أخبار سريعة
الأحد 18 ابريل 2021

مقالات » قواعد الإصلاح والتغيير عند الأنبياء والمرسلين - القاعدة السابعة - استفراغ الجهد في الطاعات المقدورة

للكاتب: عادل نصر

نسخة للطباعة

قواعد الإصلاح والتغيير عند الأنبياء والمرسلين -   القاعدة السابعة  - استفراغ الجهد في الطاعات المقدورة

الدعوة الصحيحة هي التي تقوم على منهج الأنبياء والرسل، وتنبع من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وكل دعوة لا تقوم على هذا الأساس دعوة قاصرة وناقصة، يخشى أن يكون نصيبها إما الفشل، وإما الانحراف عن الصراط المستقيم، أو هما معًا؛ لذلك بدأت لجنة البحث العلمي في الفرقان باستنباط بعض قواعد الدعوة والإصلاح من منهج الأنبياء المرسلين، واليوم مع القاعدة الثامنة وهي استفراغ الجهد في الطاعات المقدورة وعدم تعجل النتائج.

     من يطالع منهج الأنبياء -عليهم السلام- في الدعوة إلى الله -عز وجل- وإصلاح المجتمعات، وإعلاء كلمة الله في الأرض، يجد من أهم سمات منهجهم المبارك الانشغال بطاعة الوقت المقدور عليها؛ إذ لكل وقت طاعة، ولا تكليف إلا بمقدور، فالمطلوب من المكلفين استفراغ الجهد في الإتيان بالطاعات التي استوفت شروطها وانتفت موانعها، فيأتون بها على أكمل الوجوه، أما ما كان من الطاعات معجوزًا عنه فهذه لا تدخل في دائرة التكليف بالنسبة للعبد، اللهم إلا من حيث اعتقاد وجوبها إن كانت واجبة أو استحبابها إن كانت مستحبة؛ أما من حيث المطالبة بامتثالها والإتيان بها شرعاً فلا يطالب بذلك؛ إذ من شروط الفعل -حتى يصح التكليف به- أن يكون مقدوراً للمكلف له، قال -تعالى- {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا أمرتكم بأمر فأْتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه»، وقال -عز وجل- {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا}.

القدرة نوعان

     قال شيخ الإسلام -رحمه الله-: «والصواب الذي عليه أئمة الفقه والسنة أن القدرة نوعان: نوع مصحح للفعل يمكن معه الفعل والترك، وهذه هي التي يتعلق بها الأمر والنهي، فهذه تحصل للمطيع والعاصي، وتكون قبل الفعل، وهذه تبقى إلى حين الفعل، إما ببقائها عند من يقول ببقاء الأعراض، وإما بتجدد أمثالها عند من يقول: إن الأعراض لا تبقى، وهذه قد تصلح للضدين.

أمر الله لعباده

     وأمر الله لعباده مشروط بهذه الطاقة؛ فلا يكلف الله من ليست معه هذه الطاقة، وضد هذه العجز، وهذه المذكورة في قول الله -تعالى-: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ}، وقوله -تعالى-: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}، وقوله في الكفارة: {فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا}، فإن هذا نفي لاستطاعة من لم يفعل فلا يكون مع الفعل.

     ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لعمران بن حصين: «صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب» فإنما نفى استطاعة لا فعل معها، وأيضا فالاستطاعة المشروطة في الشرع أخص من الاستطاعة التي يمتنع الفعل مع عدمها؛ فإن الاستطاعة الشرعية قد تكون مما يتصور الفعل مع عدمها وإن لم يعجز عنه، فالشارع ييسر على عباده ويريد بهم اليسر ولا يريد بهم العسر، وما جعل عليهم في الدين من حرج، فالمريض قد يستطيع القيام مع زيادة مرضه وتأخر برئه، فهذا في الشرع غير مستطيع؛ لأجل حصول الضرر عليه، وإن كان يسميه بعض الناس مستطيعا.

الاستطاعة الشرعية

     فالشارع لا ينظر في الاستطاعة الشرعية إلى مجرد إمكان الفعل، بل ينظر إلى لوازم ذلك، فإذا كان الفعل ممكنا مع المفسدة الراجحة لم تكن هذه استطاعة شرعية، كالذي يقدر أن يحج مع ضرر يلحقه في بدنه أو ماله، أو يصلي قائما مع زيادة مرضه، أو يصوم الشهرين مع انقطاعه عن معيشته ونحو ذلك، فإن كان الشارع قد اعتبر في المكنة عدم المفسدة الراجحة فكيف يكلف مع العجز؟ اهـ.

الطاعات غير المقدورة

     فالطاعات غير المقدورة لا يكلف العباد بالإتيان بها، نعم قد يكونون مطالبين بالسعي لاستكمال شروطها حتى يتيسر الإتيان بها كما هو الحال في الجهاد؛ حيث يسقط الوجوب عند عدم القدرة من الجهاد إلى الإعداد؛ ولذا أمر الله الأمة أن تعد العدة لجهاد أعدائها: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ} الآية.

سير الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام

     وفي سير الأنبياء -عليهم صلاة الله وسلامه- بدءًا من نوح -عليه السلام- وهو أول رسول أرسل إلى أهل الأرض، وحتى نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وهو خاتم الأنبياء والمرسلين، نجد هذا واضحًا جليًا، فما رأينا نبيًا تجشم قتال قومه حال استضعافه ولا أمر أتباعه بذلك، ولا دخل معهم في ألاعيب سياسية يترتب عليها التنازل عن بعض ما أنزل الله من الحق الذي يدعو إليه، أو موافقتهم في بعض الباطل بغرض العمل على إقامة دولة الإسلام، بل جميعهم -عليهم السلام- يبدؤون أقوامهم بالدعوة إلى التوحد الخالص ونبذ الشرك، فيبلغون الحق للخلق غير وجلين، ولكن بحكمة، وعلى بصيرة، ويأتون بالطاعات المقدورة.

نبي الله موسى -عليه السلام

     فهذا نبي الله موسى -عليه السلام- عندما قال فرعون عن بني إسرائيل: {سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} فبماذا أمر قومه -عليه السلام؟ أمرهم بالصبر فقال لهم: {اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} فلم يأمرهم بمواجهة عدوهم وهم مستضعفون، بل أمرهم بالصبر، مع تذكيرهم بأن العاقبة لأهل الحق؛ فلا بد من اليقين في وعد الله.

النبي - صلى الله عليه وسلم 

     وهذا نبينا - صلى الله عليه وسلم - يتعرض هو وصحبه الكرام في مكة لأشد أنواع التعذيب والتنكيل، وهو مع ذلك صابر محتسب، وأمر صحبه الكرام بالصبر على الأذى وكف الأيدي مع استفراخ الجهد في الطاعات في هذه المرحلة المباركة من مراحل دعوته - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو قائم بالدعوة إلى التوحيد وبيان قبح الشرك مع إقامة الصلاة وتربية النفوس وتزكيتها؛ لتتأهل لحمل الأمانة، وكان بعضهم يود أن لو فرض القتال آنذاك فلم يوافقهم على ذلك؛ إذ لكل وقت طاعة، ولذا كان - صلى الله عليه وسلم - يصرف همهم إلى طاعة الوقت الحاضر.

المسلمون في مكة

يقول العلامة السعدي -رحمه الله-: «كان المسلمون -إذ كانوا بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لفوائد عدة منها:

- أن من حكمة الباري -تعالى- أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم؛ ويبدأ بالأهم فالأهم، والأسهل فالأسهل.

- ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال -مع قلة عَدَدِهِم وعُدَدِهِم وكثرة أعدائهم- لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام؛ فروعي جانب المصلحة العظمى على ما دونها ولغير ذلك من الحِكَم».

مراعاة طبيعة كل مرحلة

لذلك فإنه يجب على العاملين للإسلام من مراعاة طبيعة كل مرحلة، وما يجب فيها من الطاعات، فيبذلون قصارى جهدهم في تحصيلها على الوجه الأكمل، أما الطاعات الخارجة عن مقدورهم لعدم توفر شروطها، فليسوا مطالبين بها شرعاً؛ فالانشغال بها -ولم يحن وقتها- سيترتب عليه ضياع الواجبات وتفويت المصالح.

نبي الله شعيب -عليه السلام

     وانظر معي إلى قوله -تعالى- على لسان نبي الله شعيب -عليه السلام-: {إِنْ أُرِيدُ إِلا الإصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله في معرض ذكره لما في القصة من فوائد وعبر-: «ومنها أن وظيفة الرسل وسنتهم وملتهم إرادة الإصلاح بحسب القدرة والإمكان، فيأتون بتحصيل المصالح وتكميلها أو بتحصيل ما يقدر عليه منها، وبدفع المفاسد وتقليلها، ويراعون المصالح العامة على المصالح الخاصة، وحقيقة المصلحة هي التي تصلح بها أحوال العباد، وتستقيم بها أمورهم الدينية والدنيوية، ومنها أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوما ولا مذموما في عدم فعله ما لا يقدر عليه، فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه» اهـ.

الواجبات الشرعية

     فالواجبات الشرعية تتنوع بتنوع القدر، فوقت الاستضعاف له واجباته وطاعاته التي تناسبه، ووقت التمكين له أيضا ما يناسبه من الواجبات والطاعات، ولنا في النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - وصحبه أسوة، فلما كانوا مستضعفين في مكة لا دولة لهم ولا شوكة كانت العبودية في كف الأيدي وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وتحمل الأذى مع الاجتهاد في نشر الدعوة، وهكذا ينبغي أن يكون كل مستضعف.

يقول شيخ الإسلام -رحمه الله-: «فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر و الصفح و العفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد و هم صاغرون» اهـ.

بيعة العقبة الثانية

     لما بايع الأنصار الكرام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيعة العقبة الثانية، أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - من كان بمكة بالهجرة إلى المدينة؛ لإقامة الدولة الإسلامية، وتقوية الشوكة؛ فصارت العبودية المطلوبة في هذه المرحلة في ترك الأهل والوطن والمال والهجرة إلى المدينة امتثالاً لأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولما صار للمسلمين دولة وشوكة، أذن في الجهاد والجلاد وصارت العبودية في الجهاد.

الواجب على المسلم

     فالواجب على المسلم أن يكون بصيرًا بزمانه، فيحدد المرحلة التي تعيشها الدعوة، والواجب عليه في هذه المرحلة، فلا تحركه العواطف الهوجاء، بل ينبغي أن ينظر بعين الشرع لا الهوى، فلا يقدم على شيء إلا إذا ثبت بالأدلة الشرعية أنه طاعة في حقه، وأن الإتيان بها لن يترتب عليه مفسدة.

     ولو انتبه أبناء الدعوة لذلك وفقهوا هذا الأمر، لما رأينا من خاض غمار المواجهات حال استضعافه وعجزه فجلب على العمل الإسلامي ما جلب، فتأخرت الدعوات بسبب ذلك سنوات وسنوات، فضلاً عن ضياع الكثير مما تحقق، وفتنة الكثير عن دينهم، ولو فهم أبناء الدعوة ذلك أيضًا، لما رأينا من يتفوه بما يخالف الإسلام جملة وتفصيلاً، ويقدم التنازلات تلو التنازلات؛ بزعم العمل من أجل مصلحة الإسلام، وذلك من أجل الوصول إلى تحكيمه في زعمهم، فمتى كانت المصلحة في هدم ثوابته وطمس معالمه وتمييع الفوارق بينه بوصفه دينا ربانيا يقوم على الوحي المنزل وبين المذاهب الباطلة؟!

ترك المقدور عليه

     لا شك أن سبب ذلك كله ترك المقدور عليه والانشغال بالمعجوز عنه، أو إن شئت فقل الانصراف عن طاعة الوقت والانشغال بغيرها مما لم يحن وقته بعد، وكما أننا مطالبون شرعاً باستفراغ الجهد في الطاعات المقدورة والإتيان بها على أكمل الوجوه، فإننا مطالبون كذلك بعدم تعجل النتائج، بل على العبد أن يؤدي ما أمر ربه ثم يفوض أمره كله لله -عز وجل- ويحذر التعجل، وليعلم العاملون للإسلام أن ذلك هو السبيل إلى ما يسعون إليه من إعلاء كلمة الله والتمكين لدينه في الأرض.

عز الإسلام وظهوره

     ولله در شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-؛ حيث وضح بأن عز الإسلام وظهوره في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحبه كان عاقبة صبرهم وتقواهم والتزامهم بطاعة كل مرحلة، فيقول -رحمه الله-: «وذكر غير ابن إسحاق أن اليهود حذرت وذلت وخافت من يوم قتل ابن الأشراف، فلما أتى الله بأمره الذي وعده من ظهور الدين وعز المؤمنين أمر رسوله بالبراءة إلى المعاهدين وبقتال المشركين كافة من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فكان ذلك عاقبة الصبر والتقوى اللذين أمرهم بهما في أول الأمر، وكان إذ ذاك لا يؤخذ من أحد من اليهود الذين بالمدينة ولا غيرهم جزية».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة