أخبار سريعة
السبت 23 يناير 2021

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - أحكام الضيافة وآدابها من قصة إبراهيم -عليه السلام

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - أحكام الضيافة وآدابها من قصة إبراهيم -عليه السلام


لا نزال مع قوله -تعالى-: {وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَن جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} (سورة هود: 69)، قال ابن سعدي: «{فَمَا لَبِثَ} إبراهيم لما دخلوا عليه {أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ} أي: بادر لبيته، فاستحضر لأضيافه عجلا مشويا على الرضف سمينا، فقربه إليهم فقال: ألا تأكلون؟».

فمن المسائل المستفادة من هذه الآية الكريمة أحكام الضيافة وآدابها، قال ابن كثير: «وقد تضمنت هذه الآية آداب الضيافة من وجوه كثيرة».

الضيافة من مكارم الأخلاق

     ولا شك أن الضيافة من مكارم الأخلاق، ومن آداب الإسلام، وأنها من سنن المرسلين، وصفات عباد الله الصالحين، قال سعيد بن المسيب: «إن أول من أضاف الأضياف هو إبراهيم الخليل -عليه السلام- كما قال -تعالى-: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} (سورة الذاريات:24).

الضيافة من أسباب الرفعة

والضيافة من أسباب الرفعة والصيت الحسن، قال أبو حاتم البستي: «كل من ساد في الجاهلية والإسلام حتى عرف بالسؤدد، وانقاد له قومه، ورحل إليه القريب والقاصي، لم يكن كمال سؤدده إلا بإطعام الطعام، وإكرام الضيف».

تعريف الضيافة وحكمها

     الضيافة هي اسم لإكرام الضيف، والنازل بغيره لطلب الإكرام والإحسان إليه، وقد رغب الإسلام في الضيافة وعدها من أمارات صدق الإيمان؛ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» متفق عليه، وقد اتفق الفقهاء على أن الضيافة مشروعة، قال النووي: «أجمع المسلمون على الضيافة، وأنها ومن متأكدات الإسلام»، إلا أنهم اختلفوا في وجوبها على ثلاثة مذاهب:

المذهب الأول: الاستحباب

      الضيافة مستحبة وليست واجبة، وهو مذهب الجمهور، لحديث أبي شريح الخزاعي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته» قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: «يوم وليلة والضيافة ثلاثة أيام فما كان وراء ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه» متفق عليه.

وجه الدلالة في قوله: «فليكرم ضيفه جائزته»، والجائزة هي العطية والصلة التي أصلها الندب، قال ابن بطال: «والجائزة تفضل وإحسان وليست بواجبة».

قال النووي: «معناه الاهتمام به في اليوم والليلة، وإتحافه بما يمكن من بر وإلطاف، وأما في اليوم الثاني والثالث فيطعمه ما تيسر، ولا يزيد على عادته، وأما ما كان بعد الثلاثة فهو صدقة ومعروف إن شاء فعل وإن شاء ترك».

المذهب الثاني: الوجوب

     وجوب الضيافة مطلقا سواء في المدن أو في البادية، وقال به الليث وهو مذهب الحنابلة والظاهرية، لحديث المقدام بن معدي كرب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «ليلة الضيف واجبة، فإن أصبح الضيف بفنائه فهو دين عليه، فإن شاء اقتضى، وإن شاء ترك» أخرجه ابن ماجه، قال الشوكاني عن الحديث أنه: «تصريح بوجوب الضيافة، ولم يأت ما يدل على تأويله».

ونوقش هذا الاستدلال بما قاله النووي: «وتأول الجمهور هذه الأحاديث وأشباهها على الاستحباب ومكارم الأخلاق وتأكد حق الضيف كحديث: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» أي: متأكد الاستحباب، وتأولها الخطابي وغيره على المضطر».

المذهب الثالث: الوجوب على أهل القرى

     الضيافة واجبة على أهل القرى دون أهل الأمصار، وهو مذهب المالكية ورواية عن أحمد؛ لأن المسافر يجد في الأمصار المسكن والطعام وما يحتاج إليه، فلا مشقة تلحقه إن لم يضيفه أحد، أما في القرى والبوادي فلا يجد ما يحتاج إليه فهو كالمضطر إلى من يضيفه، فيجب عليهم أن يقوموا بضيافته بما تيسر.

     وهو المذهب الأظهر الذي تجتمع به الأدلة، ودل عليه حديث عقبة بن عامر قال: قلنا للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يقروننا، فما ترى فيه؟ فقال لنا: «إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا، وإن لم يفعلوا فخذوا منهم حق الضيف» متفق عليه. وهو ظاهر الدلالة في النزول على أهل القرى.

آداب الضيافة

ذكر العلماء مجموعة من آداب الضيافة في حق المضيف ومن جانب الضيف:

آداب المضيف

قال أبو حاتم: «وعنصر قرى(إكرام) الضيف هو ترك استحقار القليل، وتقديم ما حضر للضيف؛ لأن من حقّـر منع، مع إكرام الضيف بما قدر عليه، وترك الادخار عنه، وسئل الأوزاعي: ما إكرام الضيف؟ قال: «طلاقة الوجه، وطيب الكلام».

قال أبو حاتم: «والخدمة بالنفس، فإنه لا يذل من خدم أضيافه».

قال ابن مفلح: «وَيُسْتَحَبُّ لِصَاحِبِ الطَّعَامِ أَنْ يُبَاسِطَ الْإِخْوَانَ بِالْحَدِيثِ الطَّيِّبِ وَالْحِكَايَاتِ الَّتِي تَلِيقُ بِالْحَالِ إذَا كَانُوا مُنْقَبِضِينَ.

ومن آداب المضيف تَعْجِيلُ الطَّعَامِ فَذَلِكَ مِنْ إِكْرَامِ الضَّيْفِ، وَمَهْمَا حَضَرَ الْأَكْثَرُونَ وَغَابَ وَاحِدٌ أَوِ اثْنَانِ وَتَأَخَّرُوا عَنِ الْوَقْتِ الْمَوْعُودِ فَحَقُّ الْحَاضِرِينَ فِي التَّعْجِيلِ أَوْلَى مِنْ حَقِّ أُولَئِكَ فِي التَّأْخِيرِ.

     قَال -تعالى-: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ} (الذَّارِيَاتِ: 24) قال بعض المفسرين: أَنَّهُمْ أُكْرِمُوا بِتَعْجِيلِ الطَّعَامِ إِلَيْهِمْ، دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ -تعالى-: {فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ}، قال القرطبي: «في هذه الآية من أدب الضيف أن يعجل قراه، فيقدم الموجود الميسر في الحال، ثم يتبعه بغيره إن كان له جَدَّةٌ (مكانة ومنزلة عند الناس)، ولا يتكلف ما يضر به».

     قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ: «زُرْتَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَيْتَهُ قَامَ فَاعْتَنَقَنِي وَأَجْلَسَنِي فِي صَدْرِ مَجْلِسِهِ فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَلَيْسَ يُقَالُ صَاحِبُ الْبَيْتِ وَالْمَجْلِسِ أَحَقُّ بِصَدْرِ بَيْتِهِ أَوْ مَجْلِسِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَقْعُدُ، وَيُقْعِدُ مَنْ يُرِيدُ. قَالَ: قُلْتُ فِي نَفْسِي: خُذْ يَا أَبَا عُبَيْدٍ إلَيْكَ فَائِدَةً. ثُمَّ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوْ كُنْتُ آتِيكَ عَلَى حَقِّ مَا تَسْتَحِقُّ لَأَتَيْتُكَ كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: لَا تَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنَّ لِي إخْوَانًا مَا أَلْقَاهُمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ إلَّا مَرَّةً أَنَا أَوْثَقُ فِي مَوَدَّتِهِمْ مِمَّنْ أَلْقَى كُلَّ يَوْمٍ. قُلْتُ: هَذِهِ أُخْرَى يَا أَبَا عُبَيْدٍ. فَلَمَّا أَرَدْت الْقِيَامَ قَامَ مَعِي قُلْتُ: لَا تَفْعَلْ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: فَقَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: مِنْ تَمَامِ زِيَارَةِ الزَّائِرِ أَنْ تَمْشِيَ مَعَهُ إلَى بَابِ الدَّارِ وَتَأْخُذَ بِرِكَابِهِ».

وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ «إنَّ مِنْ السُّنَّةِ إذَا دَعَوْتَ أَحَدًا إلَى مَنْزِلِكَ أَنْ تَخْرُجَ مَعَهُ حَتَّى يَخْرُجَ «ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ في بهجة المجالس».

من آداب الضيف

قال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: «وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَوَاضَعَ فِي مَجْلِسِهِ إذَا حَضَرَ، وَأَلَا يَتَصَدَّرَ، وَإِنْ عَيَّنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّارِ مَكَانًا لَمْ يَتَعَدَّهُ».

     ويجمل القاسمي بعض الآداب في «موعظة المؤمنين» فيقول: «فَأَدَبُهُ أَنْ يَدْخُلَ الدَّارَ وَلَا يَتَصَدَّرَ فَيَأْخُذَ أَحْسَنَ الْأَمَاكِنِ بَلْ يَتَوَاضَعَ، وَلَا يُطَوِّلَ الِانْتِظَارَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يُعَجِّلَ بِحَيْثُ يُفَاجِئُهُمْ قَبْلَ تَمَامِ الِاسْتِعْدَادِ، وَلَا يُضَيِّقَ الْمَكَانَ عَلَى الْحَاضِرِينَ بِالزَّحْمَةِ، بَلْ إِنْ أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمَكَانِ بِمَوْضِعٍ لَا يُخَالِفُهُ الْبَتَّةَ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ رَتَّبَ فِي نَفْسِهِ مَوْضِعَ كُلِّ وَاحِدٍ فَمُخَالَفَتُهُ تُشَوِّشُ عَلَيْهِ، وَلَا يَجْلِسَ فِي مُقَابَلَةِ بَابِ الْحُجْرَةِ الَّذِي لِلنِّسَاءِ وَسِتْرِهِمْ، وَلَا يُكْثِرُ النَّظَرَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الطَّعَامُ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى الشَّرَهِ، وَيَخُصَّ بِالتَّحِيَّةِ وَالسُّؤَالِ مَنْ يَقْرُبُ مِنْهُ إِذَا جَلَسَ».

     قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: «وَمِنْ آدَابِ الزَّائِرِ أَلَا يَقْتَرِحَ طَعَامًا بِعَيْنِهِ، وَإِنْ خُيِّرَ بَيْنَ طَعَامَيْنِ اخْتَارَ الْأَيْسَرَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مُضِيفَهُ يُسَرُّ بِاقْتِرَاحِهِ، وَلَا يُقَصِّرُ عَنْ تَحْصِيلِ ذَلِكَ». «وأَنْ يَنْصَرِفَ الضَّيْفُ طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِنْ جَرَى فِي حَقِّهِ تَقْصِيرٌ فَذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ وَالتَّوَاضُعِ. وأَلَا يَخْرُجَ إِلَّا بِرِضَاءِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ وَإِذْنِهِ، وَيُرَاعِيَ قَلْبَهُ فِي قَدْرِ الْإِقَامَةِ».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة