أخبار سريعة
الأحد 26 سبتمبر 2021

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف - إِبَاحَة طَلَب الطَّعَامِ لِعَابِرِ السَّبِيلِ عند الحَاجةِ

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - بعض الأحكام المستفادة من سورة الكهف - إِبَاحَة طَلَب الطَّعَامِ لِعَابِرِ السَّبِيلِ عند الحَاجةِ

 

 

لا نزال مع قصة موسى مع الخضر -عليهما السلام- قال -تعالى-: {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} (سورة الكهف:77)، قال الشيخ ابن سعدي: «{فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا} أي: استضافاهم، فلم يضيفوهما {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} أي: قد عاب واستهدم {فَأَقَامَهُ} الخضر أي: بناه وأعاده جديدًا.

فقال له موسى: {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} أي: أهل هذه القرية، لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم، وأنت تبنيه من دون أجرة، وأنت تقدر عليها! فحينئذ لم يف موسى -عليه السلام- بما قال، واستعذر الخضر منه».

     فمن المسائل المستفادة من الآية الكريمة مسألة طلب الطعام: جاء في الآية قوله -تعالى-: {استطعما أهلها}، والاستطعام: طلب الطعام، وهو للمحتاج ولعابر السبيل جائز، بل قد يكون واجبًا عند الضرورة، وهو ليس من المسألة المحرمة التي قال فيها النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لا تزال المسألةُ بأحدكم حتى يلقى الله -تعالى- وليس في وجهه مُزعةُ لَحمٍ». رواه البخاري ومسلم

     وقال: «إنما المسائلُ كدوحٌ يَكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، ومن شاء ترك، إلا أن يسأَل ذا سلطانٍ، أو في أمرٍ لا يجد منه بُداً». رواه أبو داود وصححه الألباني، و(الكُدوح) بضم الكاف: آثار الخموش. وقال: «من سأل من غير فقرٍ؛ فكأنما يأْكُل الجمرَ». رواه الطبراني وصححه الألباني.

جواز طلب الطعام عند الحاجة

     ففعل موسى والخضر -عليهما السلام- دليل لجواز طلب الطعام عند الحاجة، وطلب الضيافة الواجبة على أهل القرى، قال الشيخ ابن عاشور:» اسْتَطْعَمَاهُمْ، لِزِيَادَةِ التَّصْرِيحِ، تَشْنِيعًا بِهِمْ فِي لُؤْمِهِمْ، إِذْ أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا. وَذَلِكَ لُؤْمٌ، لِأَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ شَائِعَةً فِي الْأُمَمِ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ -عليه السلام-، وَهِيَ مِنَ الْمُوَاسَاةِ الْمُتَّبَعَةِ عِنْدَ النَّاسِ. وَيَقُومُ بِهَا مَنْ يُنْتَدَبُ إِلَيْهَا مِمَّنْ يَمُرُّ عَلَيْهِمْ عَابِرُ السَّبِيلِ وَيَسْأَلُهُمُ الضِّيَافَةَ، أَوْ مَنْ أَعَدَّ نَفْسَهُ لِذَلِكَ مِنْ كِرَامِ الْقَبِيلَةِ فَإِبَايَةُ أَهْلِ قَرْيَةٍ كُلِّهِمْ مِنَ الْإِضَافَةِ لُؤْمٌ لِتِلْكَ الْقَرْيَةِ.

وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى إِبَاحَةِ طَلَبِ الطَّعَامِ لِعَابِرِ السَّبِيلِ لِأَنَّهُ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا، وَحَكَاهُ الْقُرْآنُ وَلَمْ يَرِدْ مَا يَنْسَخُهُ».

وقال القرطبي:» فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى سُؤَالِ الْقُوتِ، وَأَنَّ مَنْ جَاعَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَطْلُبَ مَا يَرُدُّ جُوعَهُ خِلَافًا لِجُهَّال الْمُتَصَوِّفَةِ.

قَالَ قَتَادَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: شَرُّ الْقُرَى الَّتِي لَا تُضِيفُ الضَّيْفَ، وَلَا تَعْرِفُ لِابْنِ السَّبِيلِ حَقَّهُ، وَيَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الضِّيَافَةَ كَانَتْ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةً، وَأَنَّ الْخَضِرَ وَمُوسَى إِنَّمَا سَأَلَا مَا وَجَبَ لَهُمَا مِنَ الضِّيَافَةِ، وَهَذَا هُوَ الْأَلْيَقُ بِحَالِ الْأَنْبِيَاءِ، وَمَنْصِبِ الْفُضَلَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ».

مما يستفاد من الآية

ومما يستفاد من الآية الكريمة مسألة الجدار المائل إلى الطريق العام:

من الضرر الذي قد يتولد في الطريق العام ويضر بالمارة الضرر الحادث من ميل بعض الجدران المطلة على الطريق العام، قال القرطبي:» واجب على الإنسان ألا يتعرض للجلوس تحث جِدَارٍ مَائِلٍ يَخَافُ سُقُوطَهُ، بَلْ يُسْرِعُ فِي الْمَشْيِ إِذَا كَانَ مَارًّا عَلَيْهِ».

ولهذه المسألة صور ذكرها النووي وابن قدامة منها:

الصورة الأولى

إذا بناه مستويا فسقط من غير استهدام ولا ميل فلا ضمان على صاحبه فيما تلف به؛ لأنه لم يتعد ببنائه ولا حصل منه تفريط بإبقائه.

الصور الثانية

 إذا بناه مائلا إلى ملكه أو مال إليه بعد البناء وسقط فلا ضمان، لأنه لم يتعد ببنائه ولا حصل منه تفريط بإبقائه، ولأن الضرر إن حصل فقد وقع على ملكه ولا يعوض الإنسان نفسه، فإن هذا من العبث والشريعة منزهة عنه.

الصورة الثالثة

      إذا بناه مائلا إلى غير ملكه: اتفق الفقهاء على أن من بنى في ملكه حائطا مائلا إلى الطريق العام أو إلى ملك غيره فتلف به شيء أو سقط على شيء فأتلفه فإنه يضمن هذا التلف وهذا الضرر الواقع بسبب الخلل في إنشاء هذا الحائط، قال ابن قدامة: «ولا أعلم فيه خلافا».

وذلك لأنه متعد بذلك فإنه ليس له الانتفاع بالبناء في هواء (أي: فراغ) ملك غيره، أو هواء مشترك، ولأنه يعرضه للوقوع على غير ملكه فأشبه ما لو نصب فيه منجلا للصيد فتلف به إنسان أو مال.

الصورة الرابعة

     أن يكون الخلل طارئا: إذا بنى إنسان حائطه مستويا ثم طرأ عليه خلل بأن مال إلى الطريق العام ثم سقط كله أو بعضه فتلف به إنسان أو مال، فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى القول بوجوب الضمان على مالك الجدار؛ لأنه متعد بتركه مائلا فضمن ما تلف به كما لو بناه مائلا ابتداء، ولأن للمسلمين حق الجواز بالطريق وميل الحائط يمنعهم ذلك فتنقطع المارة حذار الوقوع عليهم فيتضررون بذلك، والضرر يزال كما قال -صلى الله عليه وسلم-:»لا ضرر ولا ضرار».

     وفي موضع آخر من السورة بيّـن الخضر -عليه السلام- الحكمة من بناء الجدار كما قال -تعالى-: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا} (سورة الكهف:82).

قال ابن كثير:» ومعنى الآية: أن هذا الجدار إنما أصلحه لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما. قال عكرمة وقتادة وغير واحد: كان تحته مال مدفون لهما. وهذا ظاهر السياق من الآية، وهو اختيار ابن جرير».

     وقال مبينا فائدة عظيمة:» فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة، بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم، كما جاء في القرآن ووردت السنة به. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس : حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر لهما صلاح».

ويعدد الشيخ ابن سعدي بقية الفوائد من الآية الكريمة فقال: «ومنها: أن خدمة الصالحين، أو من يتعلق بهم، أفضل من غيرها، لأنه علل استخراج كنزهما، وإقامة جدارهما، أن أباهما صالح.

ومنها: أنه ينبغي للصاحب ألا يفارق صاحبه في حالة من الأحوال، ويترك صحبته، حتى يعتبه، ويعذر منه، كما فعل الخضر مع موسى.

ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه، في غير الأمور المحذورة، مدعاة وسبب لبقاء الصحبة وتأكدها، كما أن عدم الموافقة سبب لقطع المرافقة».

 

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة