أخبار سريعة
الأحد 18 ابريل 2021

مقالات » خطبة الحرم المكي - المعيقلي: الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلّا لأهل التوحيد والإخلاص

للكاتب: المحرر الشرعي

نسخة للطباعة

خطبة الحرم المكي - المعيقلي: الشفاعة يوم القيامة لا تكون إلّا لأهل التوحيد والإخلاص

 

جاءت خطبة الحرم المكي للشيخ ماهر المعيقلي بتاريخ 13 من شعبان 1442هـ - الموافق 26/3/2021م، متحدثًا فيها عن أهمية الشفاعة الحسنة، مؤكدًا أنَّ منْ توفيق الله -تعالى- لعبده، أنْ يُسخّره لنفع خلقه، فمن أبواب النفع العظيمة باب الشفاعة، قال الله -تعالى-: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا}.

     وبيَّن الشيخ المعيقلي أن الشفاعة الحسنة تكون إمّا بجلب خيرٍ للمشفوع له، أو بدفع ضُر عنه، مما يكون في استطاعة الشافع، ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - يسعى بنفسه للشفاعة الحسنة، ويحثّ أصحابه عليها، ففي صحيح البخاري قال أبو موسى الأشعري: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا جاءه سائل أو طُلِبَت إليه حاجة قال: «اشفعوا تؤجروا»، ويقضي الله على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم - ما شاء».

شفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم 

     وفي الصحيحين: «تقاضى كعب بن مالك دينًا له على ابن أبي حدرد -رضي الله عنهما-، وذلك في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيته، فخرج إليهما ونادى: يا كعب، قال: لبيك يا رسول الله، فأشار بيده أنْ ضع الشطر من دينك، قال كعب: قد فعلتُ يا رسول الله، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لابن أبي حدرد: قُمْ فاقضه».

     وهذه بريرة -رضي الله عنها وأرضاها-، كانت أَمَة فعُتِقَت، وزوجها لا يزال في الرّق، ففسخت نكاحها منه فشُغِفَ قلبه بحبها، فكان يطوف خلفها في سكك المدينة، ودموعه تسيل على خدّيه يريدها أن ترجع إليه، فرقّ له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وشفع له عند بريرة، فقال: «لو راجعته، قالت: يا رسول الله، تأمرني؟ قال: إنما أنا أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه».

الشفاعة يوم القيامة

     هذا غيض من فيض مِنْ شفاعته - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدنيا، وأمّا في الآخرة فما أحوج الناس للشفاعة! {يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ}، فجعل -سبحانه- الشفاعة يوم القيامة، رحمة بالمشفوع، وإكرامًا للشافع، فالملائكة والأنبياء يشفعون، والشهداء والصالحون يشفعون، «والصيام والقرآن يشفعان، يقول الصيام: أيْ رب منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفّعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفّعني فيه، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فيُشَفّعان» رواه الإمام أحمد.

الشفاعة ملك لله وحده

     والشفاعة، ملك لله وحده، {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}، فلا تُطلب من نبي مُرسَل، ولا مَلَك مُقرّب، فضلا عن غيرهما، وإنما تُطلب من الله وحده، والله يُكرِم بها مَن شاء منْ عباده، فمِن عظمة الله -جل جلاله-، وعزته وكمال سلطانه، لا يتجاسر أحد على الشفاعة إلّا بإذنه، ورضاه -سبحانه- عن المشفوع له، {وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرْضَى}.

أعظم الشُّفعاء

     ولكل نبي دعوة قد دعا بها في الدنيا فاستجيب له، ونبينا - صلى الله عليه وسلم - جعل دعوته شفاعة لأمته يوم القيامة، وهو أعظم الشُّفعاء جاها، وأعلاهم مقاما ومنزلًا، وقد خصّه الله -تعالى- بشفاعات عدّة يوم القيامة، أجلّها الشفاعة العظمى، وهي المقام المحمود، الذي يحمده عليه الأولون والآخرون، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -، أنه إذا كان يوم القيامة، جَمَع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، والشمس فوق رؤوسهم قَدْرَ ميل، حفاة عراة غرلا، فيلحق العباد من الشّدة والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فيُلْهِم الله -تعالى- بعض عباده للبحث عن الرسل والأنبياء، ليشفعوا عند الله لفصل القضاء، فمن هَوْل المطلع، وشِدّة الموقف، وغضب الواحد القهار، لا يأتون نبيا إلا ويُحيلهم إلى نبي آخر، حتى ينتهون إلى خاتم الأنبياء والمرسلين، وسيد ولد آدم أجمعين، فيقولون: يا محمد - صلى الله عليه وسلم - أنت رسول الله وخاتم الأنبياء، وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «فأنطلق فآتي تحت العرش، فأقع ساجدًا لربي -عز وجل-، ثم يفتح الله عليّ من محامده، وحُسن الثناء عليه، شيئا لم يفتحه على أحدٍ قبلي، ثم يُقال: يا محمد، ارفع رأسك، سَلْ تُعط، واشفع تُشَفّع، فأرفع رأسي فأقول: أُمّتي يا رب، أُمّتي يا رب، أمتي يا رب، فيقال: يا محمد، أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة، وهم شركاء الناس فيما سِوى ذلك من الأبواب»، فبشفاعة النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدخل الجنة أقوام بلا حساب ولا عذاب.

فضل الله عظيم

     وفي سنن الترمذي قال - صلى الله عليه وسلم -: «وعدني ربي، أن يُدخل الجنة من أمتي سبعين ألفًا لا حساب عليهم ولا عذاب، مع كل ألف سبعون ألفا، وثلاث حثيات من حثياته»، وفضل الله عظيم، وهو الرحيم الكريم، ولنبينا - صلى الله عليه وسلم - في تلك العرصات شفاعات، منها شفاعته - صلى الله عليه وسلم - لفتح باب الجنة للمؤمنين، وذلك أنهم إذا أتَوْها وجدوا أبوابها مغلقة، فيأتون آدم -عليه السلام- فيقولون: يا أبانا استفتح لنا الجنة، فيقول: وهل أَخْرَجَكُم مِن الجنة إلّا خطيئة أبيكم آدم، لست بصاحب ذلك، فيستشفعون بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: مَنْ أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أُمِرتُ لا أفتح لأحد قبلك» رواه مسلم.

شفاعته - صلى الله عليه وسلم - لأهل الكبائر

ومن شفاعته - صلى الله عليه وسلم - يوم القيامة، شفاعته لمن دخل النار مِن أهل الكبائر، ففي سنن أبي داود أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «شفاعتي، لأهل الكبائر من أمتى»، وعند الطبراني بسند حسن قال - صلى الله عليه وسلم -: «يدخل من أهل القبلة النار، من لا يُحصي عددَهم إلّا اللهُ؛ بما عصوا الله واجترأوا على معصيته، وخالفوا طاعته، فيُؤذن لي في الشفاعة» فيسجد - صلى الله عليه وسلم - تحت عرش الجبار، ويَشْفَع لأهل التوحيد لمن سقط منهم في النار، فيَحُدّ له الرحمن حدّا، فيخرجهم منها، ثم يعودوا فيشفع ثانية، وثالثة ورابعة، حتى جاء في صحيح البخاري أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ثم أعود الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخِرّ له ساجدا فيُقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يُسمع، وسل تُعط، واشفع تُشفّع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي، وكبريائي وعظمتي، لأخرجنّ منها من قال لا إله إلّا الله».

شفاعة المؤمنين

     وإنّ من كرم الله -تعالى- على المؤمنين، أن جعلهم شفعاء في يوم الدين، فمن سقط في النار مِن إخوانهم وأحبائهم، شفعوا له عند الرحمن الرحيم، فيشفع القريب لقريبه، والصديق لصديقه، فمنهم من يشفع للفئام من الناس، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعَصَبَة، ومنهم من يشفع للرجل، حتى يدخلوا الجنة، ففي صحيح مسلم، قال - صلى الله عليه وسلم -: حتى إذا خلص المؤمنون من النار، «فوالذي نفسي بيده ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله في استقصاء الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجّون، فيقال لهم: أَخْرِجوا مَنْ عَرَفْتُم، فتُحرّم صورهم على النار، فيُخرِجون خلقًا كثيرا».

شفاعة المولى -عز وجل

     إذا تمت الشفاعات يوم القيامة، وقد بقي في النار بقية من أهل لا إله إلا الله، يقول -جلّ جلاله- وتقدّست أسماؤه كما في صحيح مسلم: «شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيَقبض قبضة من النار فيُخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط، قد عادوا حممًا، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يُقال له نهر الحياة، فيَخْرُجون كما تخرج الحبة في حميم السّيل، فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم، يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عُتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدّموه، ثم يقول: ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم، فيقولون: ربنا أعطيتنا ما لم تعط أحدًا من العالمين، فيقول: لكم عندي أفضل مِن هذا، فيقولون: يا ربنا، أي شيء أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي، فلا أسخط عليكم بعده أبدا». فسبحانك ربنا ما أرحمك، وما أحلمك، وما أكرمك! {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}.

أهل التوحيد الخالص

     إنّ الشفاعة يوم القيامة، لا تكون إلّا لأهل التوحيد والإخلاص، قال -تبارك وتعالى- في خطابه للمشركين {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ}، {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له}، فنفى -سبحانه- أنْ يكون لغيره مُلْك، أو يكون له معين أو شريك، مِن خير أو شر، أو نفع أو ضر، فلم يبق إلا الشفاعة، فبيّن -جلّ جلاله- أنها لا تنفع إلّا لمن أذن له، وفي صحيح ابن حبان قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنه أتاني الليلة آت من ربي، فخيّرني بين أن يَدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة، وإني اخترت الشفاعة، فقالوا: يا رسول الله، ننشدك الله لَمَا جعلتنا مِن أهل شفاعتك، فقال رسول الله: إني أُشْهِدُ مَن حضر، أنّ شفاعتي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا من أمتي».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة