أخبار سريعة
الإثنين 06 ديسمبر 2021

مقالات » براءة دعوة الإمام محمد ابن عبد الوهاب من الإرهاب والتطرف - الحلقة الثانية -

للكاتب: الفرقان

نسخة للطباعة

براءة دعوة الإمام محمد ابن عبد الوهاب من الإرهاب والتطرف - الحلقة الثانية -

 

استكمالاً لما بدأنا الحديث فيه عن الدفاع عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وبراءتها من التطرف والإرهاب، وبيان أهمية هذه الدعوة الإصلاحية التي عم خيرها أرجاء العالم الإسلامي، ويحاول أعداؤها بين فينة وأخرى تشويهها، وصد الناس عن حقيقتها، وكذلك محاولة بعض المغرضين ومن يريد الاصطياد في الماء العكر نسبة بعض الأعمال الإرهابية لتلك لدعوة الإصلاحية في الجزيرة العربية، وبعد أن تحدثنا عن مصطلح الوهابية، وكيف استُغل استغلالاً سيئًا لتشويه هذه الدعوة الإصلاحية، ونتكلم اليوم عن الوسطية في عقيدة الشيخ ودعوته.

براءة الإمام من تكفير عموم المسلمين

     قام منهج الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- على وسطية أهل السنة في هذا الباب بين طرفي نقيض بين منهج المرجئة وبين منهج الخوارج فالإمام -رحمه الله- يخالف الخوارج في التكفير بالعموم، وينفي ما نسب إليه، فيقول -رحمه الله-: «وقولكم إننا نكفر المسلمين، كيف تفعلون كذا، فإنا لم نكفر المسلمين، بل ما كفرنا إلا المشركين»، يقول الشيخ -رحمه الله-: «وأما ما ذكره الأعداء عني أني أكفر بالظن، وبالموالاة، أو أكفر الجاهل الذي لم تقم عليه الحجة، فهذا بهتان عظيم، يريدون هم تنفير الناس عن دين الله ورسوله».

     ويقول أيضا: «وأما الكذب والبهتان، فمثل هذا قولهم: أنا نكفر بالعموم، ونوجب الهجرة إلينا على من قدر على إظهار دينه، وأنا نكفر من لم يكفر ومن لم يقاتل، ومثل هذا وأضعاف أضعافه، فكل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله».

الإمام من أعظم الناس توقفا وإحجاما

     هذه أقوال الإمام -رحمه الله- في كتابه، وهي موجودة لعامة المسلمين، ليس فيها التكفير بالعموم، بل وسطية أهل السنة ومتابعة الأئمة السابقين، بل إن الإمام -رحمه الله- يتورع فيه غاية التورع، ويصور ذلك التورع حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن فيقول: «والشيخ محمد -رحمه الله- من أعظم الناس توقفا وإحجاما عن إطلاق الكفر، حتى أنه لم يجزم بتكفير الجاهل الذي يدعو غير الله من أهل القبور، أو غيرهم إذا لم يتيسر له من ينصحه ويبلغه الحجة التي يكفر مرتكبها».

السهسواني يبرئ ساحة ابن عبد الوهاب

     ويقول العالم الهندي السهسواني (ت 1226هـ): «إن الإمام وأتباعه لم يكفروا أحدا من المسلمين، ولم يعتقدوا أنهم المسلمون، ومن خالفهم هم مشركون، ولم يستبيحوا قتل أهل السنة وسبي نسائهم... ولقد لقيت غير واحد من أهل العلم من أتباع الشيخ، وطالعت كثيرا من كتبهم، فما وجدت لهذه الأمور أصلا وأثرا، بل كل هذا بهتانا وافتراء».

ثم يؤكد الشيخ محمد رشيد رضا (ت 13544هـ) هذا في تعليقه على كلام السهسواني عن كتب الشيخ «بل في هذه الكتب خلاف ما ذكر وضده، ففيها أنهم لا يكفرون إلا من أتی بما هو كفر بإجماع المسلمين».

دعوة الإمام وكتبه

     وكون كتب الإمام محمد -رحمه الله- وتلاميذه ينتقي منها المتطرفون ما يوافق تطرفهم، فليس ذلك عيبا في كتبه، بل دليل على أن دعوة الإمام وكتبه راجت في عموم المسلمين، فرأى أولئك المتطرفين تسويقا لبضاعتهم أن يستدلوا ببعض النصوص التي تروج لأفكارهم الخارجية، وهم قد عمدوا قبل ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - فانتقوا منهما ما يوافق أفكارهم المتطرفة، يقول الشيخ الدكتور عبد السلام العبد الكريم -رحمه الله- في هذا الصدد: «فالذين يصرخون بأن كتب محمد بن عبدالوهاب وتلامذته هي منشأ هذه الأفكار العنيفة، لا يخفى عليهم أن اعتماد الجماعات الإسلامية المنحرفة في باب التكفير والجهاد على كلام عالم لا يعني أن هذا العالم يوافقهم، كما أنهم عندما يحتجون على ضلالهم بكتاب الله -عز وجل- لا يعني ذلك أن كتاب الله يؤيدهم.

وبيان ذلك: أن هذه الجماعات انتقت من كلام الشيخ وأبنائه وتلامذته ما يظنون انه يوافقهم، وعندما نورد عليهم كلام الإمام ومدرسته فيما ينقض ما فهموه يردونه ولا يقبلونه».

كتب الرحالة الغربيين

     تقول الباحثة الأمريكية د. ناتانا دي لونج: «إن كل الذين حاولوا تشويه الدعوة الوهابية كانوا يعتمدون في معلوماتهم عن الوهابية على كتب الرحالة الغربيين، وهؤلاء الرحالة لم يلتقوا بالشيخ أو بأحد من أتباعه، ولم يقرؤوا شيئا مما كتبه، لذلك ربطوا في كتاباتهم الدعوة الوهابية بحالة العنف التي تمارس اليوم، على رغم أنني وجدت أن فكر الشيخ ضد الإرهاب بكل أشكاله».

شهادة باحثة غربية منصفة

     وتضيف الباحثة قائلة: «لقد أدركت أن معظم الناس قد أساؤوا فهم رسالة الإمام، ولا سيما كتاب التوحيد، على أساس أنه بیان حرب، لقد كان هذا الكتاب بحثا مستفيضا في مضامين التوحيد وعملا علميا رصينا، وليس دعوة إلى الحرب، إنه رسالة تناقش مسؤوليات المؤمنين، ورسالته في الجهاد لم يقصد منها إلا وضع القيود على العنف والتدمير، لقد أكد على حرمة الحياة الإنسانية، ودعا إلى المحافظة على حياة البشر، وقد اتجهت تعاليمه نحو تعليم المؤمنين العقائد الصحيحة عن طريق الدراسة المباشرة للقرآن والسنة».

     حينما نقرأ هذه الكلام من باحثة غربية لم تؤمن بهذا الدين، ومع ذلك لم ينمعها ذلك من أن تنصف الشيخ وكتبه، ونعجب من حال بعض المسلمين تجاه دعوة الإمام محمد ورمیه بالأكاذيب والدعايات المضللة بأنها مصدر للفكر المتطرف والإرهاب، فها هي ذي كتب الشيخ بين أيدي الناس، وهل فيها إلا تعاليم الإسلام الخالص من شوائب البدع والمحدثات؟

وسطية الإمام في باب الولاء والبراء

     عقيدة الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- في هذا الباب هي عقيدة أهل السنة والجماعة، أن الولاء والبراء قام على عقد الإيمان، وأن المؤمن يوالي أهل الإيمان ويبغض أهل الكفر والطغيان، كما جاء في كتاب الله وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} (التوبة:23)، ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «من أحب في الله وأبغض في الله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان».

     ويقول الشيخ في رد الافتراء عليه: «وكذلك تمويهه على الطغام(عامة الناس): بأن ابن عبد الوهاب يقول الذي ما يدخل تحت طاعتي كافر، ونقول: سبحانك! هذا بهتان عظیم، بل نشهد الله على ما يعلمه من قلوبنا، بأن من عمل بالتوحيد، وتبرأ من الشرك وأهله، فهو المسلم في كل زمان ومكان».

إساءة فهم كلام الإمام

     ولهذا لما أسيء فهم كلام الإمام -رحمه الله- في بعض كتبه كان الرد من تلامذته على المخالفين ردا حاسما وصريحا في المسألة، يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (ت:1340هـ) «وبلغنا عنهم تكفير أئمة المسلمين بمكاتبة ملوك المصريين، بل كفروا من خالط من كاتبهم من مشايخ المسلمين، وأما التكفير بهذه الأمور التي ظننتموها من مكفرات أهل الإسلام فهذا مذهب الحرورية المارقين الخارجين على علي بن أبي طالب - رضي الله عنه ».

الولاء والبراء في الإسلام

     ويقول الشيخ صالح الفوزان -حفظه الله-: «والولاء والبراء في الإسلام ليس معناهما الإرهاب والتعدي على أصحاب الديانات السماوية، وإنما معناهما معاداة أعداء الله كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} (الممتحنة:1) ليحصل التمايز بين المسلم والكافر، حتى يحتفظ المسلم بإسلامه وعقيدته ويعتز بدينه»، فهذه الدعوة الإصلاحية ليست حزبية لا لمكان ولا لقبيلة، بل هي دعوة الإسلام التي تجمع المسلمين، فالولاء والبراء فيها على الكتاب والسنة.

 

أضف تعليقك

التعليقات

لا توجد تعليقات لهذه المادة

©2015 جميع الحقوق محفوظة