أخبار سريعة
الأربعاء 03 مارس 2021

مقالات » علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء (1) النوازل المستجدة لــيـــس لهــا إلا العلماء الــربــانيــون

للكاتب: عيسى مال الله فرج

نسخة للطباعة

علمـاء ثبتــوا عنــد الابتلاء ولم يخرجوا علــى الأمـــراء (1) النوازل المستجدة لــيـــس لهــا إلا العلماء الــربــانيــون

سدًا لباب الفتن، وإيصادًا لطريق الخروج على الولاة، الذي هو أصل فساد الدنيا والدين، فلقد أمرنا الله بطاعة ولاة الأمور بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (النساء:59)، فالسلطان هو زمام الأمور، وبعد أن كثرت المحن وتعددت الفتن، وسقط فيها من سقط، وظن بعض الناس بأهل العلم والدعاة الظن السيء، أصبح لازمًا علينا إبراز النماذج التي يجب الاقتداء بها، وهم الذين عانوا كثيرًا من الابتلاءات إلا أنهم ثبتوا، ولم يشقوا عصا الطاعة، ولم يثيروا الناس أو يحملوهم على الخروج على الأمراء.

التفريق بين العلماء والمفكرين والمثقفين

     نتيجة لالتقاء الثقافتين الإسلامية، والغربية، والصراع بينهما، ومع اتساع جبهات الالتقاء، والصراع الفكري، نشأ في المجتمعات المسلمة طائفة من الأخيار الذين يفهمون الإسلام فهمًا عامًا، مثل قضية المادية، وفصل الدين عن الحياة، والملكية الفردية، والنظام الاقتصادي عموما، والنظام الاجتماعي، ومع اطلاع على المذاهب المعاصرة ودراسة لمنهج تفسير التاريخ، وهم إلى ذلك يحملون هم نشر هذا الدين، ويملكون وعيًا بالقضايا المستجدة، واطلاعًا على الحضارة الغربية، وأوجه نقدها.

ليسوا علماء شريعة

     ومن أبرز هؤلاء على سبيل المثال مالك بن نبي -رحمه الله-، فهؤلاء ليسوا من علماء الشريعة، وإنما هم (مفكرون) على فرض صحة هذا التعبير، وحكماء يستنار برأيهم، ويستفاد من علمهم في الجوانب التي أجادوا فيها، كما وجدت -أيضًا- طائفة من المثقفين، وهم فئة من الأخيار الصالحين ذوي تخصصات علمية، برزوا فيها، سواء في العلوم التجريبية مثل: الطب والهندسية والكيمياء، أو في العلوم المسماة (بالعلوم الإنسانية) مثل: علم النفس وعلم التربية وعلم الاجتماع - وإن كلام هؤلاء المفكرين والمثقفين يجب أن يكون محكوما بالشرع، وأما إذا بني هؤلاء المثقفون و(المفكرون) كلامهم في أمور الشريعة، وأحوال الأمة العامة على أساس من العقول والأهواء، وإطلاق القول بالمصالح دون نظر في الآثار فإنهم أشبه ما يكونون بأهل الكلام.

أهل الكلام

وقال ابن عبدالبر -رحمه الله-: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والفقه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والتميز والفهم.

فتنة كثير من المتأخرين

     وقال ابن رجب الحنبلي -رحمه الله-: وقد فتن كثير من المتأخرين بهذا، وظنوا أن من كثر كلامه وجداله وخصامه في مسائل الدين فهو أعلم ممن ليس كذلك، وهذا جهل محض، وانظر إلى أكابر الصحابة وعلمائهم كأبي بكر، وعمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وزید بن ثابت -رضي الله عنهم-، كيف كانوا؟ كلامهم أقل من كلام ابن عباس، وهم أعلم منه، وكذلك كلام التابعين أكثر من كلام الصحابة، والصحابة أعلم منهم، وكذلك تابعوا التابعين، كلامهم أكثر من كلام التابعين، والتابعون أعلم، فليس العلم بكثرة الرواية، ولا بكثرة المقال، ولكنه نور يقذف في القلب، يفهم به العبد الحق، ويميز به بينه وبين الباطل، ويعبر عن ذلك بعبارات وجيزة محصلة للمقاصد.

التفريق بين العلماء والخطباء والوعاظ

     لقد ظهر منذ الصدر الأول لتاريخ الإسلام طائفة تسمى الوعاظ أو القصاص، وكانوا في البداية من العلماء والفقهاء، ثم تطور الأمر حتى صار يعظ الناس من ليس بعالم ولا فقيه، قال ابن الجوزي -رحمه الله- كان الوعاظ من قديم الزمان من العلماء والفقهاء، وقد حضر عبدالله بن عمر مجلس عبيد بن عمير، وكان عمر بن عبدالعزيز يحضر مجلس القاص مع العامة بعد الصلاة، ويرفع يديه إذا رفع، حتى إذا ختنت هذه الصناعة تعرض لها الجهال فأعرض عن الحضور المتميزون من الناس، وتعلق بهم العوام والنساء.

قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: إنكم في زمان كثیر علماؤه قليل خطباؤه، وإن بعدكم زمان كثير خطباؤه والعلماء فيه قليل.

صفات العلماء الذين يرجع إليهم في النوازل الفقهية

     لا يخفى على مسلم مكانة أهل العلم وأئمة الدين ورفعة شأنهم وعلو منزلتهم وسمو قدرهم، فهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم ويقتدی بأفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، فهم مصابيح الدجى ومنارات خير وأئمة هدى، بلغ به علمهم منازل الأخيار ودرجات المتقين الأبرار.

     كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن العلماء هم ورثة الأنبياء، لم يرثوا دينارا ولا درهما، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر»، فالعلماء ورثوا ماجاء به الأنبياء من العلم، فهم خلفوا الأنبياء في أممهم بالدعوة إلى الله وإلى طاعته، والنهي عن المعاصي والذود عن دين الله، وهم في مقام الرسل بين الله وبين خلقه بالنصح والبيان والدلالة والإرشاد وإقامة الحجة وإزالة المعذرة وإبانة السبيل.

قال محمد بن المنكدر -رحمه الله-: «إن العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر كيف يدخل عليهم»، وقال سفيان بن عيينة - رضي الله عنه -: «أعظم الناس منزلة من كان بين الله وبين خلقه، الأنبياء والعلماء».

أهل الاختصاص

     ومن المعلوم لدى كل الناس أن التعويل في كل فن لا يكون إلا على أهل الاختصاص فيه، فلا يرجع في الطب إلى المهندسين ولا في الهندسة إلى الأطباء، ولا يرجع في كل فن إلا إلى أهل الاختصاص فيه، فكيف الشأن بعلم الشريعة ومعرفة الأحكام والفقه في النوازل، كيف يرجع فيها إلى من ليس معروفا بالتضلع في هذا العلم والرسوخ فيه، ولا يرجع إلى العلماء الجهابذة والأئمة الراسخين أهل الفقه والدراية والفهم والاستنباط؟

     يقول الله -تعالى-: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} (النساء:83)، والمراد بأولي الأمر في الآية: العلماء الراسخون الذين يحسنون استنباط الأحكام الشرعية من أدلة الكتاب والسنة؛ لأن النصوص الصريحة لا تفي ببيان جميع المسائل الحادثة والأحكام النازلة، ولا يحسن استنباط ذلك واستخراجه من النصوص إلا العلماء الراسخون.

البت في النوازل والحوادث المستجدة

     وبما تقدم يعلم أن أمر البت في النوازل والحوادث المستجدة، وإيضاح حكم الشرع فيها، ليس لأحد أن يخوض فيه إلا العلماء أهل البصيرة في الدين، قال شیخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «والمنصب والولاية لا يجعل من ليس عالما مجتهدا، عالما مجتهدا، ولو كان الكلام في العلم والدين بالولايات والمنصب، لكان الخليفة والسلطان أحق بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيه الناس ويرجعوا إليه فيما أشكل عليهم في العلم والدين، فإذا كان الخليفة والسلطان لايدعي ذلك لنفسه، ولا يلزم الرعية حكمه في ذلك بقول دون قول، إلا بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فمن هو دون السلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدى طوره».

ضوابط الاجتهاد في النوازل

ومن الضوابط التي لابد منها عند الاجتهاد في النوازل المعاصرة ما يلي:

(1) الفقه بواقع النازلة

     والمراد بذلك أن يكون العالم على معرفة دقيقة بالواقعة أو القضية التي يريد أن يستنبط حكمها؛ وذلك لأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وقد أكد أهمية هذا الأمر في الاجتهاد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - في كتابه إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - حين قال: «ثم الفهم الفهم فيما ينخلج في صدرك».

قال ابن القيم -رحمه الله-: «ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما».

     كما أكد أهمية هذا الشرط في هذا العصر مجمع الفقه الإسلامي، وعطفا على ذلك يمكن القول بأنه ينبغي للمجتهد أن يبذل وسعه، ويستفرغ طاقته في معرفة حقيقة النازلة وواقعها بكل وسيلة ممكنة، فإن كانت مما يمكن أن يدركها المجتهد بنفسه فهو الأولى والأحرى، وإن كانت مما يتعذر معرفته على غير أهل الاختصاص، كالمسائل الطبية الدقيقة، والمعاملات المالية المعقدة، وما أشبههما من مسائل العلوم الأخرى، فيجب عليه استشارة أهل الاختصاص في كل حادثة، مراعيا في ذلك التثبت والتحري في السؤال.

(2) مراعاة الظروف الزمانية والمكانية

     مراعاة الظروف الزمانية والمكانية والعوائد والأعراف والأحوال: وهو أمر بالغ الأهمية ولا سيما عند النظر في أحكام النوازل، لكونها في الغالب تنشأ تلبية لحاجات معينة للأفراد أو للمجتمعات، ويساهم في ظهورها غالبا الظروف الزمانية أو المكانية المحيطة، ولذا ينبغي للمجتهد فيها أن يكون مدركا لهذه العوامل بعد أن يتيقن أن النازلة من جنس الأحكام الاجتهادية التي يمكن أن تتغير الفتوى فيها بسبب الزمان أو المكان، ومن القواعد الفقهية المشهورة قاعدة: «لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان».

مراعاة أحوال المكلفين

     وينبغي عليه كذلك مراعاة أحوال المكلفين، فإن هذا من المعاني المعتبرة شرعا؛ وذلك لأن المقصود من التكليف هو الامتثال، ولو لم يكن حال المكلف مؤثرة في الحكم لأدى ذلك إلى التكليف بما لا يطاق، وهو غير جائز ولا واقع، والرخص الشرعية في أبواب الشريعة المختلفة خير شاهد على اعتبار الشارع الأحوال المكلفين من حيث القدرة، والحاجة، والضرورة، ونحو ذلك.

الفتوى للأفراد وللجماعات

     ومراعاة هذه العوامل تشمل الفتوى للأفراد، كما تشمل الفتوى للجماعات أيضا، فرب حكم يفتی به لزيد لا يفتی به العمرو، لاختلاف حالهما، ورب فتوی لبلد معين لا تناسب البلد الآخر، ورب حكم يناسب مجتمعات إسلامية خالصة ولا تناسب الأقليات التي تعيش في بلد غير إسلامي، فلابد للمجتهد أن يكون مستحضرا لهذه المعاني عند استنباطه للأحكام، فإنها كفيلة بمقاربة الصواب، والبعد عن الخطأ، وقد أكد مجمع الفقه الإسلامي على هذا الشرط بشأن سبل الاستفادة من النوازل بمراعاة فقه الواقع والأعراف ومتغيرات البيئات والظروف الزمانية التي لا تصادم أصلا شرعي.

(3) المعرفة بالوسائل والتقنيات الحديثة

     المعرفة بالوسائل والتقنيات الحديثة التي تعين على استكمال البحث والنظر: فإن من أهم سمات عصرنا الحاضر ظهور الأجهزة الحديثة والوسائط الإلكترونية التي تيسر دروب البحث والنظر، كأجهزة الحاسب الآلي وبرامجها المتقدمة، كبرنامج حساب المواريث، ونحوه، والأقراص الحاسوبية التي تحوي آلاف الكتب والمصادر، وشبكة الإنترنت وما تتضمنه من الوسائل المعينة على البحث، كقواعد المعلومات، ومحركات البحث التي يمكنها استقراء وجمع أغلب المعلومات المتعلقة بالمسألة المطلوبة، إضافة إلى الأجهزة الأخرى التي لا غنى عنها في العصر الحاضر، كالآلات الحاسبة، ووسائل الاتصال الحديثة، ونحوها، وقد نص قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الاستفادة من النوازل على أنه ينبغي للمتصدرين للفتيا مواكبة أحوال التطور الحضاري الذي يجمع بين المصلحة المعتبرة والالتزام بالأحكام الشرعية.

رافد للمصادر الأصلية

     ولذا ينبغي للمجتهد أن يستعين بهذه الوسائل بوصفها رافدا للمصادر الأصلية التي يعتمد عليها في الاجتهاد، وتكون بمثابة الدليل أو المفتاح الذي يصل من خلاله إلى المعلومة التي يريدها من المصدر الأصلي، وقد لا تبرأ ذمته إذا اكتفي بها واستغني عن المصادر الأصلية؛ لأن الاجتهاد يقتضي بذل الوسع واستفراغ الطاقة في طلب الحكم حتى يحس الفقيه بالعجز عن المزيد فيه، والمعتمد على هذه الوسائل وحدها لا يعد باذلا لوسعه على الوجه الصحيح، ولا يمكن أن تطمئن النفس إلى الحكم الذي استنبطه بهذه الوسيلة.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة