أخبار سريعة
الأحد 26 سبتمبر 2021

مقالات » عالجت أسبابها وقضت على دوافعها وعاقبت مرتكبيها - الشريعة تحمي المجتمع من الجريمة

للكاتب: وائل رمضان

نسخة للطباعة

عالجت أسبابها وقضت على دوافعها وعاقبت مرتكبيها - الشريعة تحمي المجتمع من الجريمة

 

بين الحين والآخر نسمع أو نقرأ خبرًا عن جريمة قتل بشعة، ولأسباب تافهة وقد تكون بحق أحد الأقارب أو الأصدقاء، وهذا لا شك مؤشر خطير، يدل على خلل مجتمعي كبير، وقد حذرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من هذه الظاهرة الخبيثة، ألا وهي القتل، فهي جريمة محرّمة في الإسلام، لقول نبي الرحمة -عليه السلام-: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» (رواه مسلم)، كما أخبرنا عن ظاهرة كثرة القتل في آخر الزمان، وحذرنا منها؛ فعن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يتقارب الزمان، وينقص العلم، ويُلقى الشح، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج». قالوا: يا رسول الله أيُّمَ هو؟ قال: (القتل القتل).

 

      وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «والذي نفسي بيده، ليأتينَّ على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قَتل ولا يدري المقتول على أي شيء قُتل» (رواه مسلم)، وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - «ينقص العلم»، إشارة إلى ارتباط ظاهرة الجهل المجتمعي بالدين والإسلام باستفحال ظاهرة القتل، فنجد الأفراد يَقتل بعضهم بعضاً، والفرق الضالة والطامحة إلى الحكم تقتل الأبرياء، والنتيجة سريان أنهار من الدماء، ولا شك أن هذه الجرائم تستحق وقفة عندها، وتفحّصا لأسبابها ودواعيها.

الشريعة وسبل مواجهة الجريمة

     تعاملت الشريعة الإسلامية مع الجريمة والظواهر السلبية والانحرافات الأخلاقية في المجتمع تعاملاً سبقت به القوانين والتشريعات الوضعية؛ حيث تميزت الشريعة بالعديد من المميزات التي جعلتها تنفرد بالصدارة في قدرتها على حماية المجتمع من تلك الظواهر، ومن ذلك ما يلي:

أولاً: التكامل بين الوازع الداخلي والرقابة الخارجية

     الشريعة الإسلامية في تعاملها مع مشكلات المجتمع -ومن بينها الجرائم- لا تعتمد على أسلوب التشريع أو الرادع الخارجي فحسب، بل تركز -فضلا عن ذلك- على الوازع الداخلي، فهي تهتم بالضمير الخلقي اهتماما أكبر، وتسعى إلى تربيته منذ الصغر لدي الإنسان، حتى يتربى على الأخلاق الفاضلة، وتربط ذلك كله بالوعد الأخروي، فتَعِدُ من يعمل الصالحات بالفوز والفلاح، وتنذر المسيء سوء المصير، ومن ثم فهي تثير الوجدان حتى يساهم في إقلاع المجرم عن الإجرام، إيمانا بالله، ورجاء لرحمته، وخوفا من عذابه، والتزاما بالأخلاق الفاضلة، وحبا للآخرين، وإحسانا إليهم، وتركا لإساءتهم.

ثانيا: النظرة المتوازنة إلى علاقة الفرد والجماعة

     ويتجلى ذلك في كون الشريعة -وهي تحمي المجتمع بتشريع العقوبات وقطع الطريق على الإجرام- لا تهدر كيان الفرد لصالح الجماعة، بل تحمي الفرد أولا، وتصون حرياته وحقوقه كلها، وتضع كل الضمانات التي تجعل لجوءه إلى الجريمة أمراً غير مسوغ، فلا تلجأ إلى العقاب إلا وقد هيأت للفرد الظروف الملائمة التي توفر له الحياة الكريمة والعيش السعيد.

ثالثا: معالجة الأسباب والدوافع الاجتماعية للإجرام

فالإسلام يواجه الجريمة قبل وقوعها بمعالجة أسبابها البعيدة، والقضاء على دوافعها الاجتماعية، وذلك يتضح بالنظر إلى أسباب كل جريمة على حدة، وتتبع الإجراءات التي يكافح بها الإسلام تلك الدوافع.

كيف حارب الإسلام الجريمة؟

ومما تميز به الإسلام أنه لم يعتمد على العقوبة وحدها كأنه يتربص بالناس وينتظر وقوعهم تحت طائلتها، إنما يعتمد في المقام الأول على الوقاية من الجريمة والتحذير منها وتوعد مرتكبها بأشد العذاب، وقد وضع لذلك بعض الضوابط:

أولا: التدابير الوقائية لمنع وقوع الجريمة

     حرص الإسلام على توجيه الأفراد وتربيتهم تربية حسنة، تحقق لهم ولمجتمعاتهم الاستقامة؛ فشرع مجموعة من التدابير الوقائية التي تحول بين الأفراد وارتكاب الجريمة، منها: (تهذيب النفس الإنسانية، والقضاء على أسباب الجريمة، والتناصح والتواصي بالخير، والتعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان).

ثانيا: العقوبات والتدابير العلاجية بعد وقوع الجريمة

     لم يهمل الإسلام معالجة الجريمة بعد وقوعها ففتح باب التوبة لمرتكب الجريمة؛ تشجيعا له على تركها، ومنعا له من الإصرار عليها، وفي الوقت نفسه شرع -في مواجهة الجرائم الكبيرة- عقوبات رادعة، تحمي المجتمع، وتنشر في ربوعه الأمن والأمان، وذلك بمنع كل من تسول له نفسه ارتكاب أي جريمة حفاظا على الأنفس والأموال والأعراض. 

تضييق فرص الغواية

     ومن روعة الإسلام -في مواجهة الجريمة وسبلها- أنه عمل على تضييق فرص الغواية ما أمكن، وإبعاد عوامل الفتنة والتهييج والإثارة في المجتمع الإسلامي، وهو بذلك كله يغلق كل نافذة تطل منها الفتنة، ويسد كل ذريعة تختمر فيها جراثيمها، ولضمان ذلك فقد حرم الإسلام أسباب الجريمة ودواعيها ووسائلها كحرمة الجريمة نفسها، ليستوقف الناس دوماً على مسافة بعيدة من حدود الجريمة لئلا يقربوها.

تيسير الوسائل الشرعية المباحة

     كما اعتمد الإسلام في الجانب الآخر على إزالة العوائق الطبيعية والمصطنعة التي تعيق إشباع الغريزة بالطريق المشروع النظيف، فيسر الزواج للفقراء رجالاً ونساء ليضمن حصانتهم وعفتهم الحقيقية، ثم حرم الإسلام الخمر؛ لما فيها من أضرار بالغة تصيب الإنسان في عقله وجسده، وتجعله يقف على حافة هاوية الجرائم.

 

محاربة البطالة

     كما حارب الإسلام البطالة، وحث على العمل ورغب فيه؛ لأن الفراغ جو يهيئ للإنسان فرصة الانحراف والوقوع في الجرائم، قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْس مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}، وبسبب إدمانها كم من الأعراض هتكت! وكم من الأنفس أزهقت! هذه أشياء لا ينكرها عقل ولا تحتاج إلى نص، من هنا أمر الإسلام المؤمنين باجتنابها والبعد عنها؛ لأنها أم الخبائث ومفتاح كل شر، كما بينت السنة النبوية المطهرة.

العمل في الإسلام

     وقد حظي العمل في الإسلام باهتمام بالغ، وتقدير كبير، فهو دين يكره الكسل، ويحارب الفقر، ويمقت التعطل؛ فالإسلام منهج عملي، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يعمل في كل حياته مع المجاهدين، يحفر الخندق، ومع الطهاة يجمع الحطب، ومع أهله يخدمهم ويساعدهم. وقد حارب النبي - صلى الله عليه وسلم - التسول، وحارب معه فكرة احتقار أي عمل ما دام حلالاً يسد حاجة الإنسان ويحفظ ماء وجهه، فقال: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أم منعوه».

سياسة الإسلام في العقوبة

     وقد ارتبطت سياسة الإسلام في العقوبة ارتباطاً وثيقاً بسياسته في التربية والتنظيم، وقد هيأ الإسلام من سياسة التربية مناخاً طبيعيا تصح عليه دوافع السلوك، وتبدو فيه أعمال الإنسان على النحو المرضي عقلا وذوقاً وشرعاً، فإذا كانت بعد ذلك ثمة جريمة، فقد برهن مقترفها على أنه في حاجة إلى علاج بالعقوبة، تقويماً له وحفاظاً على حرمات الأفراد، وحماية للمجتمع، وتحقيقاً لأمنه، فحين لا تفلح التربية، ولا يفلح التهذيب، فلا مناص من العقوبة أسلوباً تستقيم عليه نفوس لا يجدي معها سواه.

حفظ الكليات الخمس

لذلك فإن العقاب في الإسلام استهدف حفظ الكليات الخمس، فلحفظ النفس شرع القصاص، ولحفظ الدين شرع حد الردة، ولحفظ العقل شرع حد الخمر، ولحفظ النسل شرع حد الزنا، وللحفاظ على المال شرع حد السرقة، ولحماية هذه كلها شرع حد الحرابة.

أداة الـجريمة الـحقيقية

 

   

 وتعليقًا على هذه الظاهرة تساءل رئيس مركز ابن خلدون للدراسات د. وائل الحساوي قائلاً: دعونا نبحث عن أداة الجريمة الحقيقية وعن المجرم الحقيقي، أليست مشاهد العنف التي يراها أطفالنا وشبابنا يوميا في برامج التلفزيون وألعاب الإنترنت قد شاركت في تلك الجريمة؟

     وأضاف د. الحساوي أن العديد من الدراسات بينت أن الأحداث المنحرفين قد تلقوا معلوماتهم من الأفلام التي تشرح لهم تفاصيل ارتكاب الجريمة، وطرائق الاعتداء على الناس، ووجد أن برامج التلفزيون وألعاب الأطفال التي تنقل الأطفال والمراهقين من الحياة الواقعية إلى الحياة الخيالية تسهل لهم ارتكاب الجرائم، «إنهم بعد المشاهدة غاضبون ومخدرون» كما يقول علماء النفس.

     ثم يتساءل مرة أخرى ويقول: وماذا عن الأم والأب، أليسا من أكبر أدوات الجريمة إن هما تخليا عن الطفل وأهملاه أو ربياه التربية المنحرفة؟ إن الأطفال الذين يشاهدون اعتداء آبائهم على أمهاتهم، واعتداء آبائهم عليهم، يخرجون محطمي الشخصية، يلجؤون إلى العنف والاعتداء على غيرهم؛ ليخففوا من إحباطاتهم، وكثير من البيوت لا يعتدون على أطفالهم ولكنهم يهملونهم ولا يهتمون إلا بأكلهم ولبسهم، ثم يرسلونهم إلى الشوارع ليتربوا مع المنحرفين والمجرمين، فمنهم من يدمن المخدرات والسجائر، ومنهم من يتعلم السرقة والإجرام، ومنهم من يعوض نقصه بركوب السيارات السريعة والانقضاض على الآخرين.

التكنولوجيا الحديثة

     ويؤكد د. الحساوي أن التكنولوجيا الحديثة، من الألعاب المتطورة تعد وسائل متطورة لتعليم الجريمة، وتنقل مشاهديها إلى أخطر المواقع العالمية؛ حيث يعيشون مع تجار المخدرات والقمار وبيع الأطفال والدعارة ورفقاء السوء، حتى مواقع التحدث «chatting» والمدونات التي لا رقابة عليها، وهكذا تعمل تلك الوسائل مجتمعة على تحطيم شخصية الطفل وطمس هويته.

     ثم يختم د. الحساوي كلامه قائلاً: وفي ظني أن أخطر تلك العوامل المسببة لزيادة الجريمة، هؤلاء الذين يحاربون التوجه الديني والتربية الإيمانية للأطفال، بحجة تحصينهم من الوقوع في الإرهاب، متجاهلين أن الإرهاب لا يأتي إلا من الانحراف السلوكي، وفساد التصورات الإيمانية والعقدية، وغياب التربية الصحيحة على مباديء الإسلام وثوابته التي تحرم القتل والظلم وسفك الدماء بغير حق.

دور الإعلام في الحد من الجريمة

     وفي السياق ذاته أكد رئيس قطاع العلاقات العامة والإعلام ورئيس تحرير مجلة الفرقان سالم الناشي أن وسائل الإعلام لها دور كبير وفعال في الحد من ظاهرة انتشار الجريمة، وذلك من خلال الرسالة الإعلامية التي تبثها الى الجمهور من برامج واعية ومتطورة، فالإعلام يمكن أن يسهم بنصيب وافر في الوقاية من الجريمة ومكافحتها، وذلك من خلال تحصين أفراد المجتمع من السلوك الإجرامي، والحد من آثاره السلبية على الفرد والمجتمع.

وإذا أردنا أن نوجز أهم النقاط الأساسية التي ينبغي على الإعلام عموما التركيز عليها لكي يكون له دور في مكافحة الظواهر السلبية نجدها كالتالي:

- بث الوعي لدى أفراد المجتمع بالقيم الاجتماعية والدينية بطريقة أفضل مما هو عليه الآن.

- عمل ندوات ومؤتمرات لعلماء الاجتماع والتربية وعلماء النفس وعلماء الدين وحث أفراد المجتمع بأهمية غرس القيم في نفوس الأفراد للوقاية من ارتكاب الجرائم.

- تسليط الضوء على الدور الإيجابي للمؤسسات التربوية والمدارس والمراكز الشبابية في حمايتهم ووقايتهم من الوقوع في براثن الجريمة.

- إظهار بشاعة الجرائم والآثار المترتبة عليها بالوسائل والسبل المتاحة.

من أهم أسباب الانـحراف

     وعلى الجانب النفسي يرى د. مصطفى أبو سعد الاستشاري النفسي والتربوي والمتخصص في التنمية البشرية، أن من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة: ضعف الوازع الديني، ورفقاء السوء، والاعتقاد غير الصحيح بإثبات الذات، والشعور بالفراغ، وحب التقليد، وضعف الشخصية من أهم الأسباب التي تؤدي إلى الجريمة.

     كما أشار د. أبو سعد إلى أن الأسرة تساهم في عملية الانحراف؛ بسبب القدوة السيئة من قبل الوالدين وانشغالهما عن الأبناء، وغياب الرقابة والمتابعة والقسوة الزائدة على الأبناء، وعدم وجود الروابط العائلية ولا سيما مع كثرة حالات الطلاق وقلة الحوار الداخلي في الأسرة، مشيرًا إلى أن المجتمع يساعد أيضًا على الانحراف؛ بسبب توافر سبل الانحراف وسهولة الحصول عليها، وكثرة أماكن اللهو، مع ضعف الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام المختلفة في التوعية والإرشاد، كذلك مع غياب رسالة المدرسة، وعدم وجود قوانين صارمة؛ فمن أمن العقاب، أساء الأدب.

الأبعاد القانونية للأزمة

 

     من ناحيته بين الـمحامي عبد الله الدمخي أن السبب في زيادة معدلات الجريمة هو ضعف القوانين والتشريعات، فكان من نتيجته شعور المرتكب لتلك الجرائم بأن الأحكام التي ستطبق عليه ستكون أحكامًا مخففة، لا تتعدى بضع سنوات من السجن في سجون (ترفيهية) -على حد قوله-، وقال: يجب أن تتغير القوانين؛ لأنها موضوعه منذ قرابة الثلاثين عامًا، والأمور تغيرت الآن وتبدلت.

دور الإعلام

من جانبه بين الكاتب الأردني أسامة شحادة كيف ساهم الإعلام في ترويج جرائم القتل وزيادتها؛ حيث أشار إلى إحدى الدراسات بعنوان «محاولة في سوسيولوجيا الإعلام الإجرامي»؛ حيث تشرح تلك الدراسة كيفية تأثير وسائل الإعلام على انتشار الظواهر الإجراميّة وهي:

(1) التعليم

     إنّ بعض طرائق نشر خبر الجرائم أو جعلها ركنا أساسيّا في الإعلام، جعل منها سلوكا عدوانيا؛ فبنشر تفاصيل ارتكاب الجريمة، يمكن تعلّم أساليب سرقة السيّارات، وإخفاء معالم ملكيتها، وكيفيّة تزوير الوثائق، ووسائل الغشّ التجاري، وغيرها من أساليب الانحرافات السلوكيّة.

(2) جعل الجريمة مرغوبة

     من الانعكاسات المباشرة لوسائل الإعلام على الأطفال والشباب، جَعْل المجرم شخصًا جذابًا، من خلال البطولات التي يقوم بها، وذكائه الخارق للعادة، بل قد يصير هذا المجرم نموذجًا ورمزا في خيال المشاهد، ولاسيما عندما يقوم بدور المجرم «نجمٌ» من النجوم السينمائيّة المحبوبين لدى الجمهور، والشيء نفسه يحصل في الصحف المكتوبة عندما تصوغ الخبر الإجرامي بأسلوب جذّاب.

 (3) التقليد والمحاكاة

     تقليد ما يعرض في وسائل الإعلام من أكثر الآثار المباشرة على سلوك أفراد المجتمع، ولاسيما فئات الأطفال والشباب؛ إذ هناك التقليد الإرادي لأبطال مسلسلات وأفلام العنف، وهناك أيضا التقليد اللاإرادي، ولاسيما ما يحدث بسبب التشبّع الحسّي-الحركي الناتج عن تكرار المواضيع، والتشبّع هو نوع من أنواع التعلّم، يتميّز بأنّ الشخص يتعلّم من دون أن يدري أنّه يتعلّم، ومن ثم لا يدري ما يتعلّمه.

(4) تراجع دور الأسرة

     كانت الأسرة في العادة تقوم بدور الوسيط الإيجابي بين الفرد والقيم الاجتماعيّة؛ إذ تحاول عبر التنشئة الاجتماعيّة خلق نوع من الحصانة التربويّة والتنشئة الاجتماعية التي تحول بين الطفل وبين الانحراف، كما تقوم أيضًا عبر آليات متنوّعة بخلق التوازن النفسي والاجتماعي بين المحيط الخارجي (الروضة، المدرسة، الشارع، الأصدقاء... وبين ما تطمح له العائلة من تربية لأبنائها، لكن مع دخول الأجهزة الذكية والدور الذي أصبحت تقوم به، ولاسيما سيطرتها الكليّة على الأطفال، بدأت الأسرة تفقد مكانتها تدريجيّا، وصارت كلّ التأثيرات التي كانت الأسرة تخاف منها وتمارس سلطتها لمنع التأثر بها، يشاهدها الأطفال والشباب داخل البيت لا خارجه.

(5) فقدان الاستقلاليّة

     تساهم وسائل الإعلام عموماً، والأجهزة الذكية خصوصاً، في فقدان استقلاليّة الفرد أو الشخص المتقبّل للرسالة الإعلاميّة؛ بحيث تَحوّل هذا الجهاز إلى مصدر تعليم وتوجيه ومصدر انصياع من قبل المتقبّل، فهذه الأجهزة تخلق حالة التحام جديدة لا يستطيع الطفل فيها أن يقول «أنا» أو «لا»؛ لأنّه في موقع المسيطر عليه، وبذلك يفقد كل استقلاليته.

(6) قتل الإحساس جرّاء مشاهدة برامج العنف

     مِن تأثير الإعلام على سلوك الأفراد والجماعات قتل الإحساس تجاه الآخرين، ولاسيما في حالة برامج العنف التي أصبحت اليوم تطغى بشكل بارز في الألعاب الإلكترونية والأفلام والمسلسلات، ولاسيما المخصّصة منها للأطفال، فحسب دراسة إحصائيّة أوّليّة أجريت خلال العامين 2004- 2005 لإحدى أكثر القنوات التلفزيّونية جاذبيّة من طرف الأطفال، سجّلت نسبة تجاوزت 80% من البرامج التي تتضمّن عنفا وحروبا، وحسب دراسة أميركيّة قامت بها (ميديا سكوب)، يتّضح أن 75% من أعمال العنف على الشاشة لا يُعاقب أصحابها عليها.

 

 

توصيات دراسة مجلس الأمة 2013

 

خرجت دراسة صادرة عن إدارة الدراسات والبحوث بالأمانة العامة لمجلس الأمة عام 2013 حول الجريمة في الكويت من حيث المعدلات والأسباب والآثار والحلول، بمجموعة من التوصيات المهمة للحد من الجريمة فجاءت كالتالي:

(1) ضرورة إنشاء مركز علمي أمني متخصص، يضم مجموعة من الخبراء والمتخصصين بمشاركة المؤسسات ذات العلاقة في المجال الأمني، يكون من مهامه القيام بالدراسات والأبحاث العلمية في مجال الجريمة والانحراف، وتوفير بيانات إحصائية كافية وشاملة في مجال الأمن تتعلق بالجريمة والانحراف، ووضع خطط وبرامج توعوية وإرشادية للمجتمع وأفراده بوصفها جانبا وقائيا للجريمة والانحراف، وكذلك وضع خطط استراتيجية في مقاومة الجريمة والانحراف وتحقيق الأمن المجتمعي، سواء كانت خططاً طويلة المدى أم متوسطة أم قصيرة وإقناع أصحاب القرار بتبني مثل هذه الخطط.

(2) القيام بدراسات لقياس معدلات الجريمة والانحراف في المجتمع لتحديد أنماطها وأنواعها، وربطها بالمتغيرات المجتمعية وصولاً إلى التشخيص الجيد للمشكلة.

(3) توفير الرقابة على الشباب وعلى من يرتكبون جرائم لأول مرة؛ لأن هناك كثيراً ممن يرتكبون الجرائم هم مجرمون بالمصادفة، فاختلاطهم مع المجرمين ذوي السوابق خطر عليهم.

(4) أهمية التركيز على الأسرة في عملية التنشئة وتوعية الأسرة بأهمية التنشئة السليمة لأفرادها وتحقيق الأمن والاستقرار لدى الأبناء.

(5) التركيز على دور المدرسة في عملية التربية السليمة، وعدم اقتصارها على الجوانب التعليمية، وتزويد المدارس بالمتخصصين والمرشدين ومراقبي السلوك، وتعزيز العلاقة بين المدرسة والأسرة.

(6) ضرورة وضع برامج لمعالجة مشكلات الشباب ولاسيما قضية البطالة معالجة فعالة، والتوعية السلوكية من خلال برامج هادفة، وفتح مراكز وأندية شبابية رياضية وترفيهية موجهة لإبراز المواهب والقدرات.

(7) الحد من ظاهرة الجرائم الإلكترونية، وذلك من خلال إدخال مادة أخلاقيات الإنترنت ضمن المناهج الدراسية في التعليم ما قبل الجامعي، ونشر الوعي بين صفوف المواطنين ولاسيما الشباب بمخاطر التعامل مع المواقع السيئة على الإنترنت، وتعزيز التعاون مع المؤسسات الدولية المعنية بمكافحة مثل هذه الجرائم وخلق قوانين قوية للتصدي لها.

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة