أخبار سريعة
الأربعاء 03 مارس 2021

مقالات » الفطرة: هي الحنيفية السمحة وحب الله وتوحيده

للكاتب: د. أحمد عبدالحميد عنوز

نسخة للطباعة

الفطرة: هي الحنيفية السمحة وحب الله وتوحيده

لو حاولت أن تضع عنوانا لحياة الإنسان في عصرنا، ربما لن تجد أدق من كلمة (الحيرة)، فكثرة السبل، وانفتاح الخيارات والبدائل، ووفرة أدوات المعرفة، لم تزد عموم الناس إلا حيرة، ماذا يعتقدون؟ وإلى أين يذهبون؟ والكل يطلب الراحة والسعادة، وقد تطول الرحلة ببعضهم وتتشعب عليهم السبل في تحصيل إجابة تقر بها العين، وتسكن إليها النفس في بحار الحياة المتلاطمة الأمواج، وفي لحظة استنارة وتبصر، يستقر الكثيرون عند ساحل (ضرورة معرفة النفس)، وإذا بهذا الشاطئ يفتح لهم آفاق رحلة جديدة في صحراء مظلمة مخوفة، لا يبدو أن منها نجاة هي الأخرى، فمن قال إن الرحلة مع النفس سهلة؟ كما يبشر بذلك بعض الناس ممن يطارد السراب، أو يلجأ إلى كهوف معرفية، تسكنها الحيات والعقارب، وتحوم حولها الضواري والسباع وقطاع الطرق، كل هذا نجده في استعراضنا لهذا الكتاب القيم (الفطرة: هي الحنيفية السمحة وحب الله وتوحيده).

     تعرف شعور ذلك المسافر الذي يقطع الصحراء معانيا الجوع والعطش، والخوف والحيرة، وجراحات نفسه وقدمه التي أنهكهما المسير.. فإذا به يجد على مرمى بصره واحة وارفة الظلال، تعد بالراحة والأمان، تنسيه آلام الرحلة وتنفض عنه وعثاء السفر، إنها بقعة مباركة، تملأ قلبه بالنور؛ لينظر في تأله إلى السماء ويقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}، هذا الذي يمكن أن تشعر به بعد مطالعة هذا الكتاب النفيس في بابه لتقول بكل قلبك: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ}.

مجموعة من أنفس المعارف

     دون إغراق في متاهات الفلسفة وعلم النفس ومصطلحاتهما، وتخبط في ظلمات مخرجاتهما المعرفية، وبعبارات سهلة بغير تكلف يضع كاتبه د. محمد إسماعيل المقدم -وهو من علماء أهل السنة ومتخصص في الطب النفسي- بين يديك كنزا يضم مجموعة من أنفس المعارف التي تفنى في تحصيلها الأعمار، في بحث يمكن عده -بلا مبالغة- تأسيساً للباحثين في هذا الباب.

منهج علمي سلفي منضبط

وعلى خلاف كثير من الأبحاث التي تعتني بالرد على الإلحاد والملحدين، يأتي البحث ملتزما بمنهج علمي سلفي منضبط، والتزام شديد بنور الكتاب والسنة، مع استحضار مستوعب لطرائق الباحثين قبله في هذا الطريق ومخرجاتهم.

رحلة تبصر

      يأخذك الكاتب في رحلة تبصر في معنى الفطرة، وإجابة عن أصل حار فيه الباحثون والأكاديميات العلمية لقرون، عن أصل فطرة الإنسان وعلاقتها بالدين، ومفاهيم الخير والشر، والقضاء والقدر، والدنيا والآخرة، وما يلزم الإنسان من سعي، وعلى أي شيء يكون الحساب؟

دور المسلم في الدعوة

      ولم يفت الكاتب أن يربط كل ما سبق بدور المسلم في الدعوة إلى النور الذي بين يديه، فالإنسان -وإن كان جاء الدنيا منفردا وسيحاسب يوم القيامة منفردا- إلا أنه لا يسير في رحلته إلى الدار الآخرة منفردا؛ فالفردانية التي تنتهي إليها أكثر مدارس الفلسفة وعلم النفس والباحثون عن الاستنارة لا تعدو كونها كهفا معرفيا وسلوكيا يسجن الإنسان في بئر مظلم، لا يقل خطورة عن التيه في الصحراء

بحث قيم

     في أقل من ٣٠٠ صفحة يأتي البحث القيم فائق التنظيم في مباحثه وأبوابه وفهارسه الشاملة، لا تكاد تبدأ فيه حتى تأخذك الرغبة في الانتهاء منه في جلسة قراءة واحدة، وبمجرد الانتهاء يفتح لك أبوابا من التأمل والتدبر العميق في كل فائدة من فوائده، بين آية وحديث، ونقول ثرية من كتب السلف والمعاصرين من المسلمين، مرورا بقراءة لخلاصات إنتاج الفلاسفة وعلماء النفس والاجتماع من غير المسلمين ونظرياتهم، وتجارب شخصية للمستقيمين على الفطرة من أهل القرون السابقة، الذين عادوا إليها من المعاصرين.

الأثر الموسوعي

      وكعادة مؤلف الكتاب الدكتور محمد إسماعيل المقدم حينما يقدم على تأليف بحث - مهما كان طوله أو موضوعه- تجد أثر الموسوعية واضحا في محتوى الكتاب من أوله لآخره، سواء في متن الكتاب أم هوامشه التي تخدم الفكرة بعمق وتعزز أثرها، من غير استعراض معتاد عند كثير من الباحثين الأكاديميين أو حشو لا فائدة منه.

انضباط منهجي

      هذه النزعة العملية في الربط بين المقدمة والنتيجة وما يترتب عليها من عمل وسلوك، يندر أن تجدها بهذا الوضوح والانضباط المنهجي، والحرص على النافع من المعارف عند أكثر من يتصدى لهذه المباحث المعقدة ولا سيما فيما يتعلق بالنفس البشرية وعلاقتها بالكون.

الفطرة السليمة

      تجد أثر الفطرة السليمة واضحا بشدة في منهجية البحث، ولا سيما مع التصاق موضوع الكتاب بفكرة الفطرة التي خلق الله الناس عليها، وأحسن خلقهم وأرشدهم لما يصلحهم سواء كانوا من المفكرين وطلاب العلم والمعرفة، أم كانوا من بسطاء الناس الذين لا تعنيهم كثيرا كل هذه التعقيدات الفلسفية، فكانوا على الفطرة، ولو سألت أحدهم - كبيرا أو صغيرا-: أين الله؟ لأجابك ببساطة: في السماء، رافعا بصره، يتبعه قلبه لأعلى، طالبا رحمة الله العلي.

الرد على الشبهات

      وفي أبواب الرد على الشبهات وتفنيدها، تجد السلاسة والوصول المباشر إلى المقصود في تحرير محل النزاع، ثم تجلية وجه الحق فيه بالمنهج القرآني الذي يرد الناس إلى كلام الله ومقتضياته العقلية البديهية، وإزاحة العوارض المشتتة عنها، {قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}.

المعاني الشرعية واللغوية

      يخلص البحث بعد تطواف حول المعاني الشرعية واللغوية، وبداهات العقول والشبهات العارضة إلى أن الفطرة هي الحنيفية السمحة، وحب الله والميل إليه وتوحيده وطلب مرضاته، ودعوة الرسل {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} جاءت لتذكير الناس بهذه الفطرة والميثاق، وإزالة ما طرأ عليها من صوارف وعوارض وظلمات اجتالتهم بها شياطين الإنس والجن عن طريق الحق «إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا».

محبة الله -تعالى

كما يخلص البحث إلى أن القلب مفطور على محبة الله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى}، والعقل يصدق ذلك ولا ينكره، وهو مناط التكليف من الله العليم الحكيم اللطيف الرحيم الذي لم يخلق عباده عبثا، ولم يتركهم سدى {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.

الأسئلة المعقدة والشبهات الحائرة

      كذلك يخلص البحث إلى أنَّ الأسئلة المعقدة والشبهات الحائرة المستنزفة لعمر الإنسان بطوله تحتاج فقط إلى تدبر في كلام الله لعباده {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا}، وإلى صدق في تأمل النفس وبواعثها وتجرد وتبصر في طلب الحق {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}، وعمق في تأمل آيات الكون {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}، حينها يعرف المسافر وجهته وتهون معه الرحلة، يولد من جديد؛ فالعودة إلى الفطرة ميلاد جديد،{وأن إلى ربك المنتهى} والحمد لله رب العالمين.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة