أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

مقالات » الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - بعض الأحكام المستفادة من سورة مريم - خلق عيسى عليه السلام دليل على قدرة الله

للكاتب: د.وليد خالد الربيع

نسخة للطباعة

الأحكام الفقهية من القصص القرآنية - بعض الأحكام المستفادة من سورة مريم - خلق عيسى عليه السلام دليل على قدرة الله

 

قال -سبحانه-: {فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا} (سورة مريم:23) قصة مريم وابنها نبي الله عيسى -عليهما السلام- آية ظاهرة، ودلالة باهرة على عظيم قدرة الله -تعالى- وعجيب خلقه وبديع صنعه، كما قال -تعالى-: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ} (المؤمنون:50) قال ابن كثير: « جعلهما آية للناس أي: حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء، فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم، وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر، وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى».

وهذه الآية الكريمة توضح جانبا مما مرت به مريم -عليها السلام- من المعاناة البدنية، والقلق المعنوي خشية نسبتها إلى الفاحشة وهي العفيفة العابدة فتمنت الموت.

وهنا تبرز مسألة مشكلة وهي (حكم تمني الموت)، وسبب الإشكال ما ورد فيها من نصوص وآثار متعارضة.

النصوص التي تمنع تمني الموت

عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ اَلْمَوْتَ لِضُرٍّ يَنْزِلُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ: اَللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ اَلْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ اَلْوَفَاةُ خَيْرًا لِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ

وعن خباب: «وَلَوْلاَ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَانَا أَنْ نَدْعُوَ بِالْمَوْتِ لَدَعَوْتُ بِهِ» أخرجه البخاري

وقَالَ أَنَسٌ بن النضر: «لَوْلاَ أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لاَ تَتَمَنَّوُا المَوْتَ» لَتَمَنَّيْتُ» أخرجه البخاري

النصوص التي ظاهرها جواز تمني الموت

دعاء يوسف -عليه السلام-: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} (يوسف:101)

وقالت مريم لما ضربها الطلق: {يا ليتني مت قبل هذا} (مريم: 23)

وعن عَائِشَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إِلَيَّ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الأعلى» أخرجه البخاري.

وقال ابن حجر في الفتح: «وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَفِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «اللَّهُمَّ كَبِرَتْ سِنِّي وَضَعُفَتْ قُوَّتِي وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مُضَيِّعٍ وَلَا مُفَرِّطٍ».

ونقل ابن كثير أن علي بن أبي طالب في آخر إمارته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له، ولا يزداد الأمر إلا شدة قال: « اللهم خذني إليك، فقد سئمتهم وسئموني».

مسالك العلماء في التوفيق بين الأدلة

     فمنهم من قال: النهي عن تمني الموت منسوخ، والناسخ له قَوْل يُوسُفَ المتقدم وَقَوْل سُلَيْمَانَ عليهما السلام: {وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحين} وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي احتضار النبي - صلى الله عليه وسلم - وَبِدُعَاءِ عُمَرَ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ.

وأجيب: بعدم التسليم لدعوى النسخ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ إِنَّمَا سَأَلُوا مَا قَارَبَ الْمَوْتَ، فمراد يوسف -عليه السلام- {تَوَفَّنِي مُسلما} أي: عِنْد حُضُور أَجلي. وَكَذَلِكَ مُرَادُ سُلَيْمَانَ -علَيْهِ السَّلَامُ.

     قال ابن كثير: « وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف -عليه السلام- قاله عند احتضاره، ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا حان أجله، وانقضى عمره، لا أنه سأل ذلك منجزا، كما يقول الداعي لغيره: «أماتك الله على الإسلام»، ويقول الداعي: «اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين».

     ومنهم من حمل الجواز على أنه شرع من قبلنا، وقد ورد في شرعنا النهي عنه، كما قال قتادة: قوله: {توفني مسلما وألحقني بالصالحين} لما جمع الله شمله وأقر عينه، وهو يومئذ مغمور في الدنيا وملكها وغضارتها، فاشتاق إلى الصالحين قبله، وكان ابن عباس يقول: «ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف -عليه السلام».

قال ابن كثير: «ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا». للنهي الوارد في ذلك.

النهي للكراهة

     ومنهم من حمل النهي على الكراهة إذا لحق بالإنسان أضرار دنيوية، والجواز أن يفوض الأمر لله -تعالى- عند خوف الفتن الدينية ويجوز سؤال الموت كما قال الله -تعالى- إخبارا عن السحرة لما أراد فرعون فتنتهم قالوا: {ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين} (الأعراف: 126).

     وكما أرشدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك، قال النووي: «فِيهِ التَّصْرِيحُ (أي: الحديث) بِكَرَاهَةِ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَاقَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا، فَأَمَّا إِذَا خَافَ ضررا في دينه أو فتنة فِيهِ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ لِمَفْهُومِ هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ، وَقَدْ فَعَلَ هَذَا الثَّانِي خَلَائِقُ مِنَ السَّلَفِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فِي أَدْيَانِهِمْ، وَفِيهِ أَنَّهُ إِنْ خَافَ وَلَمْ يَصْبِرْ عَلَى حَالِهِ فِي بَلْوَاهُ بِالْمَرَضِ وَنَحْوهِ فَلْيَقُلْ: «اللَّهُمَّ أَحْيِنِي إن كانت الحياة خيرا لي» إِلَخْ، وَالْأَفْضَلُ الصَّبْرُ وَالسُّكُونُ لِلْقَضَاءِ».

تمني الموت خشية الفتنة

     وقال ابن حجر: « قَوْلُهُ: «مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ» حَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى الضُّرِّ الدُّنْيَوِيِّ، فَإِن وجد الضّر الْأُخْرَوِيَّ بِأَنْ خَشِيَ فِتْنَةً فِي دِينِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ ذَلِكَ من رِوَايَة بن حِبَّانَ: «لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا».

واستدل بحَدِيث مُعَاذٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ: «وَإِذَا أَرَدْتَ بِقَوْمِ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ».

وفي الحديث: «إن الرجل ليمر بالقبر- أي: في زمان الدجال - فيقول: يا ليتني مكانك» لما يرى من الفتن والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون».

وعن محمود بن لبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اثنتان يكرههما ابن آدم: الموت، والموت خير للمؤمن من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب» أخرجه أحمد صححه الألباني.

وعليه يحمل قول مريم -عليها السلام- كما قال ابن كثير: «فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة».

وقال القرطبي: «تمنت مريم -عليها السلام- الموت من جهة الدين لوجهين: أحدهما: أنها خافت أن يظن بها الشر في دينها وتعير فيفتنها ذلك. الثاني: لئلا يقع قوم بسببها في البهتان والنسبة إلى الزنا وذلك مهلك».

النهي للتسخط والاعتراض

     ومنهم من حمل النهي على الصيغة المطلقة التي يدل ظاهرها على التسخط والاعتراض على قدر الله وحكمته، ويجوز أن يدعو بما ورد مقيدا كما تقدم، قال ابن حجر: «قَوْلُهُ: «فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ فَاعِلًا» فِي رِوَايَةِ عَنْ أَنَسٍ: «فَإِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا لِلْمَوْتِ فَلْيَقُلِ إِلَخْ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى هَذِهِ الصِّيغَةِ؛ لِأَنَّ فِي التَّمَنِّي الْمُطْلَقِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةٍ لِلْقَدْرِ الْمَحْتُومِ، وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا نَوْعُ تَفْوِيضٍ وَتَسْلِيمٍ لِلْقَضَاءِ».

     ومنهم من حمل الجواز على من نزل به الموت فعلا فقال ابن حجر: «قَوْله في رواية: «وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ» وَهُوَ قَيْدٌ فِي الصُّورَتَيْنِ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ إِذَا حَلَّ بِهِ لَا يَمْنَعُ مِنْ تَمَنِّيهِ رِضًا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَلَا مِنْ طَلَبِهِ مِنَ اللَّهِ لِذَلِكَ وَهُوَ كَذَلِكَ، وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ عَقَّبَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى» إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ النَّهْيَ مُخْتَصٌّ بِالْحَالَةِ الَّتِي قَبْلَ نُزُولِ الْمَوْتِ».

قال: « وذَلِكَ لَا يُعَارِضُ النَّهْيَ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَالدُّعَاءَ بِهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْحَالَةَ مِنْ خَصَائِصِ الْأَنْبِيَاءِ؛ أَنَّهُ لَا يُقْبَضُ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ بَيْنَ الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَبَيْنَ الْمَوْتِ».

الحكمة من عدم تمني الموت

وبيّن النبي صلى الله عليه وسلم  الحكمة في عدم تمني الموت بقوله: « وَلاَ يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ «أخرجه البخاري

قال ابن حجر: «وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَالدُّعَاءِ بِهِ هُوَ (انْقِطَاعُ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ) فَإِنَّ الْحَيَاةَ يَتَسَبَّبُ مِنْهَا الْعَمَلُ، وَالْعَمَلُ يُحَصِّلُ زِيَادَةَ الثَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ إِلَّا اسْتِمْرَارُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ.

 فَخَرَجَ الْخَبَرُ مَخْرَجَ تَحْسِينِ الظَّنِّ بِاللَّهِ، وَأَنَّ الْمُحْسِنَ يَرْجُو مِنَ اللَّهِ الزِّيَادَةَ بِأَنْ يُوَفِّقَهُ لِلزِّيَادَةِ مِنْ عَمَلِهِ الصَّالِحِ، وَأَنَّ الْمُسِيءَ لَا يَنْبَغِي لَهُ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَلَا قَطْعُ رَجَائِهِ».

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة