أخبار سريعة
الأربعاء 03 مارس 2021

مقالات » فبهت الــــــذي كـــفـــــر!

للكاتب: د. أمير الحداد

نسخة للطباعة

فبهت الــــــذي كـــفـــــر!

     بسبب فيروس كورونا الذي بدأ بالإنتشار في العالم مع نهاية عام 2019 للميلاد، اضطر المسلمون للتوقف عن الذهاب للجمعة والجماعات في الكويت، واستمر إغلاق المساجد ثلاثة أشهر منذ 12/3، واقتصر الأمر على رفع الأذان لكل صلاة، وهو مشهد لم يكن يخطر على بال أحد مطلقا، حتى الحرم المكي الذي لم يخل يوما من طائف أو قائم أو راكع، أصبح خاليا، مما أدمى القلوب، وأدمع العيون، ولكنها إرادة الله التي لابد من نفاذها.

- ربما كانت تجربة لها محاسنها، وذلك أن الناس اتخذوا بيوتهم مساجد، فأصبحوا يؤدون الصلوات الخمس جماعة في وقتها، رجالا ونساء وأطفالا، فكانت تجربة جميلة ولا سيما  صلاة التراويح وقيام الليل في المنزل؛ ليتعرف الأطفال هذه الصلوات ويشاركوا فيها.

- نعم، ربما كانت هذه الإيجابية الوحيدة في هذا الأمر، مع المحافظة بالطبع على الصحة العامة، ومنعا لانتشار الوباء.

- الحمدلله نحن الآن في بداية عام ميلادي جديد، وبدأت الأمور ترجع إلى طبيعتها، عدا الذهاب إلى المدارس والجامعات والسفر خارج البلاد.

كنا في طريقنا لأخذ حقنة لقاح كورونا؛ وذلك لأننا تعدينا الـ65 عاما، فأعطونا الأولوية مع الأطباء وأصحاب المهن الطبية.

-المؤمن يفسر الأمور كلها وفق منظور شرعي، قدر الله، إرادة الله، ارتكاب المعاصي، طاعة الله، دعاء الله، اختبار من الله، رحمة الله، عذاب الله، مع وجود الأسباب الدنيوية. أما الغافل والجاحد والمتكبر، فلا يرى في تقلبات الحياة سوى الجانب المادي، كثير من الماديين ينهار، أو يكابر، وقليل منهم يرجع إلى الله، إذا صدق مع نفسه وصفى قلبه وأصلح نيته.

وصلنا إلى موقع أخذ اللقاح، وأرشدنا رجال الداخلية إلى مواقف المركبات، والصالة المجهزة لهذا الأمر.

- لقد تحدى الله المكابرين والماديين بأمور ظاهرة لا يمكنهم إنكارها، وأقام عليهم الحجة بعد أن بيّن بطلان منطقهم، من ذلك ما دار بين إبراهيم ونمرود الذي زعم أنه إله.

     اسمع قول الله -تعالى-: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة:258).

جرى هذا الكلام حجة أو مثالا: لما ذكر أن الله يخرج الذين آمنوا من الظلمات إلى النور، وأن الذين تولوا الطاغوت يخرجون الذين كفروا من النور إلى الظلمات، ساق ثلاثة شواهد على ذلك، هذا أولها وأجمعها لأنه اشتمل على ضلال الكافر وهدى المؤمن.

     والمقصود من هذا تمثيل حال المشركين في مجادلتهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في البعث بحال هذا الذي حاج إبراهيم -عليه السلام- وفي قصص هذه المحاجة روايتان: إحداهما أنهم خرجوا إلى عيد لهم فدخله إبراهيم على أصنامهم فكسرها، فلما رجعوا قال لهم: أتعبدون ما تنحتون؟ فقالوا: فمن تعبد؟ قال: أعبد ربي الذي يحيي ويميت. وقال بعضهم: إن نمرود كان يحتكر الطعام، فكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه، فإذا دخلوا عليه سجدوا له، فدخل إبراهيم فلم يسجد له، فقال: مالك لا تسجد لي؟! قال: أنا لا أسجد إلا لربي. فقال له نمرود: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت.

     ثم أمر نمروذ بإبراهيم فألقي في النار، وهكذا عادة الجبابرة فإنهم إذا عورضوا بشيء وعجزوا عن الحجة اشتغلوا بالعقوبة، فأنجاه الله من النار، وقوله: {آن آتاه الله الملك} تعليل لما يتضمنه (حاج) من الإقدام على هذا الغلط العظيم الذي سهله عنده ازدهاؤه وإعجابه بنفسه.

     قوله -تعالى-: {ألم تر} هذه ألف التوقيف، وفي الكلام معنى التعجب، أي اعجبوا له، وقال الفراء: «ألم تر» بمعنى هل رأيت، أي هل رأيت الذي حاج إبراهيم، وهل رأى الذي مر على قرية، وهو النمرود ابن كوش ابن كنعان ابن سام ابن نوح (ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة)، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم، وكان إهلاكه لما قصد المحاربة مع الله -تعالى- بأن فتح الله -تعالى- عليه بابا من البعوض فستروا عين الشمس، وأكلوا عسكره، ولم يتركوا إلا العظام، ودخلت واحدة منهم في دماغه فأكلته، حتى صارت مثل الفأرة، فكان أعز الناس عنده من يضرب دماغه بمطرقة عتيدة لذلك، فبقي في البلاء أربعين يوما. قال السدي: إنه لما خرج إبراهيم من النار أدخلوه على الملك -ولم يكن قبل ذلك دخل عليه- فكلمه وقال له: من ربك؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت، قال النمرود: أنا أحيي وأميت، وأنا آخذ أربعة نفر فأدخلهم بيتا ولا يطعمون شيئا ولا يسقون حتى إذا جاعوا أخرجتهم فأطعمت اثنين فحييا وتركت اثنين فماتا، فعارضه إبراهيم -عليه السلام- بالشمس فبهت.

قصد إبراهيم -عليه السلام- إلى الحقيقة، وفزع إلي المجاز وموه على قومه، فسلم له إبراهيم تسليم الجدل، وانتقل معه من المثال وجاءه بأمر لا مجاز فيه {فبهت الذي كفر} أي انقطعت حجته ولم يمكنه أن يقول أنا آتي بها من المشرق، لأن ذوي الألباب يكذبونه.

وهذه الآية تدل على جواز تسمية الكافر ملكا إذا آتاه الله الملك والعز والرفعة في الدنيا، وتدل على إثبات المناظرة والمجادلة وإقامة الحجة.

وفي القرآن والسنة من هذا كثير لمن تأمله، قال الله -تعالى-: {قل هاتوا برهانكم إن كنت صادقين}، {إن عندكم من سلطان}، أي من حجة.

{أن آتاه الله الملك} أي لأن آتاه الله، أو من أجل أن آتاه الله.

     وبهت الرجل، إذا انقطع وسكت متحيرا؛ لأن الحجة قامت عليه، ولكن هل آمن وتقبل الحق؟ كلا أما سحرة فرعون، عندما قامت عليهم الحجة وانقطع تدبيرهم، آمنوا على الفور وسجدوا لله -عز وجل-، وهكذا الحال في كل زمان ومكان، من كان مكابرا معاندا لا يتبع الحق وإن رآه رأي العين، ومن كان صادقا مع نفسه مخلصا في البحث عن الحق، يوفقه الله لاتباعه.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة