أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

مقالات » من روائع أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية - في الأسماء والصفات

للكاتب: وائل رمضان

نسخة للطباعة

من روائع أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية - في الأسماء والصفات

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -في شرح حديث النزول (2/ 32 - 33)-: «وتمام الكلام في هذا الباب: أنك تعلم أنا لا نعلم ما غاب عنا إلا بمعرفة ما شهدناه، فنحن نعرف أشياء بحسِّنا الظاهر أو الباطن، وتلك معرفة معينة مخصوصة، ثم إنا بعقولنا نعتبر الغائب بالشاهد، فيبقى في أذهاننا قضايا عامة كلية، ثم إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا.

     فلولا أنا نشهد من أنفسنا جوعًا وعطشًا، وشبعًا ورِيّا وحبًّا وبغضًا، ولذة وألمًا ورِضًا وسخطًا، لم نعرف حقيقة ما نخاطب به إذا وصف لنا ذلك، وأخبرنا به عن غيرنا، وكذلك لو لم نعلم ما في الشاهد حياة وقدرة، وعلمًا وكلامًا، لم نفهم ما نخاطب به إذا وصف الغائب عنا بذلك. وكذلك لو لم نشهد موجودًا، لم نعرف وجود الغائب عنا، فلابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ، فبهذه الموافقة والمشاركة والمشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته، وهذا خاصة العقل، ولولا ذلك لم نعلم إلا ما نحسه، ولم نعلم أمورًا عامة ولا أمورًا غائبة عن أحاسيسنا الظاهرة والباطنة، ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته.

الدار الآخرة

     ثم إن اللّه -تعالى- أخبرنا بما وعدنا به في الدار الآخرة من النعيم والعذاب، وأخبرنا بما يؤكل ويشرب وينكح ويفرش وغير ذلك، فلولا معرفتنا بما يشبه ذلك في الدنيا، لم نفهم ما وعدنا به، ونحن نعلم مع ذلك أن تلك الحقائق ليست مثل هذه، حتى قال ابن عباس - رضي الله عنه -: ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء، وهذا تفسير قوله: {وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً} (البقرة: 25) على أحد الأقوال.

مشابهة وموافقة

     فبين هذه الموجودات في الدنيا وتلك الموجودات في الآخرة مشابهة وموافقة واشتراك من بعض الوجوه، وبه فهمنا المراد، وأحببناه ورغبنا فيه، أو أبغضناه ونفرنا عنه، وبينهما مباينة ومفاضلة لا يقدر قدرها في الدنيا، وهذا من التأويل الذي لا نعلمه نحن، بل يعلمه اللّه -تعالى».

حال الإنسان

     وقال في مجموع الفتاوى (9/ 295-296): «فإنه يعلم الإنسان أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم، فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لو لم يتصور لهذه المعاني من نفسه ونظره إليه لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة فقد قال ابن عباس- رضي الله عنه-: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء»، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا؛ بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع عليها ما يمتنع عليها، وتكون مادتها مادتها، وتستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله؛ فإن ماءها ليس نابعا من تراب ولا نازلا من سحاب مثلما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك، فإذا كان ذلك المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه، عُلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة، فالخالق جل جلاله أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا.

     فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلا لخلقه؛ إذ كان بُعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بُعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان لها حياة وقوة وعمل، وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئا من المخلوقين»؟.

لفظ الاستواء

     وقال في مجموع الفتاوى (33 /185 - 186): «لفظ استوى لم تستعمله العرب في خصوص جلوس الآدمي مثلا على سريره حقيقة حتى يصير في غيره مجازا، كما أنّ لفظ العلم لم تستعمله العرب في خصوص العرض القائم بقلب البشر المنقسم إلى ضروري ونظري حقيقة، واستعمله في غيره مجازا، بل هذا المعنى تارة يستعمل بلا تعدية كما في قوله -تعالى-: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى} (القصص: 14) وتارة يعدّى بحرف الغاية كقوله -تعالى-: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ} (البقرة: 29) وتارة يعدى بحرف الاستعلاء.

     ثم هذا تارة يكون صفة لله، وتارة يكون صفة لخلقه، فلا يجب أن يجعل في أحد الموضعين حقيقة وفي الآخر مجازا، ولا يجوز أن يفهم من استواء الله -تعالى- الخاصية التي تثبت للمخلوق دون الخالق كما في قوله -تعالى-: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ} (الذاريات: 47) وقوله -تعالى-: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} (يس: 71) وقوله -تعالى-: {صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ} (النمل: 88) وقوله -تعالى-: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ} (الأنبياء: 105) {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ} (الأعراف: 145).

     فهل يستحل مسلمٌ أن يثبت لربه خاصية الآدمي الباني والصانع العامل الكاتب، أم يستحل أن ينفي عنه حقيقة العمل والبناء كما يختص به ويليق بجلاله، أم يستحل أن يقول: هذه الألفاظ مصروفة عن ظاهرها، أم الذي يجب أن يقول: عَمَلُ كل أحد بحسبه، فكما أن ذاته ليست مثل ذوات خلقه، فعمله وصنعه وبناؤه ليس مثل عملهم وصنعهم وبنائهم.

     ونحن لم نفهم من قولنا: بنى فلان وكتب فلان ما في عمله من المعالجة والتأثر إلا من جهة علمنا بحال الباني لا من جهة مجرد اللفظ، ففرِّق -أصلحك الله- بين ما دل مجرد اللفظ الذي هو لفظ الفعل، وما يدل عليه بخصوص إضافته إلى الفاعل المعين، وبهذا ينكشف لك كثير ما يشكل على كثير من الناس، وترى مواقع اللبس في كثير من هذا الباب».

قدر مشترك وقدر مميز

     وقال في درء تعارض العقل والنقل (5/ 83 - 85): «ما من موجودين إلا بينهما قدر مشترك، وقدر مميز، فإنهما لا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأنّ كلا منهما له حقيقة هي ذاته ونفسه وماهيته، حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافا ظاهرا كالسواد والبياض فلابد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ونحو ذلك، بل وفيما هو أخص من ذلك مثل كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره ونحو ذلك وهما مع هذا مختلفان.

     وإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق، فمعلوم أن الله -تعالى- ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها، ولا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه، -سبحانه وتعالى- عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع، فهو -سبحانه- لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له.

القدر المطلق

     وإذا أُخذ القدر المطلق الذي يتفق فيه الخالق والمخلوق، مثل مسمى الوجود والحقيقة والعالم والقادر ونحو ذلك، فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله -تعالى- لا مثل له أصلا.

     والقدر المشترك المطلق كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك لا يلزمه شيء من صفات النقص الممتنعة على الله -تعالى-، فما وجب للقدر المطلق المشترك لا نقص فيه ولا عيب، وما نفي عنه فلا كمال فيه، وما جاز له فلا محذور في جوازه.

     وأما ما يتقدس الرب -تعالى- ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله -تعالى- منزه عن كل نقص وعيب، وهذه معان شريفة بسطت في غير هذا الموضع».

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة