أخبار سريعة
الإثنين 06 ديسمبر 2021

مقالات » لأول مرة منذ عام ونصف - الكويت تشهد أول جمعة دون تباعد

للكاتب: المحرر المحلي

نسخة للطباعة

لأول مرة منذ عام ونصف  - الكويت تشهد أول جمعة دون تباعد

 

لاقى قرار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بعودة التقارب بين المصلين والاصطفاف في الصلاة مرة أخرى، استحسان العديد من الدعاة والمصلين ورواد بيوت الله، وقد أزالت الوزارة العلامات الفاصلة بين المصلين في مختلف المساجد للعودة لرص الصفوف، وكان ذلك يوم الجمعة 16 ربيع الأول 1443 هـ، الموافق 22 أكتوبر2021، تنفيذا لقرارات مجلس الوزراء، والتزم المصلون في المساجد بتطبيق الإجراءات الاحترازية والاشتراطات الصحية من لبس الكمام وإحضار سجادة الصلاة وغيرها.

تعميم إداري

     وفي سياق متصل، أصدر وكيل وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لشؤون المساجد م.بدر العتيبي تعميما إداريا رقم 18 لسنة 2021 موجها للأئمة والخطباء والمؤذنين بشأن تقارب المصلين في الصفوف، وجاء في التعميم -الذي حصلت «الفرقان» على نسخة منه، أنه بناء على قرار مجلس الوزراء بشأن خطة العودة التدريجية للحياة الطبيعية، يرجى الالتزام والتقيد بما يلي:

     دعوة المصلين إلى رص الصفوف، وسد الخلل في صلوات الجمعة والجماعة، وذلك اعتبارا من الجمعة 22 أكتوبر، والتأكيد على جمهور المصلين بضرورة الالتزام بالاشتراطات الصحية من لبس الكمام، وإحضار سجادة الصلاة الخاصة، وحث غير المطعمين على التحصين من خلال أخذ اللقاحات المقررة، وفتح النوافذ والأبواب قبيل الأذان، ثم إغلاقها بعد أداء الصلاة بـ 10 دقائق، وتكرار التنبيه على المصلين بضرورة الالتزام بالاشتراطات بين الحين والآخر.

خطبة الجمعة

     وقد خصصت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية خطبة الجمعة بتاريخ 16 من ربيع الأول 1443هـ - الموافق 22/10/2021م للحديث عن أهم الدروس المستفادة من جائحة كورونا؛ حيث أكدت الخطبة أنه يجب علينا أنَّ نَحْمَد رَبَّنَا -جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ- عَلَى مَا دَفَعَ عَنَّا مِنَ الوَبَاءِ وَالنِّقَمِ، وَمَا أَسْبَغَ عَلَيْنَا مِنَ الآلَاءِ وَالنِّعَمِ؛ حيث أَوْشَكَتِ الحَيَاةُ أَنْ تَعُودَ إِلَى طَبِيعَتِهَا، بَعْدَ أَنْ عَانَتِ البَشَرِيَّةُ مِنْ جَائِحَةِ كُورُونَا وَشِدَّتِهَا.

دُرُوسٌ كَثِيرَةٌ

     ثم بينت الخطبة أنه هذه الجَائِحَةِ كان بها دُرُوسٌ كَثِيرَةٌ، وَعِبَرٌ وَمَوَاعِظُ لِلْمُتَّعِظِينَ كَبِيرَة، فَإِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ مِنَ البَلَايَا، وَيَخْتَبِرُهُمْ بِمَا أَرَادَ مِنَ الرَّزَايَا، لَعَلَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ يَرْجِعُونَ، وَمِنْ ذُنُوبِهِمْ وَآثَامِهِمْ يَتُوبُونَ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: {وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَﱠ} (الأعراف: 168). وَقَالَ -عَزَّ مِنْ قَائِلٍ-: {قُلْ مَن ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُم مِّنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا} (الأحزاب:17).

حقيقة الابتلاءات

     وبينت الخطبة أن تِلْكَ الِابْتِلَاءَاتِ قَدْ تَكُونُ عَذَابًا عَلَى الجَاحِدِينَ، وَرَحْمَةً لِلْمُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ لِلْمُؤْمِنِ الصَّابِرِ المُحْتَسِبِ تَكْفِيرًا لِسَيِّئَاتِهِ، أَوْ رَفْعًا لِدَرَجَاتِهِ؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنهمَا-: عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: قَالَ: «مَا يُصِيبُ المُسْلِمَ، مِنْ نَصَبٍ وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ وَلَا حُزْنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا؛ إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ» (أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ)، وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ: ابْتَلَاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ، أَوْ فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ -تَعَالَى» (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).

وَقْعٌ عَظِيمٌ وَوَطْأَةٌ شَدِيدَةٌ

     وبينت الخطبة أن جَائِحَةِ كُورُونَا كَانَ لها وَقْعٌ عَظِيمٌ، وَوَطْأَةٌ شَدِيدَةٌ لَمْ تَسْلَمْ مِنْهَا دُوَلٌ وَحُكُومَاتٌ، وَلَا شُعُوبٌ وَأَفْرَادٌ وَجَمَاعَاتٌ، فَالعَالَمُ كُلُّهُ قَدْ تَأَثَّرَ بَأَضْرَارِهَا وَاصْطَلَى بِنَارِهَا وَتَضَرَّرَ بَآثَارِهَا، فَكَانَ مِنْهَا الدُّرُوسُ وَالعِبَرُ، وَالآثَارُ الظَّاهِرَةُ لِكُلِّ مَنِ اعْتَبَرَ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ تِلْكَ الدُّرُوسِ:

الدرس الأول: ظُهُورُ ضَعْفِ الإِنْسَانِ أَمَامَ قُدْرَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا

     فَالإِنْسَانُ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ وَالعَجْزِ وَالفَقْرِ؛ وَاللهُ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيد} (فاطر:15)، وَقَدْ ظَهَرَ لِبَنِي الإِنْسَانِ عِيَانًا أَنَّ القُوَّةَ المَادِّيَّةَ وَحْدَهَا لَا تَكْفِي، وَأَنَّ الرُّكُونَ إِلَيْهَا مُنْفَرِدَةً نَقْصٌ فِي الإِنْسَانِ وَعَجْزٌ، وَأَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- هُوَ المَلْجَأُ عِنْدَ حُلُولِ الكَوَارِثِ وَنُزُولِ البَلِيَّاتِ، وَالرُّكْنُ الرَّكِينُ الَّذِي لَا يُغْلَبُ فِي الشَّدَائِدِ وَالمُلِمَّاتِ، {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ} (الذاريات: 50).

الدرس الثاني: الأُمُورُ كلُّهَا بِيَدِ اللهِ وَتَقْدِيرِه

    وَمِنْهَا: أَنَّ الأُمُورَ كُلَّهَا مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ وَنَفْعٍ وَضَرٍّ وَغِنًى وَفَقْرٍ، وَصِحَّةٍ وَسَقَمٍ وَنِعَمٍ وَنِقَمٍ، إِنَّمَا هِيَ بِيَدِ اللهِ وَتَقْدِيرِهِ -جَلَّ جَلَالُهُ- {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ} (القمر:49). وَقَدْ يَظُنُّ بَعْضُ النَّاسِ أن ابْتِلَاءَ الإِنْسَانِ بِالسَّرَّاءِ إِكْرَامًا لَهُ لَا امْتِحَانًا وَاخْتِبَارًا، وَيَرَى الِابْتِلَاءَ بِالضَّرَّاءِ انْتِقَامًا وَإِضْرَارًا؛ يَقُولُ اللهُ -سُبْحَانَهُ-: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ، وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ}، (الفجر: 15-16)، وَالحَقِيقَةُ هِيَ أَنَّ اللهَ -تَعَالَى- يَبْتَلِي العِبَادَ تَارَةً بَالمَسَارِّ لِيَشْكُرُوا، وَيَخْتَبِرُهُمْ بَالمَضَارِّ تَارَةً لِيَصْبِرُوا، وَقَدْ تَكُونُ المِنْحَةُ فِي المِحْنَةِ؛ قَالَ -تَعَالى-: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (الأنبياء٣٥).

وَلَقَدْ أَحْسَنَ مَنْ قَالَ:

قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالْبَلْوَى وَإنْ عَظُمَتْ

                                               وَيَبْتَلِي اللهُ بَعْضَ الْقَوْمِ بِالنِّعَمِ

الدرس الثالث: الحَاجَة المُلِحَّة إِلَى المَصَادِرِ المَوْثُوقَةِ

     وَمِنْهَا: بُرُوزُ الحَاجَةِ المُلِحَّةِ إِلَى المَصَادِرِ المَوْثُوقَةِ فِي اسْتِقَاءِ المَعْلُومَاتِ فِي المَعْرِفَةِ عَموما، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالجَائِحَةِ مِنَ الجِهَاتِ الرَّسْمِيَّةِ وَذَاتِ الِاخْتِصَاصِ خَصوصا، وَضَرَرُ أَخْذِ المَعْلومَاتِ مِنْ غَيْرِ مَصَادِرِهَا الحَقِيقِيَّةِ؛ لِأَنَّ نَشْرَ الدِّعَايَةِ وَالأَكَاذِيبِ وَالإِشَاعَاتِ المُغْرِضَةِ قَدْ يُحَطِّمُ النُّفُوسَ، وَيُؤَدِّي إِلَى إِثَارَةِ الفَوْضَى وَالبَلْبَلَةِ وَالتَّلَاعُبِ بِعُقُولِ النَّاسِ وَنَفْسِيَّاتِهِمْ.

الدرس الرابع: ظُهُورُ نِعَمِ اللهِ الكَثِيرَةِ عَلَى الْبَشَرِ

     وَمِنَ الدُّرُوسِ أَيْضًا: ظُهُورُ نِعَمِ اللهِ الكَثِيرَةِ عَلَى الْبَشَرِ الَّتِي لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِهَا وَيَعْرِفُونَ قِيمَتَهَا إِلَّا حِينَ تَعَطَّلَتْ فِيهَا الحَيَاةُ حَتَّى عَادَتْ شِبْهَ حَيَاةٍ، فَتَوَقَّفَتِ المَعَامِلُ وَالمَصَانِعُ، وَأُغْلِقَتِ الشَّرِكَاتُ وَالمُؤَسَّسَاتُ، وعُطِّلَتِ المَدَارِسُ وَالمُؤَسَّسَاتُ وَالوَزَارَاتُ، وَتَوَقَّفَتِ الرِّحْلَاتُ الجَوِّيَّةُ وَالبَرِّيَّةُ، وَأُغْلِقَتِ الأَسْوَاقُ وَالمَحَلَّاتُ، وَتَعَطَّلَتْ حَرَكَةُ التِّجَارَةِ وَالصِّنَاعَةِ وَأَكْثَرُ جَوَانِبِ الحَيَاةِ، فَبَانَ بِهَا مَا كَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ العَظِيمِ عَلَى النَّاسِ، كَمَا قَالَ -تَعَالَى-: {وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} (النحل: 53).

الدرس الخامس: اتِّخَاذ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ المُبَاحَةِ

     وَمِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ مِنْ جَائِحَةِ كُورُونَا: أَنَّ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ -تَعَالَى- بِنَا، وَمِنْ عَظِيمِ فَضْلِهِ عَلَيْنَا أَنْ أَمَرَنَا بِاتِّخَاذِ الأَسْبَابِ الشَّرْعِيَّةِ المُبَاحَةِ؛ لِلْوِقَايَةِ مِنَ الأَمْرَاضِ وَعِلَاجِهَا بِالأَدْوِيَةِ المَشْرُوعَةِ المُتَاحَةِ، وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ كَمَالِ التَّوَكُّلِ عَلَيْهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-؛ فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- لَمْ يَضَعْ دَاءً، إِلَّا وَضَعَ مَعَهُ شِفَاءً» (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).

الدرس السادس: الصِّحَّة تَاجٌ عَلَى رُؤُوسِ الأَصِحَّاءِ

     وَتَبَيَّنَ لِلْعِبَادِ أَنَّ العَافِيَةَ لَا ثَمَنَ لَهَا يُرْتَضَى، وَأَنَّ الصِّحَّةَ تَاجٌ عَلَى رُؤُوسِ الأَصِحَّاءِ لَا يَرَاهَا إِلَّا المَرْضَى، فَكَمْ رَأَيْنَا مِنْ خَوْفٍ وَهَلَعٍ، وَحَذَرٍ وَتَرَقُّبٍ وَفَزَعٍ!؛ إِذْ عَاشَ العَالَمُ شُهُورًا عَصِيبَةً، وَقَاسَى أَوْقَاتًا رَهِيبَةً، وَبَانَ أَنَّ الأَمْنَ وَالإِيمَانَ أَعْظَمُ نِعَمِ اللهِ عَلَى الإِنْسَانِ؛ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الخَطْمِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ: فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» (أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ الأَلْبَانِيُّ).

الدرس السابع: أَثَر التَّكَاتُفِ وَالتَّعَاوُنِ فِي أَيَّامِ المِحْنَةِ

     وَمِنَ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ: مَا رَأَيْنَاهُ مِنْ أَثَرِ التَّكَاتُفِ وَالتَّعَاوُنِ فِي أَيَّامِ المِحْنَةِ بَيْنَ الجِهَاتِ وَالمُؤَسَّسَاتِ جميعا وَعَلَى مُسْتَوَى الأَفْرَادِ وَالجَمَاعَاتِ، فَقَدْ شَعَرَ النَّاسُ بِأَنَّهُمْ فِي مَرْكَبٍ وَاحِدٍ، إِنْ نَجَا نَجَوْا جَمِيعًا، وَإِنْ غَرِقَ هَلَكُوا جَمِيعًا، وَمَا رَأَيْنَاهُ أَيْضًا مِنِ اجْتِمَاعٍ لِلْأُسَرِ كُلٌّ فِي مَوْضِعِهِ، يَلْتَقُونَ عَلَى المَحَبَّةِ وَيَفْتَرِقُونَ عَلَى المَوَدَّةِ، وَكُلٌّ حَرِيصٌ عَلَى الآخَرِ مِنْ أَنْ يَمَسَّهُ سُوءٌ أَوْ مَكْرُوهٌ؛ فَإِنَّ لِلأَهْلِينَ عَلَى بَعْضِهِمْ حُقُوقًا مِنْ حَيْثُ الجُلُوسُ وَالمُؤَانَسَةُ وَالمُشَارَكَةُ فِي الآلَامِ وَالآمَالِ.

الدرس الثامن: عَظَمَة الإِسْلَامِ فِي تَنْظِيمِ الحَيَاةِ

     وَمِنْ أَعْظَمِ الدُّرُوسِ المُسْتَفَادَةِ: ازْدِيَادُ مَعْرِفَةِ عَظَمَةِ الإِسْلَامِ فِي تَنْظِيمِ الحَيَاةِ مِنْ كُلِّ جَوَانِبِهَا، وَعِنَايَتِهِ بِشُؤُونِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ مَعًا وَبِصِحَّةِ الإِنْسَانِ، إِذْ سَبَقَ العَالَمَ وَمُنَظَّمَاتِهِ الصِّحِّيَّةَ فِي تَشْرِيعِ الحَجْرِ أَوِ العَزْلِ الصِّحِّيِّ، وَأَمَرَ بِالطَّهَارَةِ فِي البَدَنِ وَالثِّيَابِ وَالمَكَانِ وَالأَوَانِي وَغَيْرِهَا؛ هَذَا وَقَدْ أَوْصَتِ السُّلُطَاتُ الصِّحِّيَّةُ مَعَ عَوْدَةِ تَرَاصِّ الصُّفُوفِ فِي المَسَاجِدِ بِمَجْمُوعَةٍ مِنَ الإِرْشَادَاتِ الَّتِي مِنَ المُهِمِّ الِالْتِزَامُ بِهَا، وَهِيَ لُبْسُ الكِمَامَةِ، وَأَنْ يُحْضِرَ المُصَلِّي سَجَّادَةَ الصَّلَاةِ الخَّاصَّةَ بِهِ، وَأَنْ يَحْرِصَ عَلَى التَّطْعِيمِ لِسَلَامَتِهِ وَسَلَامَةِ مَنْ حَوْلَهُ وَخَاصَّةً كِبَارَ السِّنِّ، وَقَدْ أَفَادَتْ فَتْوَى وِزَارَةِ الأَوْقَافِ بِهَذَا الخُصُوصِ أَنَّ اتِّبَاعَ هَذِهِ التَّعْلِيمَاتِ وَاجِبٌ دِيْنِيٌّ نَابِعٌ مِنْ حِرْصِ الشَّرِيعَةِ عَلَى سَلَامَةِ الفَرْدِ وَالمُجْتَمَعِ، وَأَنَّ المُخَالَفَةَ لِهَذِهِ التَّعْلِيمَاتِ فِيهَا مُخَاطَرَةٌ حَقِيقِيَّةٌ بِصِحَّةِ وَسَلَامَةِ النَّاسِ، فَقَدْ نَهَى الإِسْلَامُ عَنِ الضَّرَرِ وَالإِضْرَارِ، فَلَا يَضُرُّ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ وَلَا غَيْرَهُ؛ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ).

مَوَاعِظُ لِلْمُتَّعِظِينَ جِدُّ كَبِيرَةٍ

     من جانبه قال رئيس اللجنة العلمية بجمعية إحياء التراث الإسلامي الشيخ محمد الحمود النجدي -تعليقًا على إعادة التقارب بين الصفوف في المساجد وعودة الحياة إلى طبيعتها-: بداية نَحمدُ الله -جَلَّ جَلَالُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسماؤُهُ- على ما دَفَعَ عَنَّا مِنَ الوَبَاءِ والمرض، وما أَسْبَغَ عَلَيْنَا مِن العافية والنِّعَمِة، وَقَدْ عادت الحَيَاةُ إِلى طَبِيعَتِها، بَعْد أَنْ عَانَتِ البَشَرِيَّةُ مِنْ جَائِحَةِ كُورُونَا وشِدَّتِهَا، ولَقَدْ كَان لَنا فِي تلْك الجائِحَةِ دُرُوسٌ كَثِيرَةٌ، وَعِبَرٌ وَمَوَاعِظُ لِلْمُتَّعِظِينَ جِدُّ كَبِيرَةٍ، منها:

(1) ينبّهنا إلى ضعفنا وقلّة حيلتنا

     ينبغي أنْ يكون هذا الفيروس درساً وموعظة لنا جميعا، ينبّهنا إلى ضعفنا وقلّة حيلتنا، أمام قدرة العليّ العظيم -جلّ شأنه-؛ فهذا مخلوق مجهريّ لا يُرى بالعين، ومع ذلك فقد أثار الرّعب والذّعر في نفوس سكّان القارات السّبع، قال- سبحانه-: {وخُلق الإنسان ضعيفا}.

(2) العودة إلى الله -تعالى

     إن مثل هذه القوارع والبلايا التي تحل بنا، ينبغي أن تدعونا للعودة إلى الله -تعالى-، والالتجاء إليه، والاحتماء بحماه، فإنه لا مفرَّ من الله -تعالى- إلا إليه، ولذا قال -تعالى-: {ففروا إلى الله}، وذلك بالتّوبة وكثرة الاستغفار، فما نزلت بليةٌ ولا بلاءٌ إلا بذنب، ولا رفع إلا بتوبة واستغفار، قال -سبحانه-: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون}، فمثل هذا البلاء، والآية السماوية تدعو إلى التذكر والعظة، قال -سبحانه-: {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا}، يخاف العاصي فيتوب، ويخاف المؤمن فيزاد إيمانه ويقينه..

(3) حقيقة ماثلة أمامنا

     والحقيقة الماثلة أمامنا: إنه كلما أحدثت البشرية أنواعا من المعاصي والظلم والفواحش، ظهرت فيروسات أكثر ذكاء، وأمراض جديدة أشد خطورة لم تكن موجودة من قبل، كفيروس الإيدز وإيبولا وسارس وكورونا، وغيرها من الفيروسات. وبالتأكيد فإن فيروس كورونا الجديد لن يكون آخر هذه الفيروسات، وعلينا أن نتأملُ قولَه -تعالى-: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «وما لم تَظْهر الفاحشة في قومٍ حتى يُعلنوا بها، إلا فشت فيهم الأمراضُ والطواعين التي لم تكنْ مضت، في أسْلافهم الذين مضوا..» رواه أبو داود.

(4) عِبرةٌ لمن له قلبٌ سليمٌ

     إنَّه درسٌ عظيمٌ، وتذكرةٌ وعِبرةٌ لمن له قلبٌ سليمٌ، عندما وقفت دول العالم عاجزةً أمامَ فيروسٍ، مع الإمكاناتِ الكبيرةِ، والأموالِ الكثيرةِ، وما تَتَمتعُ به مِن خِبراتٍ وقُدراتٍ هائلةٍ، في مَجالِات العلوم المتنوعة، مُواجهةِ الطَّوارئِ الصَّحيةِ، لكن: {مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ}، وقال -عزَّ مِنْ قائِل-: {قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًاﱠ} (الأحزاب:17)، وقال -تعالى-: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ}.