما تدل على نسبة الخلق إليه -سبحانه وتعالى-، ونفي الشريك عنه فهي تدل على الله -تعالى- تصورا وتصديقا، وهذا مدلول قوله -عز وجل-: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 172) أما ما سوى ذلك من مدلولات فمن الفلاسفة المثبتين للفطرة من يثبتها ومنهم من ينكرها.

الوحي مصدر مفردات عالم الغيب

(3) الوحي وهو مصدر يكاد يكون وحيدا لتصورات مفردات عالم الغيب كالملائكة والجن والشياطين والجنة والنار والحوض والصراط ونعيم القبر وعذابه، وبذلك يكون مصدرا وحيدا أيضا لما يتعلق بها من تصديقات.

وهو أيضا مصدر وحيد لتصور مفردات الدين كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وهو أيضا مصدر وحيد للتصديقات الناشئة عن نسبتها إلى بعضها.

خبر الموثوق

(4) وهو مصدر صحيح للتصورات شريطة أن يكون الموثوق منطلقا في نقله عن أحد مصادر التصور الصحية المتقدمة.

مصدر العقل

ومن الطبيعي أن نسأل عن العقل: أليس هو أيضا مصدرًا من مصادر التصورات؟

- والجواب: قد يتبادر إلى الذهن أن التصور هو عملية عقلية صرفة، وهذا حق، لكن التصورات موجودة في الخارج والتعرف عليها يتم بالطرق الأربع المتقدمة، وليس للعقل قدرة على استحداث تصورات من تلقاء نفسه، وإنما هو ذاكرة لتلك التصورات التي يتعرف عليها العقل بطريق الحس أو الوحي أو الخبر المتواتر أو خبر الموثوق.

      نعم أن بمقدوره تكوين الصورة بطريق التذكر أو بطريق التركيب أو بطريق الانتزاع والتخيل، بل إن العقل هو الوسيلة الأولى للربط بين المتصورات لإحداث النسبة التي ينتج عنها التصديق، كما أنه الفاعل الأقوى أيضا في الربط بين التصديقان للحصول على الفكرة أو مجموعة الأفكار، كل ذلك صحيح لكنه لا يعني أنه مصدر من مصادر التصور بل هو الآلة الوحيدة لحفظها والتحكم فيها.

من أسباب الاضطراب الفكري

     ومن أسباب الاضطراب الفكري اعتبار العقل مصدرا للتصورات، فإننا نجد أن هناك فئة تقيم تصديقاتها على تصورات مصدرها العقل، والحقيقة أن كل تصور مصدره العقل: ليس له وجود خارجي حقيقي فهو إما متخيل وإما موهوم، وبما أن التصديقات -ومن ثم الأفكار- تعد التصورات هي لبناتها، فإن كل تصديق مبني على تصور موهوم أو متخيل لا يمكن أن ينتج عنها أفكار متزنة.

مثال ذلك: العنقاء، طائر خيالي، وحل الأكل أو حرمته حكمان شرعيان، فحين أجمع بين هذين التصورين العنقاء وحكم الحل أو العنقاء وحكم الحرمة فإنني أخرج بتصديق فاسد وهو حل لحم العنقاء أو حرمته.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة