أخبار سريعة
السبت 23 يناير 2021

مقالات » الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تصرفات الإمام في باب النُّصرة منوطة بالمصلحة الحلقة التاسعة

نسخة للطباعة

الضَوابِطُ الشَّرعِيَةُ في الدِّفاعِ عَنِ النَبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تصرفات الإمام في باب النُّصرة منوطة بالمصلحة                        الحلقة  التاسعة

 

ما زال الحديث مستمرا حول الضوابط الشرعية في الدفاع عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ذكرنا أن النصرة الشرعية الممدوحة لا تتحقق على أرض الواقع إلا بوجود الضوابط الشرعية، والوقوف على المقاصد الدينية، واستخراج الأحكام من الأدلة الصحيحة، واستظهار النتائج من المقدمات العلمية، والاتصاف بالتوسط الشرعي في الأقوال والأعمال، وأن يكون التعامل مع الأحداث خارجًا مخرج الصدق والديانة والأمانة، واليوم مع الضابط الثامن والأخير من تلك الضوابط وهو أنَّ تصرفات الإمام في -باب النُّصرة - منوطة بالمصلحة ونتناول الأصل الأول منه بالشرح والتفصيل.

وهذا الضابط يُبحث في أصلين:

الأصل الأول: النّصرة التامة لا تتحقق إلا باقتران السماحة بالشجاعة

     فلا يصلح أمر الدين والدنيا، ولا تحفظ ثغور المسلمين، ولا تصان بيضة الإسلام إلا بأن يجمع إمام المسلمين -في سلوكه وخططه وتراتيبه- بين الشجاعة والسماحة؛ فهو لا يعان على رعاية السياسة وتنفيذ الأحكام وتطبيق الحدود وحراسة الملة إلاّ إذا كانت سياسته في الملك، ومعاملته مع الخلق مبنيةً عليهما معاً؛ ليحصل من اجتماعهما الوسطية والاعتدال في النُّصرة من غير تهور ولا جبن.

حقيقة تاريخية وشرعية

     ولا يتردد القلم أن يخط حقيقة تاريخية وشرعية وهي: أن الأمة لم تنتفع بشيء مثلما انتفعت بالسّماحة المكيّة والشجاعة المدنيّة حتى صارت الشهامة السُّلطانيّة خادمةً للسّماحة الإسلامية وقائمة عليها بالرعاية والحفظ، وقد جمع نصٌّ قرآنيٌّ بينهما؛ فقال -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (37) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (38) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} (الشُّورى:37-39)؛ فجمعوا بين العفو والمغفرة لأعدائهم، وبين الانتصار عليهم؛ وقدم السّماحة على الشجاعة؛ لأن الآية مكية؛ فتحصل الكمال من اقترانهما؛ قال العلامة السّعدي رحمه الله -معلّقاً على الآيات-: «فوصفهم بالإيمان، والتوكل على الله، واجتناب الكبائر والفواحش الذي تكفر به الصغائر، والانقياد التام، والاستجابة لربهم، وإقامة الصلاة، والإنفاق في وجوه الإحسان، والمشاورة في أمورهم، والقوة والانتصار على أعدائهم، فهذه خصال الكمال قد جمعوها، ويلزم من قيامها فيهم، فعل ما هو دونها، وانتفاء ضدها.

الشجاعة والسماحة

     والحاجة إلى الشجاعة والسماحة حاجة عامة لكل الخلق ولا سيما لولاة الأمر؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله-: «هذا عام في ولاة الأمور وفي الرعية إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر؛ فعليهم أن يصبروا على ما أصيبوا به في ذات الله كما يصبر المجاهدون على ما يصاب من أنفسهم وأموالهم، فالصبر على الأذى في العرض أولى وأولى؛ وذلك لأن مصلحة الأمر والنهي لا تتم إلا بذلك وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ويندرج في ذلك ولاة الأمور؛ فإن عليهم من الصبر والحلم ما ليس على غيرهم، كما أن عليهم من الشجاعة والسماحة ما ليس على غيرهم؛ لأن مصلحة الإمارة لا تتم إلا بذلك».

اتصاف النبي - صلى الله عليه وسلم- بالشجاعة والسماحة

     وانظر كيف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد اتصف وتخلّق بالشجاعة والسماحة معاً في موضع الاعتداء عليه؛ فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- قال: «إنه غزا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل نجد فلما قفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قفل معه فأدركتهم القائلة في واد كثير العضاه (كل شجر يعظم وله شوك)، فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وتفرق الناس في العضاه، يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تحت سَمُرَة (شجرة وافرة الظلال) فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة، ثم إذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعونا، فجئناه، فإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن هذا اخترط سيفي (استله من غمده) وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتا (بارزا)، فقال لي: من يمنعك مني؟ قلت: الله، فها هو ذا جالس ثم لم يعاقبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض عليه الإسلام: قال: «أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا، ولكني أعاهدك ألا أقاتلك، ولا أكون مع قوم يقاتلونك. فخلى سبيله، قال فذهب إلى أصحابه، قال: قد جئتكم من عند خير الناس»، قال الحافظ ابن حجر عند ذكر فوائد القصة-: «فمنَّ عليه لشدّة رغبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في استئلاف الكفار ليدخلوا في الإسلام، ولم يؤاخذه بما صنع بل عفا عنه. وفي الحديث فرط شجاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - وقوة يقينه وصبره على الأذى وحلمه عن الجهال».

أمور ثلاثة

وهاهنا ثلاثة أمور مهمة:

- أولها: أن النُّصرة الواجبة على ولي الأمر لا تظهر مصلحتها، ولا يتحقق وقوعها إلا بالشجاعة والسماحة؛ فالشجاعة لوحدها تفضي إلى التهور والاندفاع، والسماحة لوحدها تفضي إلى الذُّل والخضوع.

- الثاني: أن الشجاعة تارة تسبق السماحة، وتارة أخرى قد تتأخر عنها، وهذا كله منوط بالاقتدار والمصلحة.

- الأمر الثالث: أن كل ما كان من باب الحدود والعقوبات الشرعية، أو المناصرة بالقوة العسكرية، أو المدافعة بالسيف ونحوها فهو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، ولا يجوز الافتئات عليه في أيّ حال من الأحوال.

     فينبغي إذًا على من ينهض بواجب النّصرة والنّجدة من أئمة المسلمين أن يتصف بالبذل والإيثار، ويتخلّق بالسّماحة والصبر، ويتميّز بالشجاعة والإقدام، ويأمر بالعدل والإحسان، ويتحرى اتباع الكتاب والسنة، ويعتني بمقاصد الشريعة، ويحرص على البطانات الناصحة، ويكثّر من المشاورات النافعة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة