أخبار سريعة
الأحد 18 ابريل 2021

مقالات » سيكولوجية السعادة في السّنّة النّبويّة - من أسباب السـعــادة النجاح في العلاقات الاجتماعية

للكاتب: د. سندس عادل العبيد

نسخة للطباعة

سيكولوجية السعادة في السّنّة النّبويّة - من أسباب السـعــادة النجاح في العلاقات الاجتماعية

ما زال حديثنا مستمرًا عن ثمرات الالتزام بالقيم الإسلامية وأثرها في تحقيق السعادة، وقد ذكرنا أنَّ القيم هي: الفضائل الدينيّة والخلقيّة والاجتماعيّة التي تقوم عليها سعادة الفرد والمجتمع في الحياة، كما أنَّ التزام القيم الإسلامية من مؤشرات السعادة المؤثرة في سلوك الإنسان وانفعالاته، واليوم نتكلم عن تحقيق النجاح في الحياة الاجتماعية.

      إنّ العلاقات الاجتماعيّة أمر مهم لسعادة الإنسان؛ فالإنسان اجتماعي بطبعه، ويحب الألفة والاجتماع، ومن أهم ركائز السعادة نجاح علاقات الإنسان، والعلاقة الأولى علاقته مع ربه، وهي أهم العلاقات وأشرفها وأعلاها، والعلاقة الثانية علاقته مع نفسه وحسن إدارتها التي ستُذكر في مبحث ضبط النفس وتطويرها، والعلاقة الثالثة علاقته مع المجتمع والناس، وهو ما سنفصله هنا، وعلاقات الإنسان الاجتماعيّة تتكوّن من علاقته مع والديه، ومع شريك حياته إن كان متزوّجًا، وعلاقته مع أبنائه، وعلاقته بأقاربه، ثم علاقته مع إخوانه في الله.

ترابط المجتمع الإسلامي 

     وترابط المجتمع الإسلامي من الأمور التي تحقق سعادة الفرد أيضا، وتكشف الكثير من الدراسات عن أثر التفاعل الاجتماعي وشبكة العلاقات الاجتماعية التي نعيش في ظلها على السعادة، والسعداء يختلفون اختلافا ملحوظا عن غير السعداء في شيء أساسي هو: حياة اجتماعية ثرية ومشبعة، فالوالدية تمنح السعادة، والأسرة مصدر السعادة، والزواج يرتبط بقوة بالسعادة، والزمالة والتعاون عنصران للسعادة، والاهتمام الودي بالأشخاص والأشياء والطفولة سبيل للسعادة، والنتيجة الحاسمة أن الحياة الاجتماعية الثرية تجعلك أكثر سعادة.

 

السعادة الزوجية 

     {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} (سورة الروم: 21)، من آيات الله -سبحانه وتعالى- الدالة على رحمته وعنايته بعباده وحكمته العظيمة وعلمه المحيط، {أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا} تناسبكم وتناسبوهنّ وتشاكلكم وتشاكلوهن {لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} بما رتب على الزواج من الأسباب الجالبة للمودة والرحمة، فحصل بالزوجة الاستمتاع واللّذة والمنفعة بوجود الأولاد وتربيتهم، والسكون إليها، فلا تجد بين أحد في الغالب مثل ما بين الزوجين من المودة والرحمة، {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} يُعملون أفكارهم، ويتدبرون آيات اللّه، وينتقلون من شيء إلى شيء، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - خير الناس لأهله، فمن اتبع منهجه حاز السعادة الزوجيّة، والسكينة والمودّة.

 

الزواج يرتبط بقوة بالسعادة

     والزواج يرتبط بقوة بالسعادة؛ لما فيه من التخلي عن الأنانية والتسامي، وهو يحقق نجاحا على نحو لافت في علم النفس الإيجابي، وهو يعد من عوامل السعادة الأكثر قوة وفعالية مقارنة بما تحققه الوظيفة أو الموارد المالية أو المجتمع من إرضاء للفرد، فالزواج يدعم الثقة للأفراد ويوجههم، وفيه القدرة على تقبل الحب وإعطائه، فالحب يمنح الإنسان القوة والنشاط، والزواج يجعل من الشخص محبوبا مثاليا، فيفضي على قواه وفضائله قيما مثالية، ويقلل من عيوبه، وهذه الخاصية التي تجعل الزواج أحد مؤشرات السعادة المهمة.

 

طريق السعادة الزوجية

وأرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى طريق السعادة الزوجيّة في علاقته مع زوجاته -عليه السلام-، وفي أقواله أيضًا، ويمكن تلخيص هذه الطرق بالنقاط الآتية:

 

(1) الزواج من سنة النبي - صلى الله عليه وسلم- 

     فالإنسان له حاجات نفسيّة وجسديّة، وفي النكاح يحصل له تحقيق ذلك من الألفة والمحبّة والتقدير والاحترام بين الزوجين، وفي ذلك روي عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «النِّكَاحُ مِنْ سُنَّتِي، فَمَنْ لَمْ يَعْمَلْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي، وَتَزَوَّجُوا فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، وَمَنْ كَانَ ذَا طَوْلٍ فَلْيَنْكِحْ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجَاءٌ».

 

معنى النكاح 

     ومعنى النكاح أي: طلب النساء بالوجه المشروع في الدين، وهو من سنّة النبي - صلى الله عليه وسلم - أي من طريقته التي سلكها وسبيله الذي ندبه، فمن كان مستطيعا ولم يعمل بسنّته - صلى الله عليه وسلم - رغبة وإعراضا عنها وقلة مبالاة بها فهو على خطر عظيم، ولا يشمل الحديث من يترك النكاح لعدم تيسر المؤن أو للاشتغال بالعبادة ونحو ذلك، قال أَنَس بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه -: «جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم  - قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟! قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»، وفي هذا الحديث الترغيب في النكاح، إن قصد به طاعة كاتباع السّنّة أو تحصيل ولد صالح أو عفّة فرجه أو عينه، فهو من أعمال الآخرة يُثاب عليه.

 

الزواج سنه حميدة 

     «وأتزوَّج النساءَ»؛ لأنّ الله -تعالى- خلقَ النساءَ للرجال، وركَّب في الرجال والنساء الشهوةَ، كما خلقَ فيهم الاحتياجَ إلى الطعام، فكما أنّه لابد من الطعام، فكذلك لا بدّ للرجال من النساء، والتزوُّجُ مُباحٌ، وهو سبب العبادات؛ لأنّه يحصل به دفعُ الزَّنا من الرجال والنساء، ويُؤجَر الرجلُ بما يعطي زوجتَه من النفقة والكسوة، ويُؤجَر أيضًا بمكالمته ومجالسته إياها وتحصيل الأولاد، والأولادُ عبادُ الله، وأُمَّةُ محمدٍ عليه السلام، ولا شكّ في أن تكثيرَ عبادِ الله -تعالى- وأُمةِ النبي -عليه السلام- عبادةٌ، فإذا كان كذلك فلا ينبغي لمَن يحتاج إلى النكاح ويقدر على تحصيل الكسوة والنفقة أن يتركَ التزوُّجَ، وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: «ليست العزوبة من الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام»، والزواج سنة حميدة منذ أيام أبينا آدم وأمنا حواء -عليهما السلام-، والحياة الزوجية سكن وأمن ومودة، ويتضمن الزواج اختيار الزوج، والاستعداد للحياة الزواجية والدخول فيها والاستقرار والسعادة وتحقيق التوافق الزواجي، وحل ما يطرأ من مشكلات زواجية.

 

(2) حسن إختيار شريك الحياة 

     وتبدأ السعادة الزوجية ابتداء من أوّل الزواج بحسن اختيار الزوجين، فالأحاديث تدلّنا على اختيار الزوجة الصالحة ذات الدين والخلق، واختيار الزوج الصالح من يُرضى دينه وخلقه، فمن كانت هذه صفاتهم فمعاملتهم ستكون تحت شعار تقوى الله وحسن المعاشرة، قال رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ»، والمتاع ما يُتمتع ويُنتفع به، وأراد بـ(الدنيا): ما في الدنيا مما ينتفع به، يعني: مالُ الدنيا خلق لبني آدم لينتفعوا به، وخير ما يَنتفع به الرجلُ المرأةُ الصالحة، فإنه يتلذَّذُ بها، وتكون له سكنًا وأنيسًا، وتحفظ عينه وفرجه من الحرام، وتُعينه على دينه بأن تمنعه عن الكَلِّ في الطاعات، ويحصل له منها أولاد يطيعون الله، وتزيد بهم أمة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فأيُّ متاع من أمتعة الدنيا يكون نفعها مثل نفع المرأة الصالحة؟!.

 

الزوجة الصالحة من أعظم نعم الدنيا 

      ولذلك أمر - صلى الله عليه وسلم - بالمبادرة إليها وتفضيلها على غيرها؛ حيث قال: «فاظفر بذات الدين «أي فاحرص على أن تفوز بالمرأة الصالحة المتدينة؛ لأنها خير متاع الدنيا إن نظرت إليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك في مالك وعرضها، وقوله «تربت يداك «ومعناه في الأصل: افتقرت يداك، والمراد به هنا التحذير الشديد من مخالفة هذه النصيحة الغالية، وأنّ من خالفها وتزوج بغير ذات الدين، خسر المزايا كلّها التي لا تتوفر إلّا في المرأة الصالحة من سعادة وطاعة وإخلاص، ووفاء وأمانة، واحترام لزوجها، ومراعاة لمشاعره، وحسن تربية لأولادها، ومحافظة على مال زوجها، وصيانة لعرضها، وهذا هو المقصود بقوله: «تربت يداك».

     وفي تفضيل الرجل الصالح على غيره روي عنْ أَبِي حَاتِمٍ الْمُزَنِيِّ عن رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ؟ قَالَ: إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ - ثَلَاثَ مَرَّاتٍ».

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة