أخبار سريعة
السبت 23 يناير 2021

مقالات » نماذج من الفساد ومكافحته في القرآن الكريم

للكاتب: علاء بكر

نسخة للطباعة

نماذج من الفساد ومكافحته في القرآن الكريم


مِن أنواع الفساد التي ذكرها القرآن الكريم فساد قارون الذي عاصر فرعون موسى، ولكنه كان مِن بني إسرائيل، وقد أرسل الله -تعالى- له موسى -عليه السلام- لينهاه عما هو عليه مِن الفساد، ولكنه أبى واستكبر، قال -تعالى-: {وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ . فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} (العنكبوت:39-40)، ومعلوم أن الذي خُسفت به الأرض هو قارون، والذي أُغرق فرعون وهامان وجنودهما، قال ابن كثير -رحمه الله-: «وقارون كان كافرًا في الباطن، منافقًا في الظاهر» (البداية والنهاية).

     وقد كان فساد قارون في بغيه على قومه، واغتراره بماله وقوته ونفوذه، ورفضه الإحسان إلى الآخرين وحرمانهم مِن حقوقهم عليه، مع وقوعه في الكبر بادعاء أن ما عنده مِن أموال طائلة إنما اكتسبها بعلمه ومواهبه وقدرته، وليس لأحدٍ عليه فيه فضل، وليس لأحدٍ فيه نصيب، بل عمد إلى إظهار غناه ونفوذه بالخروج بطرًا على قومه في زينته، ليفتنهم بما لديه، فخسف الله به الأرض أمام الجميع لتكون عقوبته عبرة يُضرب بها المثل لكل مَن جاء بعده، قال -تعالى-: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ} (القصص:76- 83).

مدافعة فساد قارون

     لما زاد بغي قارون أرسل الله له موسى -عليه السلام-، كما شارك علماء بني إسرائيل وصالحوهم في وعظ قارون وتذكيره، ونصح مَن فُتن به، وتمنى أن يكون مثله على بغيه؛ فقالوا لقارون كما قال الله -تعالى- عنهم: {إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}، وقالوا لمَن فُتن به ما قاله -تعالى- عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ}.

فلما أقيمت عليه الحجة البالغة، وتمادى في البغي والعناد خسف الله -تعالى- به وبداره الأرض؛ فصار كأن لم يكن، وختم قصته بتلك العبارة العظيمة: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص:83).

حال مَن ضيَّع حقوق الله

     وهذا حال كل مَن ضيَّع حقوق الله عليه وحقوق العباد، وعند أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، وفي صحيح ابن حبان عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم  أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: «مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بُرْهَانٌ وَلَا نُورٌ وَلَا نَجَاةٌ وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ وَهَامَانَ وَفِرْعَوْنَ وَأُبَيِّ بن خلف» (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الشيخ أحمد شاكر)، وضرب المثل بهؤلاء لتنوع أسباب فسادهم وطغيانهم؛ فقارون أفسده ماله، وفرعون أفسده ملكه، وهامان أفسدته وزارته، وأبي أفسدته تجارته. نسأل الله -تعالى- السلامة والعافية.

فساد أصحاب الجنة

     ومِن نوع الفساد نفسه الذي مارسه قارون كان فساد أصحاب الجنة الذين ذكرهم القرآن الكريم في سورة القلم، قال -تعالى-: {إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ وَلَا يَسْتَثْنُونَ فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ} (القلم:17-33)، وهذه القصة ضربها الله -تعالى- مثلًا لكفار قريش فيما أهدى لهم مِن الرحمة العظيمة والنعمة الكبيرة، وهو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فقابلوه بالتكذيب والمحاربة؛ فكأنهم كمثل أصحاب الجنة الذين قابلوا نعمة الله عليهم بالعزم على منع حق الفقراء والمحتاجين، بجز ثمارها ليلًا وقطعها؛ لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل؛ فلا يتصدقوا مِن ثمارها بشيءٍ مما ينبغي عليهم فيها، وهذا إفساد بإيثار المصلحة الشخصية على حساب ما ينبغي للغير؛ فاستحقوا بها العقوبة الربانية بحرمانهم مِن ثمار هذه الجنة بالكلية، والجزاء مِن جنس العمل، فمَن حَرَم غيره مما ينبغي له حُرم هو مما في يده مِن الخير؛ لذا حرموا خير جنتهم بذنبهم، ومَن حرص على الاستكثار بما ليس له عوقب بنقيض ما أراد، وحرم مما كان له؛ لذا عوقبوا بنقيض قصدهم، نسأل الله -تعالى- العافية والسلامة.

قصة قوم لوط

     ومِن أنواع الفساد التي ذكرها الله -تعالى- في القرآن الكريم قصة قوم لوط: وقد ابتدع قوم لوط فاحشة لم يسبقهم أحدٌ إليها، وهي إتيان الرجال مِن دون النساء، وقد وردت قصتهم في العديد مِن سور القرآن الكريم، منها سور: الأعراف، وهود، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والصافات، والذاريات، والقمر، وقد دعاهم نبي الله لوط -عليه السلام- إلى عبادة الله وحده لا شريك له، ونهاهم عن اقتراف الفواحش، ولكنهم لم يؤمنوا به ولم يستجيبوا له، واستمروا على فسادهم وضلالهم، قال -تعالى-: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} (الأعراف:80-81)، وقال -تعالى-: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ . أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ}(العنكبوت:28-29)، وفي هذه الآيات وما شابهها ردٌّ على مَن يدعي وينادي بإطلاق الحريات الشخصية -باسم الليبرالية الدينية- في مثل هذه الفواحش المعاندة للشرع والمخالِفة للفطرة السوية بمفاسدها الاجتماعية والأخلاقية الخطيرة على المجتمع كله.

     قال ابن كثير -رحمه الله-: «وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق، ويخونون الرفيق، ويأتون في ناديهم -وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم- المنكر مِن الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافها، حتى قيل: إنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون مِن مجالسيهم، وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل، ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظٍ، ولا نصيحة عاقلٍ، وكانوا في ذلك كالأنعام، بل أضل سبيلًا، ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر، ولا ندموا على ما سلف من الماضي، ولا راموا في المستقبل تحويلًا؛ فأخذهم الله أخذا وبيلًا» (البداية والنهاية)، قال الله -تعالى-: {فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ . مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ} (هود:82-83)، قلبها -عز وجل- فأهوى بها منكسة، عاليها سافلها، وغشاها بمطرٍ مِن الحجارة مِن سجيلٍ متتابعة مسومة مرقومة. و(سِجِّيلٍ): لفظ فارسي معرب، وهو الشديد الصلب القوي. و(مَنْضُودٍ): أي يتبع بعضها بعضًا في نزولها عليهم مِن السماء. و(مُسَوَّمَةً): معلَّمة.

مِن المفاسد الاجتماعية

     ويُعد اللواط مِن المفاسد الاجتماعية والأخلاقية؛ بما يتسبب فيه مِن أضرارٍ بليغةٍ على الفرد الممارس له وللمجتمع مِن حوله، ومِن ذلك: ما فيه مِن الانحراف عن الفطرة السوية، وما يسببه مِن قلة الحياء في مواجهة مجتمع يزدريه، ما فيه مِن قتل المروءة والرجولة، وذهاب النخوة والكرامة وضياع الفضيلة، والميل إلى الانطواء والعزلة والمعاناة مِن الاضطراب النفسي؛ إذ لا يميل، ولا يأنس ممارس اللواط إلا لمَن على شاكلته وحاله، الانصراف عن مباشرة النساء ولو كانت زوجة؛ فلا يشتهيها مع القدرة على مباشرتها؛ مما يتسبب في زيادة العنوسة، وضياع حقوق الرعاية للزوجات.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة