أخبار سريعة
الخميس 28 اكتوبر 2021

مقالات » الطريق إلى الاستقامة - العبودية الحقة لله باستقامة الجوارح

للكاتب: د. عاطف الرفاعي

نسخة للطباعة

الطريق إلى الاستقامة - العبودية الحقة لله باستقامة الجوارح

 

فكما أن للقلب عبودية، وسلامة، واستقامة، كذلك الجوارح كلها، لها قسط، ونصيب من التعبد لله -تعالى-، وإذا كان القلب محلا لعبودية الباطن، ومحل كنوزه -سبحانه وتعالى- من الإيمان، والتوحيد، والإخلاص، والمحبة، والحياة، والتعظيم، والمراقبة، فإن الجوارح هي ساحة العبودية الظاهرة، لكل جارحة منها ما يناسبها من أعمال العبودية، فيكون المرء عبداً لله -تعالى- في ظاهره وباطنه، كما يحب ربه، ويرضى، وهذا هو المقصود من معرفة الله -تعالى- ومحبته في الدنيا، وكذلك من ثوابه وحسن جزائه في الآخرة، أن يكون عبدا لله -تعالى- كما أمر:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذاريات: 56).

     ومعنى يعبدون: أن يأخذ قلبه حظه من العبودية، وكل جوارح المرء خلقت كذلك لعبودية الله -تعالى-، عينه، وسمعه، وكلامه، ويده، ورجله، ومتى ما تحققت الجوارح بالعبودية، كان ذلك دليلاً على عبودية القلب لله -تعالى-؛ إذ لما صلح القلب، صلحت سائر الجوارح، فحظُّ الجوارح من الاستقامة متوقف على صلاح القلب، واستقامته، وقد وقال بعض أهل العلم: «عينا الإنسان هاديان، وأذناه رسولان إلى قلبه، ولسانه ترجمان، ويداه جناحان، ورجلاه بريدان، والقلب ملك؛ فإذا طاب الملك طابت جنوده، وإذا خبث خبثت جنوده».

أكمل الأعمال والأقوال

     ومن رحمته -سبحانه- أن شرع لعباده أكمل الأعمال، والأقوال، يعبدونه بها، ويتقربون إليه بالمداومة عليها، فشرع الصلوات الخمس إقامة لذكره، واستعمالا للقلب والجوارح واللسان، وإعطاءَ كل منها قسطَه من العبودية التي هي المقصود بخلق العبد، فوضعت الصلاة على أكمل مراتب العبودية، ولأنها عماد الدين، وعمود الإسلام، فإن صلحت، واستقامت تنصلح وتستقيم سائر عباداته، وتقوى صلته بربه، حتى يكون حقيقاً باصطفاء ربه له في الدنيا مع ما أعد الله له - إذا قدم عليه - من الفضل التام، والثواب الكامل، وهو النظر إلى وجهه الكريم، والفوز برضوانه -جل وعلا-، ومجاورته في جنته -سبحانه وتعالى.

مثبطات استقامة الجوارح

ورغم سهولة الكلام، وما ينشأ عنه من الصور الجميلة لاستقامة الجوارح، يبقى أن التحقق بذلك يحول بيننا وبينه عوائق، ومثبطات... فما هي؟

     امتحن الله -تبارك وتعالى- عباده تمحيصاً لهم، وقد ابتلاهم بثلاثة أمور هي: الشهوة، والغضب، والغفلة، ابتلاهم بذلك؛ حتى يتميز الناس، أهل الاستقامة عن غيرهم من المنحرفين المسيئين، وحتى يتميز العبد الذي يقبل على الله -تعالى- ممن أعرض ونأى بجانبه عن ربه، فلا يخلو أحد من هذه الثلاث، فضلا عن عدوه إبليس، الذي لا يفتر عنه، ولا ينام عنه لحظة واحدة؛ يدخل عليه من الأبواب التي هي من نفسه، وطبعه؛ فتميل نفسه معه، فيتفق الشيطان والهوى والنفس، هذه كلها تتفق على العبد، فلا تزال هذه الجوارح في طاعتهم كيف أمروا، وأين يمموا.

العون الرباني

 ولما كان الحال كذلك، اقتضت رحمة الله -تعالى- أن أعان عبده بجند آخر في مقابل هؤلاء الجند، أعانه -سبحانه وتعالى-، وأمده بمدد يقاوم به هؤلاء؛ فأرسل إليه رسوله، وأنزل إليه كتابه، وأيد العبد بمَلَك كريم يقابل عدوه الشيطان.

     فإذا أمره الشيطان بأمر أمره الملَك بأمر ربه، وبين له ما في طاعة العدو من الهلاك، وأنت - أيها القارئ - تلاحظ ذلك في نفسك، حين يأتيك الشيطان يقول لك، ويلح عليك: اعمل كذا افعل كذا وكذا من المعاصي والذنوب، فتجد في نفسك ممانعة، ونفور، وهذا من الملَك، فالعبد بين هذين بحسب أحواله، فهذا يلم به مرة، وهذا مرة، والمنصور من نصره الله -عز وجل-، والمحفوظ من حفظه الله -تعالى.

النفس المطمئنة

     كما جعل له نفسا مطمئنة في مقابل نفسه الأمارة بالسوء، فإذا أمرته النفس الأمارة بسوء، نهته النفس المطمئنة، وإذا نهته الأمارة عن الخير أمرته به النفس المطمئنة، والغالب منهما يكون هو المسيطر على المرء، وربما انقهرت إحداهما بالكلية قهرا لا تقوم معه أبداً، فقد تنقهر النفس المطمئنة، فيبقى غارقاً في الشهوات، والنزوات، والمصائب، أسيراً لنفسه الأمارة بالسوء، أو قد تصير نفس المرء مطمئنة تحمله على الانقياد لله -تعالى- والطاعة والمسارعة إلى الآخرة والزهد في الدنيا والإقبال على إصلاح النفس وإصلاح المعاد والمعاش.

مجاهدة النفس

     والعبد بالمجاهدة يفوز بمعية رب العالمين -سبحانه-، وما تقتضيه من الرعاية والعناية والتوفيق، والهداية التي يُنعم الله بها على عباده المستقيمين، وهذا المعنى، وتلك البشرى هي ما جاء في هذا الحديث القدسي العظيم، «عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطُشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي لأُعْطِيَنَّهُ وَلَئِنِ اسْتَعَاذَنِي لأُعِيذَنَّهُ..... الحديث»، فَتَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ الشَّرِيفُ الْإِلَهِيُّ... حَصْرَ أَسْبَابِ مَحَبَّتِهِ - سبحانه - فِي أَمْرَيْنِ: أَدَاءِ فَرَائِضِهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالنَّوَافِلِ.

أداء الفرائض

     وَأَخْبَرَ -سُبْحَانَهُ- أَنَّ أَدَاءَ فَرَائِضِهِ أَحَبُّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ الْمُتَقَرِّبُونَ، ثُمَّ بَعْدَهَا النَّوَافِلُ، وَأَنَّ الْمُحِبَّ لَا يَزَالُ يُكْثِرُ مِنَ النَّوَافِلِ حَتَّى يَصِيرَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ، فَإِذَا صَارَ مَحْبُوبًا لِلَّهِ أَوْجَبَتْ مَحَبَّتُهُ لِلَّهِ لَهُ مَحَبَّةً أُخْرَى مِنْهُ فَوْقَ الْمَحَبَّةِ الْأُولَى، فَشَغَلَتْ هَذِهِ الْمَحَبَّةُ قَلْبَهُ عَنِ الْفِكْرَةِ وَالِاهْتِمَامِ بِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ، وَمَلَكَتْ عَلَيْهِ رُوحَهُ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهِ سِعَةٌ لِغَيْرِ مَحْبُوبِهِ أَلْبَتَّةَ، فَصَارَ ذِكْرُ مَحْبُوبِهِ وَحُبُّهُ وَمَثَلُهُ الْأَعْلَى، وَمَالِكًا لِزِمَامِ قَلْبِهِ مُسْتَوْلِيًا عَلَى رُوحِهِ اسْتِيلَاءَ الْمَحْبُوبِ عَلَى مَحَبَّةِ الصَّادِقِ فِي مَحَبَّتِهِ، الَّتِي قَدِ اجْتَمَعَتْ قُوَى مَحَبَّةِ حُبِّهِ كُلُّهَا لَهُ.

كنت سمعه الذي يسمع به

     وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا الْمُحِبَّ إِنْ سَمِعَ سَمِعَ بِمَحْبُوبِهِ، وَإِنْ أَبْصَرَ أَبْصَرَ بِهِ، وَإِنْ بَطَشَ بَطَشَ بِهِ، وَإِنْ مَشَى مَشَى بِهِ، فَهُوَفِي قَلْبِهِ وَمَعَهُ وَأَنِيسُهُ وَصَاحِبُهُ، فَالْبَاءُ هَاهُنَا لِلْمُصَاحَبَةِ، وَهِيَ مُصَاحَبَةٌ لَا نَظِيرَ لَهَا، وَلَا تُدْرَكُ بِمُجَرَّدِ الْإِخْبَارِ عَنْهَا وَالْعِلْمِ بِهَا، فَالْمَسْأَلَةُ حَالِيَّةٌ لَا عِلْمِيَّةٌ مَحْضَةٌ، وَخَصَّ فِي الْحَدِيثِ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْيَدَ وَالرِّجْلَ بِالذِّكْرِ، فَإِنَّ هَذِهِ الْآلَاتِ آلَاتُ الْإِدْرَاكِ، وَآلَاتُ الْفِعْلِ، وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ يُورِدَانِ عَلَى الْقَلْبِ الْإِرَادَةَ وَالْكَرَاهَةَ، وَيَجْلِبَانِ إِلَيْهِ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ، فَيَسْتَعْمِلُ الْيَدَ وَالرِّجْلَ، فَإِذَا كَانَ سَمْعُ الْعَبْدِ بِاللَّهِ، وَبَصَرُهُ بِاللَّهِ كَانَ مَحْفُوظًا فِي آلَاتِ إِدْرَاكِهِ، وَكَانَ مَحْفُوظًا فِي حُبِّهِ وَبُغْضِهِ، فَحُفِظَ فِي بَطْشِهِ وَمَشْيِهِ.

استقامة اللسان

     أعظم ما يراعى استقامته بعد القلب من الجوارح اللسان؛ فإنه ترجمان القلب، والمعبر عنه، ولهذا لما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالاستقامة، ووصَّاه بعد ذلك بحفظ لسانه، ففي مسند الإمام أحمد عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه»، وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد مرفوعا وموقوفا: «إذا أصبح ابن آدم، فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان، فتقول: اتق الله فينا؛ فإنما نحن بك، فإن استقمت، استقمنا، وإن اعوججت، اعوججنا».

أعمال اللسان

     وأعظم أعمال اللسان عشر خصال: التلفظ بالتوحيد، وتلاوة القرآن، وتعلم العلم، وتعليمه، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعاء، والذكر، ومنه الاستغفار، واجتناب اللغو، وإن استقامة اللسان دليل على استقامة القلب، واستقامة القلب هي أساس استقامة اللسان.

     فأول ما يستقيم من المرء هو قلبه، فإن استقام قلبه استقامت جوارحه، وإن أهم ما تهتم به اليوم هو لسانك، أن تحذر من غوائله، وآفاته، كالغيبة، والنميمة، والكذب، والبهتان، وأن تزينه، وتطيبه، وترطبه دوما بذكر الله، وقراءة كتابه، والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، وكما قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صمت نجا».

     وهكذا أمر الاستقامة يحتاج إلى الإحكام والضبط، والثبات، والصبر فما هي إلا أيام قلائل في الدنيا، ثم ينتقل العبد المستقيم إلى ربه راضياً مرضياً، قال الله -تعالى- {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (13) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأحقاف/13-14).

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة