أخبار سريعة
الخميس 26 نوفمبر 2020

مقالات » الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صلى الله عليه وسلم - الحلقة الثانية

نسخة للطباعة

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صلى الله عليه وسلم -   الحلقة الثانية


المطلوب من العباد في كل وقت هو بناء الدعوة على أصول جامعة وكليات عامة، وتأسيس الأعمال على الإخلاص والاتباع، والنهوض بأعباء الدين ببصيرة وعلو همة، وهذا المطلوب هو عنوان الكرامة والظفر ورمز العزة والفخر؛ لاسيما إذا تعلّق الأمر بنصرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوقيره؛ إذ النُّصرة حقيقة جامعة لكل الوسائل والأسباب والأحوال المتاحة التي بها يتحقق الانتصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - والدفاع عنه، وذلك بطاعة أمره، والسعي إلى نصرته وتعزيره، والجهاد في سبيل دينه والذب عنه، وبيان ما أُرسل به من الحق، وهي - عند الحقيقة - علامةُ الحب الواجب ودليلُ الوفاء الصادق.

ثانياً: الانتصار للنبي - صلى الله عليه وسلم - حكم شرعي يوجد عند وجود سببه وتحقق شرطه وانتفاء مانعه.

     الإذن بالدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم شرعي له أسبابه وشروطه وموانعه، وهو على أنواع، وله وسائل ومقاصد، وجميعه داخل في معنى الحكم الشرعي؛ فإذا وجد ما يقتضي الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لكنّ المانع كان أقوى وأولى اعتباراً -كما سنبينها في مبحث الضوابط الشرعية - يكون الإمساك عن الدفع متعيّناً والاحتياط في التوقف أولى وأحرى، ويدفع المؤمن وقتئذٍ عن نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالقلوب الصادقة والأعمال الصالحة والأدعية الخالصة؛ إذ الأحكام الشرعية للنّصرة تتنوع بتنوع المصالح والأحوال والأوقات، وهي تقبل التفاوت والتبعيض والانقسام، ويشتغل الموفق في كل وقت بما هو واجب ذلك الوقت.

الأدلة على اعتبار الأسباب والشروط

     ومن الأدلة على اعتبار الأسباب والشروط وزوال الموانع عند الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما روى عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: قال: «لما كان يومُ حُنين آثرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ناساً في القسمة، فأعطى الأقْرَعَ بن حابِس مائة من الإِبل، وأعطى عُيينةَ بنَ حِصن مثل ذلك، وأعطى ناسا من أشراف العرب، وآثَرَهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: «والله إن هذه لَقِسمَة ما عُدِلَ فيها، ولا أُرِيدَ فيها وجهُ الله، قال: فقلتُ: والله لأُخْبِرنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: فأتَيتُهُ فأخبرتُهُ بما قال، فتغير وجهه، حتى كان كالصِّرْف، ثم قال: فمن يَعدلُ إِذا لم يعدل الله ورسولُهُ؟ ثم قال: يرحم الله موسى، قد أُوذِيَ بأكثر من هذا فَصَبَرَ، قلتُ: لا جرم، لا أَرفع إِليه بعدَها حديثا».

قال النووي - رحمه الله تعالى -:» فلعله - صلى الله عليه وسلم - لم يعاقب هذا القائل لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد وشهادة الواحد لا يراق بها الدم.

قال القاضي هذا التأويل باطل يدفعه قوله: «اعدل يا محمد، واتق الله يا محمد»، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر وخالدٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في قتله فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه فهذه هي العلة».

أي: هذا من قبيل التعليل بالمانع؛ فإن المقتضي للعقوبة قائم لكن قد قام مانع يمنع الحكم، وقد تكرر هذا المعنى - أيضاً- في قصة عبد الله بن أبي بن سلول لما قال: {يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ}؛ فقال عمر - رضي الله عنه-: «ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث؟»؛ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يتحدث الناس أنه كان يقتل أصحابه».

ثالثا: الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله -تعالى:

يجزم من له نظر في أدلة الشريعة ومواردها أن الجهاد جنس تحته أنواع، وهو كلمة جامعة لاستفراغ الوسع في مدافعة العدو، وهو ثلاثة أضرب: مجاهدة العدو الظاهر كالكفار، ومجاهدة الشيطان، ومجاهدة النفس.

   ويدخل الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بأي وسيلة شرعية كانت في الجهاد الشرعي، بل هو من أعظم أنواعه وأشرفها؛ فالمدافع مجاهد في سبيل الله، وقد قال -تعالى-: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الكِتَابَ وَالمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)؛ فالآية صريحة في بيان أن من مقاصد الجهاد وإنزال الحديد نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم .

     قال ابن كثير - رحمه الله- في تفسيرها:» وقوله: {وَأَنزلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أي: وجعلنا الحديد رادعًا لمن أبى الحق وعانده بعد قيام الحجة عليه؛ ولهذا أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية، وكلها جدال مع المشركين، وبيان وإيضاح للتوحيد، وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف، وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده... وقوله: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} أي: من نيته في حمل السلاح نصرة الله ورسله، {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} أي: هو قوي عزيز، ينصر من نصره من غير احتياج منه إلى الناس، وإنما شرع الجهاد ليبلو بعضكم ببعض».

لهذا قرنت الآيات القرآنية بين الجهاد والنُّصرة في غير موضع، كما قال -تعالى-: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ المُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (الأنفال:74).

      قال الشنقيطي- رحمه الله- في تفسيرها:» فذكر المهاجرين بالجهاد بالمال والنفس، وذكر معهم الأنصار بالإيواء والنصر، ووصف الفريقين معاً بولاية بعضهم لبعض، وأثبت لهم معاً حقيقة الإيمان {أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}، أي الصادقون في إيمانهم فاستوى الأنصار مع المهاجرين في عامل النصرة وفي صدق الإيمان».

نصرة النبي جهاد عظيم

     والجهاد في نصرة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما عند تكالب الأعداء والمنافقين على النيل منه ومن سنته درجة عظيمة ومنزلة كبيرة، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-:» إن نصر رسول الله فرض علينا؛لأنه من التعزير المفروض، ولأنه من أعظم الجهاد في سبيل الله، ولذلك قال -سبحانه-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ} (التوبة:38) إلى قوله {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ} {التوبة:40} وقال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ قَالَ الحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللهِ} (الصَّف:14) الآية؛ بل نصر آحاد المسلمين واجب بقوله: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، وبقوله: «المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه»، فكيف بنصر رسول الله ومن أعظم النصر حماية عرضه ممن يؤذيه».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة