أخبار سريعة
السبت 23 يناير 2021

مقالات » خطبة الحرم المكي - الشيخ السديس: الفجور في الخصومة خصلة من النفاق وزرعٌ للفتنة والشقاق

للكاتب: المحرر الشرعي

نسخة للطباعة

خطبة الحرم المكي - الشيخ السديس: الفجور في الخصومة خصلة من النفاق وزرعٌ للفتنة والشقاق


في خطبة مميزة ألقاها إمام الحرم المكي الشيخ عبدالرحمن السديس الجمعة 10 من جمادى الأولى الموافق 25 ديسمبر 2020، حذر فيها المسلمين من بعض الظواهر الخطيرة التي وصفها بأنها جديرة بالطرح والدراسة والمعالجة، كما وصفها بأنها منكر فاحش في حقيقته، علْقَمٌ في سريرته، حنظلٌ في نتيجته، خَطَرُه على الأفراد شديد وللمجتمعات مقوِّض مبيد، مشوّهٌ لإشراقات الدين وجماليات الرسالة، إنه هَتْكُ الحرمات عند الشقاق، ونشر المساوئ في الآفاق بعد المحبة والوفاق، أو قل إن شئت الفجور في الخصومة بعد حسن العشرة وطيب الأرومة (مابقي من ود).

الاختلاف سنة كونية

     وبين الشيخ السديس أن الاختلاف سنة من سنن الله الكونية، يقول سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ}، لكن الخلاف هو الشر الذي يؤدي إلى النزاعات والخصومات والفساد والإفساد، يقول العلامة ابن القيم -رحمه الله-: «ووقوع الاختلاف بين الناس أمر ضروري لابد منه، لتفاوت إراداتهم وأفهامهم وقوى إدراكهم، لكن المذموم، بغي بعضهم على بعض وعدوانه».

الاختلاف من الفطرة

     وأضاف، الاختلاف أمر فطري، أما الخلاف والشقاق والتخاصم والفراق، فهو المنهي عنه بنصوص الشريعة الغراء، فكمْ جرّت هذه الفاجعة المكيدة من قوارع على البلاد والعباد، بتشويه وجه الحق والوقوف في سبيله، ثم هضمٍ لحقوق كثير من المسلمين في دينهم وأعراضهم، وتحجيم لانتشار الخير بينهم!

بلاء عمَّ واستشرى

     وأكد الشيخ السديس أن هذا البلاء قد عمّ واستشرى لدى فئام من الناس، في أعقاب الزمن الذي شوّهوا فقه الباطن والعلن، فلم يرقبوا في مؤمن إلاّ ولا ذمة، وما يقتضيه شرف النفس وعلو الهمّة، ولم يجلوا من أحكام الشريعة والوقوف بين يدي الله -عز وجل-، فدنّسوا ذواتهم وألسنتهم، وساخوا بأرجلهم في هذا الأَسَنِ والعَفَن، بمجرد خلاف أحدهم مع أخيه أو زوجه أو جاره أو صديقه، تنهمر شلالات القدح والذّم، وربما وصل الأمر للرمي بالنفاق والردّة والكفر، عياذًا بالله، ونبرأ إلى الله، ناهيكم عن السّب واللعن والفحش والقذف والتطاول والفتنة وسوء الظن بالمسلمين، ونصب أسلحة دمار القِيَم الشامل، وتمني الموت الزؤام للخصم، في مكر كبّار له قرون، في حَنْقٍ (سخط وغضب) وخبال (بغير تعقل) وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال.

خصلة من النفاق

     وبين الشيخ السديس أن هؤلاء تناسوا أنّ الفجور في الخصومة خصلة من النفاق، وزرعٌ للفتنة والشقاق، {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}، وإنك لواجد في المحاكم والشُرَط من أحوال المتخاصمين وفي مواقع ووسائل التواصل الاجتماعي من ذلك ما يَندى له جبين أهل الشرف والمروءة، وما يتنافى مع الودّ وصادق الأخوة.

أخوك الذي لا يَنْقُض النَأْي عهده

                                            ولا عند صرف الدهر يزْوَرُّ جانبه

وليس الذي يلقاك بالبشر والرضا

                                            وإن غبت عنه لسعتك عقاربه

سلوك هدَّام

     وعن أثر هذا السلوك قال الشيخ السديس: إنّ الفجور في الخصومة سلوك رثٌّ هدّام، وخُلُقُ أهل الفسق اللئام، محادٌّ لشرع الله وهدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - ولفظاعة هذا الداء الدّوِي، والخُلُق الدّنِي، ولإخلاله بمقاصد الشريعة وأحكامها المنيعة، جاءت النصوص فيه بالتحريم والوعيد، والتهديد والويل الشديد، قال -تعالى-: {وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ}، وقال -جل وعلا-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ}، قال الإمام الطبري- رحمه الله -: «الألدُّ من الرجال الشديد الخصومة، فهو شديد القسوة في معصية الله، جَدِلٌ بالباطل لا يستقيم على خصومة، وروى البخاري في صحيحه من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنّ أبغض الرجال الألدُّ الخصِم». وكَوْن الإنسان يحب أو يبغض، أو يوافق أو يخالف أمر جِبِلّي، لكن أنْ يحمله على الفجور عند الخلاف والخصومة في اتخاذ مواقف سلبية، أو تصفية حسابات وهمية، فليس من المروءة والديانة والقيم في شيء، والله المستعان.

وإنّ خيار الناس من كان منصفا

                                    صدوقا لبيبا صانه الدين فانزجر

وإنّ شرار الناس من كان مائلا

                                    عن الحق إن خاصمته مرة فَجَرْ

     وروى الإمام أحمد في مسنده، وأبو داوود في سننه بسند صحيح من حديث عبدالله بن عمر-رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول: «من خاصم في باطل وهو يعلمه لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال» (وردغة الخبال هي عصارة أهل النار، وما يخرج من أجسادهم من قيح وصديد)، عياذًا بالله من سخطه وأليم عقابه، وفي الصحيح: «إن أربى الربا استطالة المرء في عرض أخيه».

 

لا ينسينّك ذو الجلال محاولا

                                    تبيين مطموس وطمس مبين

ماذا تقول إذا سُئلت محاسَبا

                                    والخائضون على شفا سجّين

علامة النفاق الخالص

     ولقد جعل الإسلام الفجور في الخصومة علامة من علامات النفاق الخالص، فعن عبدالله بن عمرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا.....»، وذكر منها (وإذا خاصم فَجَر) متفق عليه، قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: «الفجور هو الميل عن الحق والاحتيال في ردّه»، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: الفجور اسم جامع لكل مجاهر بالمعصية، أو كلام قبيح يدل السامع له على فجور قلب قائله.

منهج السلف عند الخلاف

     وأضاف الشيخ السديس، وهذه الصفات الشائنة يأنف منها أهل الشرف والمروءة، قيل لأبي سفيان t ما بَلَغَ بك من الشرف؟ قال: ما خاصمت رجلا إلا جعلت للصلح بيني وبينه موضعا. وأورد الإمام الذهبي -رحمه الله- عن يونس الصدفي - رحمه الله- أنه قال: ما رأيت أعقل من الشافعي، ناظرته يوماً في مسألة ثم افترقنا. ولقيَني فأخذ بيدي، ثم قال: يا أبا موسى ألا يستقيم أن نكون إخوانا وإن لم نتفق في مسألة. الله أكبر، هذا هو منهج السلف الصالح عند الخلاف والخصومة، ائتلاف لا اختلاف.

إنّ الكريم إذا تَمَكّن من أذى

                                    جاءته أخلاق الكرام فأقلعا

وترى اللئيم إذا تَمَكّن من أذى

                                    يطغى فلا يبقي لصلح موضعا

مشرحة النقد الهدام

     وإن من المسالك في هذه النزعة المأفونة، نَصْبَ مشانق التجريح، ووضع رموز الأمة وفضلائها على مشرحة النقد الهدّام، إذا ما خالفوا أهواء بعض أهل الأهواء، في حزبية ضيّقة، وطائفية شائنة، ومذهبية غالية، وعصبية مَقيتة، وتنظيمات ضالة، وجماعات منحرفة متطرفة، وتصنيفات موهومة، وهكذا في سيل متدفق سيال على ألسنة كالسياط دأبها التربص بالمقراض في توثّب على الأعراض، وتلذذ بالاعتراض، مما يوسع جراح الأمة، ويغتال الفضل بين أفرادها، ويُقَطّع أوصالها، ويهُز رموزها، وينال من قُدواتها.

دور المسلم في الشائعات

     وبين الشيخ السديس أنَّ المسلم الحق لا يكون مَعبَرا تمرر عليه الواردات والمختلقات، والملاسنة والمهاترات في المناقشات والمناظرات، والأكاذيب والشائعات والافتراءات، ولا يُطَيّر الأخبار كل مطار بلا تثبت ولا رويّة، ثم ينشر بلسانه بلا وعي ولا تعقّل، أو يروّج لشائعات أو تغريدات بأنامله مسفّة ملئها الشغف والافتراء على البُرءاء والصُلَحاء، {فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين}.

الإنصاف والعدل

     ثم أكد الشيخ السديس على أن البِدَار بردّ شيء لم تحط بعلمه سبب إلى الحرمان، فالله الله عباد الله في التزام الإنصاف والعدل، والصلح والعفو والتسامح، حتى مع المخالف والخصم، والأوِدّاء والألِدّاء، والله حسب كل من تجافى وتغافل عن هذا الإسفاف، وتحلّى بالعدل والثقة والإنصاف، وتمتع بطيب الأرومة، وحسيب كل مَن فَجَر في الخصومة، {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل}. حسبنا الله ونعم الوكيل على كل من آذانا وآذى المسلمين.

خير علاج وشفاء

     وعن العلاج والشفاء من هذا السلوك قال الشيخ السديس: لنا في الهدي الرباني، والمنهج القرآني خير علاج وشفاء وذلك في قول الحق -تبارك وتعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، وقال -سبحانه-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، فنهى عن السخرية والتنابز بالألقاب، فكيف بأمانات المجالس، والتخوّض في الأعراض، وكذا القول الصحيح البديع للحبيب الشفيع - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: «المسلم مَن سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه. مع حُسن الظّن بالمسلمين، والحذر من سوء الظًن بهم لاسيّما فضلائهم ونبلائهم، وبذلك يُتَمَّم نبل الأخلاق والمكارم تتميما، ويغدو مُحيا الأخوة والود أغرّ، ولاسيما التآلف بين أبناء المجتمع مؤكدا لَزيما، والحب الرباني على صفحات القلوب مدبّجا رقيما، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة